آخر الأخبار

من “سندباد” إلى “ريك ومورتي”.. رحلة البحث عن ضحكة فقدت براءتها

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

كنا على موعدٍ يوميّ ننتظره بفارغ الصبر بعد العصر، نسارع في مذاكرة دروسنا طمعاً برضا أمهاتنا وبوقتٍ إضافي أمام الشاشة. وما إن تحين لحظة اللقاء، حتى يغمر السلام قلوبنا، لنجلس باطمئنان أنا وإخوتي، وتشاركنا أمي ذات الشغف بـ "الكرتون" (الرسوم المتحركة).

بين "ميكي ماوس" و"النمر الوردي" و"توم وجيري" مروراً بـ "أليس في بلاد العجائب" و"بيل وسيباستيان" و"السيدة ملعقة" وصولاً إلى "نيلز" المحلق فوق أجنحة الطير، كانت أوقاتنا تشتعل حماساً وترقباً، وتتعالى ضحكاتنا على مقالب جهنمية ضمن صراعات خفيفة، هزلية، سريعة الإيقاع.

وتماهينا مع تلك الشخصيات، وكنت أحبّ "سندباد" وأفتقد "ياسمينا" بشدة إن غابت، بينما تفرقت ذائقة إخوتي: الأكبر انحاز لذكاء "النمر الوردي" والصغرى وجدت في "سالي" ملاذاً لرومانسيتها، أما الأصغر فأسره "الكابتن ماجد" حتى بات يردد يقيناً "سأصبح حارس مرمى يوماً ما".

وتطول اللائحة لتشمل أجواء "بحيرة البجع" الحالمة والمخيفة، والقرية الوادعة لـ "السنافر"، ووسامة "روبن هود" المقنّع. ولا ننسى "غريندايزر" بصوت جهاد الأطرش الفخم، وأغنية المقدمة التي صدح بها سامي كلارك فباتت وشماً في ذاكرتنا، حتى أننا بكينا يوم سقط "رعد" أرضاً. ولا تغيب عن البال بصمات صوتية ساحرة، كأداء جوزيف نانو العبقري لشخصية "شرشبيل" وعذوبة بيير داغر التي حولت لصاً كـ "علي بابا" إلى معشوق للفتيات.

وفي المقابل، لم أستسغ يوماً دهاء "نقار الخشب" وسرعته، بينما حملت تناقضاً جميلاً تجاه نقيضين: "سندريلا" بهدوئها، و"زيتونة" (زوجة باباي) بسخريتها وجمالها الخاص، والتي كبرتُ لأحترم اختلافها.

واليوم، ورغم مضي العمر، ما زلت أشاهد "توم وجيري" كلما زارتني ابنة أخي، وأضحك من قلبي. واكتشفت أن أصدقائي الأربعينيين يفعلون الشيء ذاته.. فهل هو حنين للضحك بعد أن هزم العمر الكثير فينا؟

إعلان

من بساطة الصراع إلى قلق الوجود

بمراقبة ما تشاهده ابنة أخي (8 سنوات) اليوم، أدركت أن تغييراً جذرياً أصاب فن الرسوم المتحركة، فالموضوعات، والحبكات، والقيم، وحتى الأثر النفسي.. لم تعد كما كانت.

وفي تسعينيات القرن الماضي، كان يكفينا أرنب مرتبك، أو شخصية ظريفة كـ "بيغلت" أو بطة غاضبة كـ "دونالد داك" لنضحك ببراءة ونلوم الأحداث بلطف. أما اليوم، فبات الضحك ذاته يتطلب خلفية فلسفية، وتحليلاً نفسياً، وقلقاً وجودياً يشعرني بالعجز أمام طفولةٍ تكبر قبل أوانها.

لقد تحولت وظيفة الرسوم المتحركة. في الماضي، كان الصراع جلياً، والخير ينتصر لتطمئن القلوب، حتى وإن تلوّن الخير ببعض الفوضى (كما في صراع توم وجيري، حيث تبدو الفأرة ضعيفة لكنها تمارس دور الشرير المتخفي بملائكية ضد القط). أما اليوم، فتطرح أعمال مثل (BoJack Horseman) أو (Rick and Morty) أو (Avatar) قضايا ثقيلة كالاكتئاب، والهوية الممزقة. لقد انتقلنا من خط سردي بسيط وإيقاع حركي واضح، إلى تعقيد بصري وزمني يعتمد على التداخل، والاستعارة، والسخرية السوداء.

القيم والأسطورة: من التلقين إلى التفكيك

شخصيات الأمس مثل (عدنان وماجد) غرست فينا قيم الصداقة والشجاعة، وقدمت صورة واضحة لما "يجب أن يكون عليه العالم" عبر بنية أسطورية متماسكة: بطل، رحلة، صراع، ونصر يُعيد التوازن.

واليوم، تبدو الشخصيات أكثر أنانية، واضطراباً، وواقعية. الأسطورة هنا تتفتت وتتحول إلى سرد "ما بعد حداثي". ففي "ريك ومورتي" مثلاً، البطل عبقري لكنه أناني وساخر. وتغيب القيم المطلقة والحدود بين الصواب والخطأ.

الأسطورة الكلاسيكية كانت تُلهم وتُربي، أما سرديات "ما بعد الحداثة" فهي تُفكك وتُشكك، واضعةً الجمهور أمام مرآة تسخر من كل ما هو مقدس. ويعكس هذا التحول تبدل وعي الإنسان المعاصر: من الإيمان بالبطولة والبحث عن الحقيقة، إلى الإقرار بتعدد الحقائق والسخرية من فكرة "البطل".

أبطال الأمس واليوم: مقارنة قيمية

لفهم أعمق، لنقارن بين أجيال الشخصيات: "ميكي ماوس" و"توم وجيري" مثّلا البراءة، والحيلة البسيطة، والصراع الأبدي المنظم في قوالب سردية بسيطة ونهايات مريحة.

وفي المقابل، تقدم شخصيات حديثة مثل "إلسا" (Frozen) كسراً لنمطية الفتاة المنتظرة للفارس المنقذ، لصالح قضايا الاستقلالية وصراعات الهوية المكبوتة. وبالمثل، يطرح "عالم ستيفن" (Steven Universe) قيم التسامح والتنوع وتقبل الآخر، عبر تعقيدات نفسية وسرد متسلسل شديد التشابك.

بين الإيجابيات والسلبيات: هل الماضي بريء؟

لم يكن الكرتون الكلاسيكي مثالياً، فرغم وضوح قيمه الأخلاقية وتحفيزه للخيال الصافي في مساحة آمنة بعيداً عن تعقيدات الواقع، إلا أنه عانى أحياناً من عنف جسدي مجاني لا مبرر له، وتكرار سردي نمطي، وتسطيح كاريكاتيري لصورة المرأة والآخر.

وعلى الضفة الأخرى، يتفوق الكرتون الحديث في تقديم تنوع هوياتي وثقافي واسع يوسع مدارك المراهقين، ويطرح بشجاعة قضايا واقعية (كالتنمر والطلاق والاكتئاب) مدعوماً بتقنيات بصرية مذهلة. لكنه يقع غالباً في فخ "تحميل الطفل ما لا يطيق" نفسياً وفلسفياً، ويُقحم أحياناً رسائل مسيسة أو أيديولوجية (كالهويات الجندرية) تُفقد الفن براءته، وتُضعف البناء الدرامي لحساب أجندات التنوع.

النوستالجيا كاحتجاج ثقافي

الخلاصة أن القديم آمن وبسيط لكنه سطحي أحياناً، والحديث غني وجريء لكنه مفرط في وعظه وتعقيده. والحل يكمن في دمج الإبداع البصري الحديث مع البساطة الرمزية القديمة. لكن السؤال يظل يلاحقني: لماذا لا أزال أشاهد الكرتون؟

إعلان

الأمر يتجاوز مجرد تقديس الماضي، إنه تواصل مع طفلنا الداخلي، ومع ما كان يمكن أن نكونه لو لم تتغير مساراتنا. وهذا الحنين في جوهره "احتجاج ثقافي" وهروب من حاضر يغتال إمكانيات السلام. وضحكاتنا اليوم تقاوم صخب الحرب، وسيطرة الظلم، وحجب الحقيقة، وأقنعة الهوية. وإعادة عرض "غريندايزر" أو "بيل وسيباستيان" هي محاولة لاستعادة الحضور في عالم متحوّل يغص بالتشكيك.

نحن لم نعد نضحك كما كنا، وربما هناك أطفال قُتلت طفولتهم أحياء أو ماتوا قبل أن يشاهدوا الكرتون، ولهذا ماتت ضحكة العالم. إن عودتنا للرسوم المتحركة هي محاولة للسخرية من مخاوفنا، وركضٌ يائس خلف ضحكة قادرة على الصمود لأنها ببساطة.. لا تفكر بتعقيد.

فهل نضجنا بسرعة لأن العالم أجبرنا؟ أياً كانت الإجابة، تظل الرسوم المتحركة قادرة على إضحاكنا، وإيقاظ أعمق وأصدق ما في إنسانيتنا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار