آخر الأخبار

بين القومية التاريخية وهواجس الهوية.. تفكيك أزمة اللجوء والخطاب اليميني في مصر

شارك

بعد سنوات طويلة، وربما بعد أن يجد الظرف المناسب للعودة إلى بلاده، سيتذكر "الحسين عبد الكريم" حياته كلاجئ وعمله الذي يقتات منه في شحن وتدوير النفايات بأحد أكثر المجتمعات التشاركية شهرة، والتي لا تزال تصارع نظرة مجتمعية جائرة: «حي الزبالين» بالقاهرة.

هناك، حيث لا يزال يطوف في الجو ذعرٌ دائم، كان على عبد الكريم -وهو ابن قابلة بإحدى قرى شمال السودان وصياد سمك مياه عذبة- أن يشق طريقه بالمناكب بين أطنان من نفايات متكدسة وسيارات متوقفة كيفما اتفق، ليبدأ الساعة الأولى من يوم عمل طويل ينتهي بانتهاء صف العربات المرابطة في الأركان.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا ينافس طب العطارين الصيدليات في العراق؟
* list 2 of 2 رفع حظر التجول يعيد الحركة الليلية إلى شوارع الخرطوم end of list

فوق إحدى تلك العربات، وبينما كان يهم بإنزال حمولتها بخطاف مرتجل، طلبتُ منه الإذن بالحديث عن وضعه كلاجئ وظروف عمله كغريب وحياته كناجٍ من الحرب. أبدى مظاهر لطف خالص بابتسامة مشرقة ربما تكون إحدى خصاله، لكنه ما إن نفض يديه من الغبار حتى وقف رئيسه أمامه متقاطع الذراعين، وكانت نظرة واحدة منه كافية ليرسم دراماتيكية صريحة وهو يلوح: "لا صحافة".

التفت إليّ قائلا: "لست سائحا". قلتُ: "الأمر بسيط إذا". فقال: "ممنوع الصحافة، ممنوع التصوير، ممنوع كل شيء".

لكنه ما إن أدار ظهره وذهب، حتى مدّ إليّ عبد الكريم ما تبقى من ذراعه المنهوكة مثل مربي صقور، فاستندتُ إليها وهمس في أذني بصوت خافت ونبرة تواطؤ: "انتظرني في هذا المقهى"، وأشار بيده إلى خط وحيد المركز.

مصدر الصورة الحسين عبد الكريم لاجئ سوداني في مصر يعمل في شحن وتدوير النفايات (الجزيرة)

جاء بعد ساعتين نظيفا وأنيقا، ودون أسمال، وبحذائه الخاص بالمراسم، فبدا وكأنه نقيض ضجيج النهار. أجبرني على لعب دورة "دومينو" كاملة بدأها بضربة حجر ترددت أصداؤها في أرجاء المقهى كما لو أنها قذيفة هاون. لعبتُ كندّ له، وخسرتُ متعمدا، إلى أن استسلم للراحة وباح بمكنون قلبه.

إعلان

أخبرني أنه -مثل كثير من اللاجئين- لم يعد يحمل خيبات أمل قديمة، ولا يهتم بمشاعر الهزيمة التي تسيطر عليه رغم نجاته من الموت في حروب بلاده، ولا بأجره المنخفض الذي لا يكفيه للعيش بكرامة تليق بحنينه، ولا حتى بحياة التشرد التي يقضي فيها الليل فوق أكداس النفايات المعاد تدويرها.

لم يعد يهمني أي شيء، فالمجد في النهاية للآخرين.. لكن ما يؤلمني بحق هو المعاملة التي أتلقاها مؤخرا، إذ لم يعد يُتعامل معي كضيف مرحَّب به حتى تنتهي محنته كما كان في الماضي، بل كدخيل وعبء على الخبز والماء، ومقاسم محتمل للأرض والأرزاق.

كان يتكلم كمن يتخلص من مادة قاتمة ترتكز بين نياط قلبه بمنهجية لا تعرف التردد. وقبل 60 يوما من هذا اللقاء، اعترض أحدهم طريق عبد الكريم دون إنذار، ووجه إليه لطمة بظهر يده أسالت الدم والدموع من عينه، ملاحقا إياه بالصراخ: "متى ترحلون من هنا؟ لقد أخذتم كل شيء، وبسببكم بتنا عاطلين وجوعى!".

يطلق تنهيدة شبعت أجواء المقهى برائحة سجائره الرخيصة، ويضيف للجزيرة نت: "وأكثر من ذلك يا صاحبي، أنهم يحملوننا هنا أشياء لا يد لنا فيها، ولا نتمناها لهذا البلد".

«إلى اليمين قليلا».. تحولات الخطاب وضغوط المعيشة

في هذا المناخ الاقتصادي والاجتماعي المشوب بالتوتر، والذي تحرك خيوطه عواطف سياسية واقتصادية متداخلة، برزت على هامش الفضاء الرقمي وبعض النقاشات العامة أصوات تتبنى تصورا قوميا أكثر انكفاء على الداخل الوطني. يختلف هذا الخطاب في طبيعته الأيديولوجية ومضمونه الاجتماعي عن القومية السياسية التي نادت بها مصر واحتضنتها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بوصفها مشروعا وحدويا عابرا للحدود يقوم على فكرة المصير المشترك.

فبينما كانت تلك القومية تنظر إلى الجوار العربي باعتباره امتدادا سياسيا وتاريخيا وثقافيا، تميل هذه الخطابات الجديدة إلى النظر إلى الدولة باعتبارها أرضا مغلقة ينبغي الدفاع عن مواردها المحدودة في مواجهة كل من يُنظر إليه بوصفه وافدا أو منافسا محتملا. ومع اتساع الضغوط الاقتصادية وتراجع مستويات المعيشة، وجد هذا الخطاب أرضا خصبة للانتشار، إذ بات اللاجئون يُقدَّمون في عدد من النقاشات بوصفهم سببا مباشرا لأزمات الغلاء، وارتفاع إيجارات السكن، والضغط على البنية التحتية والخدمات.

تروي عائشة شندي وهنية جادو، وهما مدرستان تعملان في إحدى المدارس السودانية بمصر، أنهما تواجهان تعليقات مباشرة تحمل رفضا لوجودهما. تذكر هنية موقفا في أحد المطاعم رفض فيه النادل تقديم الخدمة كاملة لها رغم وحدة التسعيرة، وتضيف للجزيرة نت: "كل يوم نتعرض لمضايقات نفسية وجسدية تحمل إشارة صريحة لرفضنا كمقيمين". وتتدخل عائشة بنبرة ساخرة: "حتى إنهم يقولون إننا نحاول سرقة أرضهم مثلما سرقنا خبزهم ومسكنهم! لا نعلم كيف تحوّل البعض إلى تبني هذا الخطاب اليميني الغريب عن الثقافة العربية والتاريخ القومي المعتدل".

مصدر الصورة عائشة شندي وهنية جادو وهما مدرستان تعملان في إحدى المدارس السودانية بمصر (الجزيرة)

على الجانب الآخر، يرى حمزة كنعان، وهو لاجئ سوري مقيم في مصر منذ عام 2018 ويعمل في محل حلويات، أن الخطاب الرافض لوجود اللاجئين ليس بالضرورة "يمينيا متطرفا"، بل هو انعكاس لشعور متزايد لدى بعض المواطنين تحت ضغط الظروف المعيشية. ويقول للجزيرة نت: "أحد زملائي في العمل قال لي إن وجودنا تسبب في ارتفاع أسعار رغيف الخبز وإيجارات الشقق.. حاولتُ إقناعه بأننا ندفع ثمن إقامتنا ونفقات خدماتنا ولسنا عبئا، لكنه رأى أننا ندفع القليل وبالمقابل أخذنا كل شيء".

إعلان

من جانبه، يوضّح خبير شؤون الهجرة الدكتور أيمن زهري أن المواقف العامة تجاه اللاجئين تتشكل من مزيج من الضغوط الاقتصادية والمخاوف السياسية المستندة إلى هواجس قومية.

أصدق كل تلك الشهادات، ويكفي النظر للمحتويات الرقمية للتأكد منها، لكنها تظل حالات فردية لا تعبّر إلا عن وجهة نظر قلة يمارسون نشاطهم عبر الفضاء السيبراني ؛ وهو الوسيلة الأسهل للتعبير عن آراء لا تمثل الضمير الجمعي المصري. ويمكن تسمية هذا الخطاب "يمينيا" تعريفيا لخصائصه، لكنه مفاهيميا أبعد ما يكون عن التنظيم اليميني لأسباب دينية وثقافية وعروبية متأصلة.

استدعاء التاريخ لبناء جدران الهوية

تحمل كلمة «كيميت» في أصلها التاريخي دلالة جغرافية في اللغة المصرية القديمة تشير إلى "الأرض السوداء" (طمي النيل). غير أن هذا المصطلح خرج من بطون الكتب الأثرية ليتحول في السنوات الأخيرة داخل الفضاء الرقمي إلى رمز لهوية وطنية متخيلة، تستدعي الماضي الفرعوني كمرجعية للحاضر، وتطرح مفاهيم حول "النقاء العرقي" و"الانتماء الثقافي".

مصدر الصورة حمزة كنعان لاجئ سوري مقيم في مصر منذ عام 2018 (الجزيرة)

تحولت الكلمة إلى علامة هوية تُبنى حولها سرديات عن الحدود الفاصلة بين "الذات" و"الآخر"، متبنية خطابا يربط الوجود الأجنبي بمخاوف الانهيار الديمغرافي وتشويه الذاكرة الجمعية.

وعن هذا التوجه، يوضح الشاب عبد الرحمن أحمد (24 عاما) أنه لا يحمل أي عداء لأي مهاجر، لكن الظروف المعيشية لا تسمح بالمزيد: "الوجود الكبير أدى لارتفاع الأسعار والضغط على الخدمات التي أُنشئت من جيوب المواطنين، فضلا عن إفراغ مناطق بأكملها من هويتها المصرية لتسكنها تجمعات وافدة".

بينما تقسم الشابة ماريانا عماد موقفها بين بُعدين: "إنسانيا هم منكوبون فقدوا أوطانهم وأسرهم، وكلما تخيلت نفسي مكانهم يمتلئ قلبي بالتعاطف. لكن اقتصاديا، نحن نعاني من غلاء معيشي حاد، وتزايد الأعداد رفع أسعار الشقق، فضلا عن توسع مشاريعهم التجارية حتى شعرنا بأنهم أصحاب الأرض ونحن الغرباء".

وفي تحليله الأكاديمي لهذه الظاهرة، يرى أستاذ تاريخ وحضارة مصر القديمة بجامعة الإسكندرية الدكتور أشرف عمران أن إعادة استدعاء المفاهيم التاريخية لا تنفصل عن السياقات الاجتماعية والسياسية.

استدعاء الماضي يحدث عادة في فترات التوترات الاقتصادية والاجتماعية، حيث تُعاد قراءة التاريخ بوصفه أداة لتفسير الحاضر أو إعادة تعريفه. والاعتزاز التاريخي سمة للأمم التي تحن إلى ماضيها عند عدم توافق الحاضر مع تطلعاتها، وهو أمر طبيعي ما لم يتحول إلى أيديولوجيا متطرفة تغذي الانغلاق.

«وطن الويلات».. البحث عن أمان مفقود

في هذا التداخل بين الخطاب العام والتجربة اليومية، لا تبدو حياة المهاجرين في مصر قابلة للاختزال في سردية واحدة، فالشهد يتوزع بين قلق اقتصادي مشروع لدى السكان الأصليين، وتجارب إنسانية للاجئين يفتشون عن مساحة أمان بعدما أغلقت أوطانهم أبوابها في وجوههم، ليعيشوا كيفما اتفق على أرض طالما اعتبروها ملجأهم.

تبقى حادثة الاعتداء على "عبد الكريم" في منتصف الشارع صدمة اختزلت قسوة التحول لدى البعض، حين وقف أحدهم أمامه ليصفعه ويصرخ في وجهه: "متى سترحلون من هنا؟". غير أن ذاكرة التعايش الطويلة وأواصر التضامن المجتمعي العميقة تظل الحصن الذي يمنع هذا التوتر العابر من أن يتحول إلى قطيعة دائمة بين الشعب وضيوفه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار