تسعى الهند إلى تسريع استراتيجية تنويع أسواقها التجارية عبر إبرام اتفاقات ثنائية ومتعددة الأطراف، بهدف الحد من آثار الرسوم الجمركية المشددة التي فرضتها الولايات المتحدة بنسبة 50% على منتجاتها، في وقت ما تزال فيه مفاوضات نيودلهي مع واشنطن تراوح مكانها.
وتطبق واشنطن هذه الرسوم منذ أغسطس/آب الماضي، ردًا على استمرار الهند في شراء النفط الروسي، وهو ما شكّل ضربة قوية لصادرات الهند، ودفع الحكومة إلى التحرك سريعًا لتقليص الاعتماد على السوق الأميركية، وفق تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.
ويرى خبراء أن نيودلهي أعادت ترتيب أولوياتها التجارية، فخلال 2025 وقّعت أربعة اتفاقات، من بينها اتفاق تجارة حرة مع المملكة المتحدة، كما تُجري محادثات متقدمة مع الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، والمكسيك، وتشيلي، إضافة إلى تكتل ميركوسور في أميركا الجنوبية.
وأشار مركز "غلوبل ترايد ريسيرتش إينيشاتيف" في نيودلهي إلى أن نجاح هذه المفاوضات سيجعل الهند مرتبطة "بكل الاقتصادات الكبرى تقريبًا".
وقال مؤسس المركز، أجاي سريفاستافا، إن الهدف هو "توزيع المخاطر" في ظل "بيئة تجارية عالمية أكثر تجزؤًا"، وليس مجرد الابتعاد عن الولايات المتحدة، الشريك التجاري الأول للهند.
من جانبه، اعتبر بيسواجيت دهار من مجلس التنمية الاجتماعية أن "كل شيء تسارع" بعد العقوبات الأميركية، مؤكدًا أن الهند لا تملك خيارًا سوى توسيع أسواقها عبر اتفاقات تجارية جديدة.
يتوقع المصدّرون أن تسهم الاتفاقات المرتقبة في دعم القطاعات كثيفة العمالة، ولا سيما تلك المتضررة من الرسوم الأميركية. وأوضح مجلس الترويج الهندي لصادرات المنسوجات أن اتفاق التجارة الحرة مع المملكة المتحدة، الموقع في يوليو/تموز 2025 والمقرر دخوله حيز التنفيذ هذا العام، قد يؤدي إلى مضاعفة صادرات الهند نحو السوق البريطانية.
أما اتفاق التجارة مع الاتحاد الأوروبي -الذي كان مقررًا توقيعه نهاية 2025- فسيكون "الأكبر من نوعه في العالم"، وفق رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، التي تزور نيودلهي أواخر يناير/كانون الثاني الجاري. وتوقع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التوصل إلى الاتفاق "في الأسابيع المقبلة".
كما يتصدر "تعزيز التعاون في مجالي التجارة والاستثمار" جدول أعمال الاجتماع المرتقب في الهند بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بحسب مكتب الأخير.
ولا تقتصر الاستراتيجية الهندية على الاقتصادات الكبرى؛ إذ يشكل الاتفاق الموقع في ديسمبر/كانون الأول الماضي مع سلطنة عُمان -التي بلغت قيمة التبادل التجاري معها نحو 11 مليار دولار العام الماضي- بوابة إلى أسواق أوسع في الشرق الأوسط و أفريقيا، وفق مجموعة الخدمات المالية نومورا.
كما أسهم الاتفاق مع نيوزيلندا في استقطاب نحو 20 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية، وعكس استعداد نيودلهي لتسويات في ملف الزراعة، وهو أحد أكثر الملفات تعقيدًا في مفاوضاتها مع واشنطن.
ورغم تأكيد مسؤول في وزارة التجارة الهندية -فضل عدم ذكر اسمه- أن بلاده قادرة على إظهار مرونة أكبر، يشكك بعض المصدرين في قدرة الأسواق الجديدة على تعويض التراجع المحتمل في الصادرات إلى الولايات المتحدة.
وأظهرت البيانات ارتفاع الصادرات الهندية بنسبة 19% في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، مدفوعة بالإلكترونيات ومنتجات صيد الأسماك، في انتعاش غير متوقع بعد تراجع في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وفيما انخفضت واردات الهند من النفط الروسي إلى 1.2 مليون برميل يوميًا في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وفق منصة "كيبلر"، ما زال من غير المؤكد ما إذا كان ذلك كافيًا لتخفيف موقف إدارة دونالد ترامب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة