أعلن مساء أمس الثلاثاء، في قاعة "تيت مودرن" بلندن، فوز رواية "يوميات تايوان" للكاتبة التايوانية يانغ شوانغ-تسي بجائزة بوكر الدولية لعام 2026 بالتقاسم مع المترجمة التايوانية-الأمريكية لين كينغ.
ويقول ناقدون أن إعلان الأمس كان حدثا مؤسسا في تاريخ الجائزة نفسها، فهي أول رواية مكتوبة باللغة الصينية المندرينية تنال هذه الجائزة المرموقة المخصصة للأدب المترجم إلى الإنجليزية.
تتقاسم الكاتبة والمترجمة قيمة الجائزة البالغة 50 ألف جنيه إسترليني (نحو 53 ألف دولار) بالتساوي، في تكريس لفلسفة الجائزة التي ترى في الترجمة الأدبية فعلا إبداعيا موازيا للكتابة، لا حرفة ثانوية.
ما الذي يجعل من رواية مكتوبة قبل خمس سنوات (صدرت بالصينية عام 2020) تستحوذ على هذا التتويج العالمي؟ الجواب يكمن في الحيلة السردية الذكية التي اختارتها يانغ. الرواية تتخذ شكل مذكرات سفر تكتبها روائية يابانية خيالية، تقوم بجولة تذوقية للأطعمة المحلية في تايوان، وترصد علاقتها المعقدة بمترجمتها المحلية. الأحداث تجري في ثلاثينيات القرن العشرين، حين كانت تايوان لا تزال تحت الاحتلال الياباني (1895-1945).
تحت قناع كتاب الرحلات وأدب الطعام، تخوض يانغ في أعقد ثيمات ما بعد الاستعمار: اللغة والسلطة، السائح والمضيف، المستعمر والمستعمر، فعل التذوق وفعل الاستهلاك. مائدة الطعام تصير ميدانا سياسيا، يمارس فيه السؤال عمن يحق له أن يكتب، ومن يحق له أن يترجم.
رئيسة لجنة التحكيم، الروائية البريطانية ناتاشا براون، وصفت العمل بأنه "آسر وذكي بسخرية رصينة"، مؤكدة أنه يلعب على ثيمات اللغة والسلطة ويقدم للقارئ "كثيرا من المفاجآت" على امتداد الصفحات. وأشادت اللجنة بشكل خاص بـترجمة لين كينغ، التي -بحسب تقدير المحكمين- تضيف "طبقة جديدة" إلى عمل يلعب أصلا على فكرة التواصل بين اللغات المختلفة. هكذا، صارت الترجمة جزءا من الإطار الموضوعي للرواية، لا أداة خارجية لنقلها.
ووصفت اللجنة العمل بأنه "قصة حب" و"رواية ما بعد كولونيالية حادة" في آن معا، توصيف مزدوج يكشف عن طبيعة الرواية ذات الطبقات. فالحب لا يلغي السلطة، والذكاء النقدي لا يلغي الحساسية الإنسانية.
ويانغ شوانغ-تسي هي كاتبة تتنقل بحرية بين الرواية والمقالة و"المانغا" وسيناريوهات ألعاب الفيديو، في تجربة تعكس جيلا جديدا من الكتاب الآسيويين الذين لا يعترفون بحدود الأجناس الأدبية. صرحت أنها "أرادت تفكيك الظروف المعقدة" لفترة خضوع تايوان للاستعمار الياباني، فاختارت أن تفعل ذلك من بوابة غير متوقعة: السفر والطعام.
وفي تصريح طريف لموقع جوائز البوكر، قالت: "البحث من أجل المحورين الرئيسيين للرواية -السفر والطعام- غير حياتي بطريقتين واضحتين: مدخراتي انخفضت، ووزني ازداد". تعليق يكشف عن روح المرح التي تعبر النص كله، حتى حين يخوض في ثقل التاريخ.
"يوميات تايوان" صعدت عالميا بسرعة ملحوظة، صدر الكتاب بالإنجليزية في الولايات المتحدة عام 2024، وحصد فورا جائزة الكتاب الوطني الأمريكية (National Book Award) عن فئة الترجمة في العام نفسه. ثم صدر في المملكة المتحدة في مارس/آذار 2026 فقط، بعد الإعلان عن قائمة بوكر الدولية الطويلة في فبراير/شباط. ورغم حداثة وصوله إلى السوق البريطانية، صار ثاني أكثر الكتب مبيعا ضمن القائمة القصيرة لبوكر الدولية لهذا العام.
وحتى الآن، بيعت حقوق نشر الرواية في 23 سوقا حول العالم، تمتد من صربيا إلى إندونيسيا، ومن البرازيل إلى أوكرانيا. هكذا، تكشف الجائزة عما تعمل الترجمة على فعله في الزمن المعاصر: تحويل صوت محلي إلى صوت كوني، دون أن يفقد محليته.
في كل عام، تذكرنا بوكر الدولية بأن المشهد الأدبي العالمي ليس ما تكتبه الإنجليزية عن نفسها فحسب، بل ما تنقله إلى نفسها من اللغات الأخرى. أطلقت الجائزة أصلا بهدف رفع حضور الروايات المكتوبة بلغات أخرى، وهي روايات تمثل حصة صغيرة جدا من إجمالي الكتب الصادرة في بريطانيا، ولتكريم العمل الذي يظل كثيرا مهمل التقدير: عمل المترجمين الأدبيين.
ويحمل فوز "يوميات تايوان" بهذه الجائزة هذا العام دلالة مزدوجة. أولا، أن الأدب الآسيوي بلغاته الكبرى -الصينية، اليابانية، الكورية- يواصل اختراق المركز الأدبي الغربي بعد عقد من الصعود. وثانيا، أن الأدب القادم من المساحات الصغيرة جغرافيا -تايوان، جزيرة يسكنها 23 مليون نسمة- قادر على أن يكتب عن أكبر أسئلة العصر: الهوية، الذاكرة، الاستعمار، الترجمة بوصفها فعل وجود.
وتبدو يوميات هذه الروائية اليابانية المتخيلة التي تتنقل بين موائد تايوان في الثلاثينيات أبعد بكثير من كتاب رحلات أو رواية حب. هي تأمل في كيف نكتب الآخر، وكيف نترجم تجربتنا حين تكون تجربتنا قد كتبت أصلا بلغة الآخر. وذلك تحديدا ما تعرفه تايوان جيدا، بعد عقود من أن كتبتها الإمبراطوريات بلغاتها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة