في لحظةٍ لم تُقاس بوقعها السياسي فقط، بل بارتداداتها على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، دخلت التجارة الفنزويلية مرحلة اضطراب حاد عقب عملية القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، وسط حصار أميركي متشدد وتحركات بحرية لافتة لناقلات النفط.
وفي حين انشغل المشهد العام بالصدمة الجيوسياسية، ظل السؤال التجاري هو الأكثر إلحاحا: إلى أي مدى يمكن لهذا التطور أن يعطّل التدفقات التجارية والنفطية، إقليميا وعالميا، أم أن أثره سيبقى محصورا في نطاقه المحلي؟
ووفق قراءة أولية لتقارير إعلامية، فإن التجارة هي ساحة الاختبار الأوضح لنتائج العملية الأميركية، في وقتٍ تحاول فيه الأسواق والمستثمرون تقدير حجم الصدمة بعيدا عن الضجيج السياسي.
وتشير البيانات والأرقام، حتى الآن إلى اضطراب فعلي في الموانئ والشحن والنفط، لكن دون مؤشرات على انهيار في التجارة العالمية، مع بقاء المخاطر مفتوحة على سيناريوهات أوسع.
وترى وكالة بلومبيرغ أن "اضطرابات الشحن حول فنزويلا يُرجّح أن تبقى محلية" عقب العملية الأميركية التي شملت أضرارا في ميناء رئيسي في كراكاس.
وبحسب يهوذا ليفين، رئيس الأبحاث في منصة "فريتوس"، فإن إغلاق ميناء "لا غوايرا"، ثاني أكبر موانئ الحاويات في البلاد، "سيؤدي إلى تأخير تسليم بعض الشحنات للمستوردين والمصدّرين".
ويضيف ليفين في تصريح نقلته بلومبيرغ "فنزويلا سوق حاويات صغير نسبيا، ويمكن إعادة توجيه جزء من الطاقة عبر ميناء كابيلو، على بعد نحو 60 ميلا غربا"، مؤكدا "لا نتوقع آثارا متسلسلة ذات شأن على الشحن الإقليمي أو العالمي"، وتُظهر بيانات بلومبيرغ أن سفينة حاويات واحدة فقط كانت راسية في لا غوايرا وقت إعداد التقرير.
من زاوية أكثر تقنية، يشير لارس ينسن، الرئيس التنفيذي لشركة "فيسبوتشي ماريتايم"، إلى أن فنزويلا "تفتقر إلى خدمات شحن أعالي البحار المباشرة"، مستندا إلى بيانات "لاينرليتيكا" التي تُظهر وجود 7 خدمات إقليمية أو مغذّية فقط، ويوضح ينسن أن ميناءي لا غوايرا وكابيلو يتعاملان مع ما بين 1.1 و1.3 مليون حاوية نمطية سنويا.
ويقول في منشور نقله تقرير بلومبيرغ "يجب النظر إلى هذا الرقم في سياق أن مناولة موانئ الحاويات عالميا تقل قليلا عن مليار حاوية نمطية"، معتبرا أن الحدث "صغير للغاية" من زاوية الحاويات، ومقارنا أثره بالحرب الروسية الأوكرانية التي وصفها بأنها "قضية جيوسياسية كبرى ذات تأثير مباشر محدود على شحن الحاويات".
ورغم محدودية أثر الحاويات، يلفت ينسن إلى أن "الانعكاسات قد تكون أكبر على ناقلات النفط أكثر من الحاويات، نظرا لاحتياطيات النفط الفنزويلية".
هذا التقييم يتقاطع مع ما أوردته بلومبيرغ حول بقاء البنية التحتية النفطية "دون مساس مباشر" في الضربة الأميركية، مع رهان واشنطن على إعادة إحياء القطاع.
وتنقل صحيفة نيويورك تايمز أن إنتاج فنزويلا النفطي تراجع إلى نحو 900 ألف برميل يوميا، مقارنة بـ3.5 ملايين برميل يوميا عام 1997، رغم امتلاك البلاد احتياطيات تُقدّر بنحو 300 مليار برميل.
وتشير الصحيفة إلى أن بلوغ مستوى مليوني برميل يوميا "بحلول أوائل ثلاثينيات القرن" قد يتطلب استثمارات "تتجاوز 100 مليار دولار"، وفق تقدير شراينر باركر من شركة "ريستاد إنرجي".
وفي تطور لافت على خط التجارة النفطية، أفادت الجزيرة نت نقلا عن رويترز بأن 12 ناقلة محمّلة بالنفط الخام والوقود الفنزويلي غادرت المياه الإقليمية في الأيام الأخيرة "من دون مراقبة"، في ما بدا ككسر للحصار الأميركي المفروض الشهر الماضي.
وبحسب خدمة "تانكر تراكرز"، فإن جميع السفن التي رُصدت تخضع لعقوبات أميركية، في حين غادرت ناقلات أخرى البلاد فارغة بعد تفريغ شحناتها أو إتمام عمليات نقل داخلية.
وتوضح رويترز نقلا عن مصدر مطلع أن السلطات الفنزويلية سمحت "لـ4 ناقلات عملاقة على الأقل" بالمغادرة دون رصد، مع بقاء الغموض قائما حول ما إذا كان ذلك تم "تحديا للإجراءات الأميركية".
هذه الصادرات، وفق التقرير، قد تشكل "متنفسا" لشركة "بي دي في إس إيه" الحكومية التي راكمت مخزونات كبيرة نتيجة توقف الصادرات.
وترصد وكالة رويترز هدوءا نسبيا في رد فعل الأسواق، إذ ارتفعت الأسهم الآسيوية وتراجعت أسعار النفط بشكل طفيف، في حين صعد الذهب كملاذ آمن. ويعزو محللون ذلك إلى أن "حصة فنزويلا من الإنتاج النفطي العالمي صغيرة"، وأن رفع الإنتاج يتطلب "سنوات من الاستثمار".
لكن هذا الهدوء لا يلغي المخاطر، كما يقول تاي هوي، كبير إستراتيجيي الأسواق في "جيه بي مورغان لإدارة الأصول": "يجب أن تكون هناك تداعيات جيوسياسية أوسع، لكن الأسواق المالية ليست ذات كفاءة دائما في تسعير هذه المخاطر بدقة"، ويضيف في تصريح لرويترز أن الحدث "قد يعيد طرح أسئلة مقلقة" حول الصين وإيران وتوازنات القوة الأوسع.
في المحصلة، تُظهر التقارير أن التجارة، لا السياسة وحدها، هي ميدان القياس الحقيقي لعملية القبض على مادورو، فاضطراب الموانئ والحاويات يبدو حتى الآن محدودا ومحليا، في حين يظل النفط القناة الأشد حساسية، سواء عبر الاستثمارات المحتملة أو عبر حركة ناقلات تكسر القيود المفروضة.
وفي حين تؤكد بلومبيرغ أن "الآثار المتسلسلة العالمية غير متوقعة حاليا"، تحذر رويترز من أن "الاستخفاف بالمخاطر الجيوسياسية قد يكون مكلفا"، في وقتٍ تبقى فيه التجارة الفنزويلية معلّقة بين حصار قائم، وأسواق تراقب، ونظام عالمي يعيد اختبار حدوده.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة