آخر الأخبار

تغريد النجار: كيف نحكي للطفل عن دمية ضاعت عام 1948؟

شارك

منتصف مارس/آذار الفائت، وقفت كاتبة أردنية على منصة "بولونيا راغاتسي"، أعرق جوائز كتاب الطفل في العالم، لتتسلم -مع دارها- جائزة تنافست عليها دور نشر من 77 دولة.

ظلت مساحة أدب الطفل -ولا تزال- جرحاً في حقل نشر تعامل لعقود مع الكتاب الموجه للأطفال إما كمنتج تربوي يُعلم، أو كترجمة عن الفرنسية والإنجليزية تستورد العالم بدل أن تعيشه.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 “عيبٌ أُحبّه”.. سرد تأملي يغوص في المناطق المنسية داخل الروح
* list 2 of 2 جاءت لتغيّر الشرق فغيّرها للأبد.. رواية "الإرسالية" تتبع رحلة ممرضة أمريكية في العالم العربي end of list

اختارت تغريد النجار الطريق الثالث الأصعب أن تكتب لطفل عربي بلغته وبيئته وتفاصيله الصغيرة، وأن تُقنع الناشر والمعلم والأم -بالتدريج- أن هذا الطفل ليس على هامش سوق الكتب والنشر، بل مركزه.

ثلاثون سنة تُختصر في عناوين تتراكم من قصص صغيرة مرت على أطفال غزة وأحياء عمان الشرقية، وروايات لليافعين تجرأت على ما تتجنبه السوق عادة؛ دمية ضاعت في عام 1948 ("لمن هذه الدمية؟")، وحرب في سوريا وحصار في غزة ("ستشرق الشمس ولو بعد حين")، وجدة اسمها نفيسة سافرت إلى اللغات التركية والسويدية والصينية والدنماركية، فسأل القراء هناك أسئلة لم يكن في حسبان كاتبتها أن تُسأل.

حماية الطفل لا تعني عزله عن الواقع، بل تعني مرافقتَه في فهم هذا الواقع بطريقة تحترم عمره وحساسيته، وتمنحه أدوات داخلية للتفكير والتساؤل دون أن يشعر بالانكسار

في هذا الحوار، تتحدث النجار عن المعادلات التي ظلت تُقلقها طيلة هذه السنوات، كيف يُكتب للطفل عن الحرب والاحتلال والفقد دون أن يُكسر؟ كيف تُكتب الفصحى لقارئ صغير لا يتحدث بها يومياً، دون أن تتحول إلى لغة المنابر؟ وما الذي يعبر -فعلاً- حين تنتقل قصة عربية إلى لغة أخرى، وما الذي يبقى محبوساً في الأصل لا يُنقل؟ تُجيب بصوت من تعلمت الإجابة من ثلاثة عقود أمام طاولة الطفل، لا أمام طاولة النظرية.


*

قبل ثلاثين عاماً، حين أسست دار السلوى عام 1996، هل كان في بالك سقف بحجم بولونيا، أم أن السقف كان مجرد أن يجد الطفل العربي كتاباً يشبهه؟

إعلان

في عام 1996، لم يكن الحلم موجهاً نحو جوائز عالمية بحجم بولونيا بقدر ما كان موجهاً نحو حاجة ملحة وأساسية: أن يجد الطفل العربي كتاباً يشبهه، بلغته وبيئته وتفاصيل حياته اليومية. في ذلك الوقت، كان أدب الأطفال العربي لا يزال في طور ترسيخ حضوره على الساحة العربية، وكان يعاني من فجوة واضحة مقارنة بالكتب الأجنبية، سواء من حيث جودة الإخراج الفني أو تنوع المضامين أو حتى وفرة الإنتاج.

كنا نسمع باستمرار من الأهالي والمعلمين مقارنات تصب في صالح الكتاب الأجنبي، وهذا شكّل لنا دافعاً وتحدياً في آن واحد. كان هدفنا أن نثبت أن الكتاب العربي قادر على أن يكون ممتعاً، جذاباً، وعالي الجودة، وأن ينافس من حيث الفكرة والتصميم والإخراج. لذلك، عملنا منذ البداية على تقديم كتب تنبع من البيئة العربية، تعكس ثقافة الطفل وتفاصيل حياته، وتمنحه شعوراً بالحميمية والانتماء، وفي الوقت ذاته تحفزه على القراءة وتدعوه للعودة إلى الكتاب مراراً وتكراراً.

كما كان من المهم بالنسبة لنا أن نعيد بناء ثقة الأهالي والمعلمين بالكتاب العربي، وأن نؤكد أن كتب الأطفال ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل هي جزء أساسي من تكوين الطفل وبناء هويته الثقافية واللغوية.

وبمرور السنوات، ومع الإصرار على الجودة والتجديد، أصبح هذا الحلم الصغير يكبر تدريجياً. لم يعد الأمر يقتصر على سدّ فجوة محلية، بل تطور إلى منافسة حقيقية على المستوى العالمي، وصولاً إلى الفوز بجائزة دولية مرموقة، تنافست عليها دور نشر من 77 دولة. هذه الرحلة تؤكد أن البداية كانت من سؤال بسيط وصادق: ماذا يحتاج طفلنا؟ لكن الإيمان بهذا السؤال هو ما أوصلنا إلى آفاق أبعد مما كنا نتخيل.

كما كان من المهم بالنسبة لنا أن نعيد بناء ثقة الأهالي والمعلمين بالكتاب العربي، وأن نؤكد أن كتب الأطفال ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل هي جزء أساسي من تكوين الطفل وبناء هويته الثقافية واللغوية.


*

في رواية "لمن هذه الدمية؟" استعدتِ دمية ضاعت في عام 1948. وفي "ستشرق الشمس ولو بعد حين" كتبتِ عن الحرب في سوريا وتداعياتها على الأهالي وعن حصار غزة. كيف تحلّين المعادلة الصعبة بين الصدق مع الطفل في القضايا الثقيلة، وبين حمايته من الكسر؟

في الحقيقة، هذه معادلة دقيقة وصعبة. فهناك تصور شائع في مجتمعاتنا بأن كتب الأطفال يجب أن تكون دائماً مبهجة وخفيفة، تبث الأمل فقط. لكن الواقع الذي يعيشه كثير من الأطفال واليافعين اليوم أكثر تعقيداً، فهم يتعرضون يومياً لأخبار الحروب والأزمات، سواء عبر الإعلام أو من خلال أحاديث العائلة.

في روايات مثل "لمن هذه الدمية؟" و"ستشرق الشمس ولو بعد حين"، أنا أخاطب فئة عمرية أكبر من الأطفال الصغار، فئة بدأت بالفعل بطرح الأسئلة ومحاولة فهم ما يحدث حولها. لذلك، أرى أن من واجبنا ككتّاب ألا نتجاهل هذه القضايا، بل أن نقدمها لهم بطريقة واعية ومسؤولة، من خلال سرد مشوّق يفتح باب الفهم دون أن يثقلهم أو يصدمهم.

التوازن هنا يقوم على عدة عناصر: الصدق دون قسوة، والواقعية دون قسوة زائدة، والأمل دون تزييف. لا أقدّم الحدث بشكل فجّ أو مباشر، بل أقدّمه عبر تجربة إنسانية قريبة من القارئ، تتيح له التعاطف والفهم تدريجياً. كما أحرص على أن تكون هناك دائماً مساحة للضوء، حتى في أحلك اللحظات، لأن الهدف ليس نقل الألم فقط، بل مساعدة اليافع على استيعابه والتعامل معه.

إعلان

في النهاية، حماية الطفل لا تعني عزله عن الواقع، بل تعني مرافقتَه في فهم هذا الواقع بطريقة تحترم عمره وحساسيته، وتمنحه أدوات داخلية للتفكير والتساؤل دون أن يشعر بالانكسار.

هناك تصور شائع في مجتمعاتنا بأن كتب الأطفال يجب أن تكون دائماً مبهجة وخفيفة، تبث الأمل فقط. لكن الواقع الذي يعيشه كثير من الأطفال واليافعين اليوم أكثر تعقيداً، فهم يتعرضون يومياً لأخبار الحروب والأزمات، سواء عبر الإعلام أو من خلال أحاديث العائلة.

في روايات مثل "لمن هذه الدمية؟" و"ستشرق الشمس ولو بعد حين"، أنا أخاطب فئة عمرية أكبر من الأطفال الصغار، فئة بدأت بالفعل بطرح الأسئلة ومحاولة فهم ما يحدث حولها. لذلك، أرى أن من واجبنا ككتّاب ألا نتجاهل هذه القضايا، بل أن نقدمها لهم بطريقة واعية ومسؤولة، من خلال سرد مشوّق يفتح باب الفهم دون أن يثقلهم أو يصدمهم.


*

العربية الفصحى في كتب الأطفال تُتَّهم غالباً بأنها لغة بعيدة عن لسان الطفل اليومي. هل ترين أن الكاتب العربي للأطفال يكتب بلغة لا يتحدّث بها قراؤه؟ وكيف تتعاملين أنتِ مع هذه المسافة؟

ثنائية اللغة العربية بين الفصحى والعامية هي بالفعل أحد التحديات الأساسية التي يواجهها الطفل العربي في رحلته مع القراءة. هذه الفجوة قد تؤخر أحياناً إتقان القراءة، وتدفع بعض الأطفال إلى اختيار كتب موجهة لأعمار أصغر لأنها أسهل وأقصر، وهذا يضع مسؤولية كبيرة على الكاتب والناشر معاً.

برأيي، المشكلة ليست في الفصحى بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تُكتب بها. عندما تكون الفصحى ثقيلة أو بعيدة عن الإيقاع اليومي للطفل، يشعر بأنها لغة غريبة عنه. أما إذا قُدّمت بأسلوب سلس، حيّ، وقريب من روحه، فإنها تصبح جسراً طبيعياً بينه وبين القراءة، لا عائقاً.

لذلك، من المهم أن نكتب بفصحى مرنة، واضحة، وغير متكلّفة، تأخذ بعين الاعتبار المستوى اللغوي للقارئ ومرحلته العمرية. وفي الوقت نفسه، أجد أن إدخال بعض اللمسات العامية، خاصة في الحوارات، يمكن أن يقرّب النص أكثر من الطفل، ويجعله يتماهى مع الشخصيات ويشعر بصدقها.

التوازن هنا دقيق: نحافظ على الفصحى كلغة جامعة وهوية، لكن نخفف من جمودها، ونمنحها شيئاً من الحياة اليومية التي يعرفها الطفل. الهدف ليس أن نكتب بلغة لا يتحدث بها، بل أن نكتب بلغة يستطيع أن يصل إليها، ثم ينمو معها.

ثنائية اللغة العربية بين الفصحى والعامية هي بالفعل أحد التحديات الأساسية التي يواجهها الطفل العربي في رحلته مع القراءة. هذه الفجوة قد تؤخر أحياناً إتقان القراءة، وتدفع بعض الأطفال إلى اختيار كتب موجهة لأعمار أصغر لأنها أسهل وأقصر، وهذا يضع مسؤولية كبيرة على الكاتب والناشر معاً.


*

تُرجمت كتبكِ إلى التركية والسويدية والإنجليزية والفرنسية والصينية والدنماركية. حين يُقرأ "جدتي نفيسة" بالتركية مثلاً، ما الذي يعبُر؟ وما الذي يبقى محبوساً في العربية؟

حين تُترجم قصة مثل "جدتي نفيسة" إلى لغة أخرى كالتركية أو إلى لغات أخرى، فإن الكثير من القيم الإنسانية يعبر بسهولة: علاقة الحفيد بجدته، الحنان، تفاصيل الحياة اليومية، وروح العائلة. هذه عناصر مشتركة بين ثقافات عديدة، ولهذا السبب وجد الكتاب صدى جميلاً في تركيا وأُعيدت طباعته أكثر من مرة، حيث يشبه المجتمع التركي مجتمعاتنا من حيث الترابط الأسري والتقاليد.

أشعر أن الذي يعبر دائماً هو الجوهر الإنساني للقصة، لكن هناك دائماً أشياء تبقى مرتبطة باللغة العربية نفسها، بعض التعابير، والإيقاع اللغوي، أو الإيحاءات الثقافية، قد لا تنتقل بالكامل بنفس العمق.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار