مع تصاعد الاحتجاجات في عدد من المدن الإيرانية على خلفية غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، عادت المؤشرات الاقتصادية الرسمية إلى واجهة النقاش العام، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطا متزايدة لاحتواء التضخم والحد من تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
وتعكس البيانات الصادرة عن المؤسسات الرسمية الإيرانية صورة اقتصاد يحقق نموا محدودا على مستوى المؤشرات الكلية، لكنه يعاني في المقابل من اختلالات واضحة في هيكل الأسعار والدخل الحقيقي، ما يفسر اتساع الفجوة بين الأداء الاقتصادي المعلن والواقع المعيشي اليومي.
بحسب بيانات البنك المركزي الإيراني، يقدّر حجم الناتج المحلي الإجمالي لإيران بمئات المليارات من الدولارات بالأسعار الجارية، مع تفاوت في التقديرات تبعا لسعر الصرف المعتمد في الحسابات الرسمية.
ووفقا لبيانات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران بالأسعار الجارية نحو 475 مليار دولار في عام 2024، وبلغت نسبة نموه 3.7%، فيما بلغ متوسط دخل الفرد في العام ذاته 5190 دولارا.
ويعتمد الاقتصاد الإيراني بشكل رئيسي على قطاع النفط إلى جانب قطاعي الخدمات والصناعات التحويلية، في حين تؤكد الحكومة الإيرانية في بيانات وتصريحات رسمية سعيها إلى تعزيز الصادرات غير النفطية وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية في ظل العقوبات.
وأعلن البنك المركزي الإيراني في تقاريره الدورية أن الاقتصاد سجل نموا سنويا تراوح بين 3 و4% خلال العام الإيراني الماضي، مدفوعا بزيادة إنتاج النفط وتحسن نسبي في بعض الأنشطة الصناعية.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة إرنا عن محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي قوله إن " النمو الاقتصادي المسجل لا ينعكس تلقائيا على معيشة المواطنين"، مشددا على أن "خفض التضخم شرط أساسي لتحسين مستوى المعيشة".
كما نقلت وكالة تسنيم عن مسؤولين في البنك المركزي تأكيدهم أن "السيطرة على التضخم تمثل أولوية السياسة النقدية في المرحلة الحالية".
تعد معدلات التضخم من أبرز التحديات الاقتصادية الراهنة. ووفق أحدث بيانات مركز الإحصاء الإيراني بلغ متوسط معدل التضخم السنوي في 12 شهرا نحو 42%.
وحسب بيانات البنك الدولي بلغت نسبة التضخم في إيران 32.5% في عام 2024، وهي نسبة مرتفعة بلا شك.
وسجلت أسعار المواد الغذائية والإيجارات والنقل والخدمات الأساسية أعلى نسب الارتفاع، وهي القطاعات الأكثر تماسّا بالحياة اليومية للمواطنين، ما جعل غلاء المعيشة المحرك الرئيسي للاحتجاجات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، نقلت وكالة إرنا عن المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني قولها إن "الحكومة تدرك الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر"، مؤكدة أن "ضبط الأسعار وتحسين القدرة الشرائية من أولويات الحكومة".
كما نقلت وكالة تسنيم عنها تأكيدها أن "الظروف الاقتصادية صعبة، لكن الحكومة لن تتخلى عن مسؤوليتها في دعم معيشة المواطنين".
وتظهر بيانات مركز الإحصاء الإيراني أيضا تراجعا في الدخل الحقيقي للأسر، حيث ارتفعت حصة الغذاء والسكن من إجمالي الإنفاق الأسري، وهو ما يعد مؤشرا مباشرا على تآكل القدرة الشرائية.
على مستوى سوق العمل، أظهر أحدث تقرير صادر عن مركز الإحصاء الإيراني أن معدل البطالة الرسمي بلغ نحو 7.4%.
غير أن البيانات الرسمية نفسها تشير إلى أن معدلات البطالة بين فئة الشباب وخريجي الجامعات ما تزال أعلى من المتوسط العام، في ظل ضعف قدرة سوق العمل على استيعاب الداخلين الجدد.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة تسنيم عن وزير العمل والتعاون و الرعاية الاجتماعية أحمد ميدري قوله إن "البطالة بين الشباب تمثل تحديا هيكليا"، مشيرا إلى أن "حل هذه المشكلة يتطلب إصلاحات طويلة الأمد في سوق العمل".
وتفيد بيانات وتصريحات صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية الإيرانية بأن الدين الحكومي لا يزال ضمن مستويات تصفها الحكومة بأنها قابلة للإدارة، إذ يدور في حدود نسبة 35% إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي تصريحات نقلتها وكالة إرنا، أكد همتي أن "الحكومة ملتزمة بإدارة العجز المالي دون اللجوء إلى تمويل تضخمي"، محذرا من أن "التوسع غير المنضبط في السيولة يؤدي إلى ارتفاع الأسعار".
وفي ما يتعلق بالدين الخارجي، تؤكد السلطات الإيرانية أنه محدود ولا يتجاوز بضعة مليارات من الدولارات، نتيجة القيود المفروضة على الاقتراض الخارجي في ظل العقوبات.
ترجع الحكومة الإيرانية جزءا كبيرا من الضغوط الاقتصادية الحالية إلى العقوبات. وفي هذا السياق، نقلت وكالة إرنا عن مسؤولين حكوميين قولهم إن "العقوبات رفعت كلفة الاستيراد والتحويلات المالية وأثرت مباشرة على معيشة المواطنين".
كما نقلت وكالة تسنيم عن مسؤولين اقتصاديين تأكيدهم أن "جزءا من التحديات الاقتصادية يعود أيضا إلى اختلالات داخلية في السياسات النقدية والدعم".
وتعكس الأرقام الرسمية، مدعومة بتصريحات حكومية، وجود أزمة معيشية متفاقمة بفعل التضخم المرتفع وتآكل الدخل الحقيقي وضعف سوق العمل.
وتبدو الاحتجاجات الأخيرة انعكاسا مباشرا لفجوة متزايدة بين المؤشرات الاقتصادية الرسمية وواقع معيشة المواطنين، في ظل تحديات داخلية وخارجية متراكمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة