لماذا يُقّدر الناس الموهبة الفطرية أكثر من العمل الجاد؟
- *ديفيد روبسون
- بي بي سي فيوتشر
في كل تخصص تقريبا، يأتي النجاح عن مزيج من الموهبة والمثابرة. ولكن إذا استمعت إلى أشهر الشخصيات وهم يصفون رحلتهم في الحياة، فسوف تسمعهم وهم يشيدون بالجهد الكبير الذي بذلوه، بينما يقللون بشكل غريب من دور قدراتهم الفطرية.
قد تكون مقولة توماس إديسون هي الأكثر اقتباسا في هذا الشأن، مع ادعائه بأن "العبقرية هي إلهام بنسبة واحد بالمائة وتسعة وتسعين بالمائة من الاجتهاد"، ولكن توجد العديد من الاختلافات الأخرى.
فقط ضع في اعتبارك نصيحة أوكتافيا بتلر للكُتّاب الجدد. "انس الموهبة. إذا كانت لديك فلا بأس، استخدمها. إذا لم تكن لديك، فلا يهم. نظرا لأن العادة يمكن الاعتماد عليها أكثر من الإلهام، فإن التعلم المستمر يمكن الاعتماد عليه أكثر من الموهبة".
كما أكد لاعب كرة القدم البرتغالي، كريستيانو رونالدو، على الدم والعرق والدموع التي دخلت في تدريباته. وعندما سئل عن أسرار نجاحه على أرض الملعب قال: "الموهبة بدون عمل لا تساوي شيء".
قد تكون مثل هذه الروايات مفيدة للشخصيات الشهيرة التي ترغب في أن تبدو متواضعة وقوية. لكن الأبحاث النفسية الحديثة تظهر أن المبالغة في التأكيد على أهمية العمل الجاد يمكن أن تأتي بنتائج عكسية في العديد من المواقف المهنية بفضل ظاهرة تُعرف باسم "التحيز الطبيعي".
تشير هذه الدراسات إلى أن الناس لديهم احترام أكبر لمن لديهم موهبة فطرية، أكثر من أولئك الذين اضطروا إلى الكفاح من أجل نجاحهم.
يُعتقد أن التحيز الطبيعي يعمل دون الإدراك الواعي، ويمكن أن تكون تداعياته غير عادلة مطلقا. في التوظيف، على سبيل المثال، قد يفضل القائمون على المقابلات مرشحا أقل تأهيلا إذا اعتقدوا أن إنجازاته نشأت من موهبة طبيعية، مقارنة بمرشح أكثر إنجازا أظهر عزما وتصميما.
لحسن الحظ، فإن العلماء الذين يقفون وراء هذا البحث لديهم بعض النصائح حول الطرق التي يمكننا من خلالها تجنب "العقاب" على عملنا الشاق.
عبقرية خالصة
في علم نفس المستهلك، غالبا ما يستخدم مصطلح "التحيز الطبيعي" لوصف تفضيلنا للسلع الطبيعية على السلع الاصطناعية.
يبدو أن المؤلف مالكولم غلادويل كان أول من طبق المفهوم على القدرات البشرية، خلال عرض تقديمي إلى جمعية علم النفس الأمريكية (APA) في عام 2002.
يقول: "على بعض المستويات الأساسية، نعتقد أنه كلما اقترب شيء ما من حالته الأصلية، وكلما قل تغييره أو تزييفه، كلما كان مرغوبا فيه".
ومن خلال هذا المنطق، يرى أن الشخص الذي كان عليه أن يعمل بجد لتحقيق النجاح قد خالف "طبيعته" بشكل أساسي، ولن تُحترم إنجازاته كثيرا.
استندت حجة غلادويل إلى حد كبير على الملاحظة بدلا من الأدلة التجريبية، لكن شيا جونغ تساي، الأستاذة المشاركة بقسم الإدارة في كلية لندن الجامعية، وضعت الفكرة تحت الاختبار في سلسلة من الدراسات.
لاعب كرة القدم البرتغالي، كريستيانو رونالدو، يرى أن الموهبة بدون عمل لا تساوي شيئا
فحصت تجربة تساي الأولية، التي أُجريت أثناء وجودها في جامعة هارفارد، تصورات الناس عن المواهب الموسيقية.
كان المشاركون جميعهم من الموسيقيين المدربين، الذين قُدموا مقطعين مدة كل منهما 20 ثانية من تأليف الموسيقي الروسي، إيغور سترافينسكي.
قام عازف البيانو التايواني، غوينيث تشين، بعزف كلا المقتطفين، ولكن تم دفع المشاركين للاعتقاد بأنهم جاؤوا من تسجيلات قام بها عازفا بيانو مختلفان.
مع كل مقطع موسيقي، تم إعطاء المشاركين نصا قصيرا عن السيرة الذاتية (للموسيقيين الاثنين المفترضين)، حيث أكد إما على الموهبة الطبيعية للمؤدي، أو العمل الجاد الذي ساعده على تطوير فنه. بعد الاستماع، كان عليهم تقييم قدرة المؤدي وفرص نجاحه في المستقبل وقابليته للتوظيف كموسيقي محترف.
من الناحية النظرية، كان يجب أن يصنف المشاركون كلا المقتطفين على أنهما متماثلان. (لقد كانوا في نهاية المطاف يسمعون الأجزاء المختلفة من نفس الأداء) ومع ذلك، وجدت تساي أن معلومات السيرة الذاتية لها تأثير ملحوظ على أحكامهم: لقد أعطوا تقييمات أعلى بكثير إذا كانوا قد قرأوا عن العبقرية الفطرية للمؤدي، وتقديرات أقل إذا كانوا قد قرأوا عن تفاني المؤدي في تدريباته اليومية.
والمثير للدهشة أن هذه الأحكام تناقضت بشكل مباشر مع معتقدات العازفين، التي عبروا عنها صراحة حول أساليب النجاح الموسيقي.
عندما تم سؤالهم مباشرة عن العامل الأكثر أهمية للإنجاز الموسيقي، اختار معظمهم الجهد على الموهبة.
بالنظر إلى هذه النتيجة، تشتبه تساي في أن التحيز الطبيعي قد يكون نتيجة لمعالجة الدماغ غير الواعية.
وُلد ليكون عظيما
لمعرفة ما إذا كان التحيز الطبيعي يمكن أن ينطبق على مجالات أخرى، إلى جانب الموسيقى، صممت تساي تجربة مماثلة فحصت مواقف الناس تجاه النجاح في مجال ريادة الأعمال.
تم إعطاء كل من المشاركين لمحة عن رائد أعمال ناشئ، وعرض صوتي مدته دقيقة واحدة لخطة أعماله. كانت المعلومات عن رواد الأعمال متطابقة في كل حالة، باستثناء بضع جمل تصف كيف وصلوا إلى نجاحاتهم الحالية. بالنسبة لنصف المشاركين، قدمت معلومات السيرة الذاتية الشخص (رائد الأعمال) على أنه مناضل عمل بجد. بالنسبة للنصف الآخر، يصور الملف الشخصي شخصا طبيعيا يتمتع بموهبة فطرية.
بعد قراءة الملف التعريفي، قام المشاركون بعد ذلك بتقييم رواد الأعمال ومقترحاتهم التجارية على مستويات مختلفة. وجدت تساي نفس النوع من الأحكام التي رأتها في تقييمات القدرة الموسيقية.