كتبت جيهان الفرا – أنا صحافية؛ والحكاية هي حرفتي.
الكلمات هي الأدوات التي أهرع إليها مراراً وتكراراً، لأفكك شيفرة الأحداث وأصيغها في قوالب سردية تنصف أصحابها.
ثمة مشهد من بداية الحرب لا يبرح مخيلتي.
جرافة تواري الثرى 111 جثة لم تُعرف هوياتهم، لُفّوا في أكياس زرقاء زاهية، في مقبرة جماعية. ظهر المشهد لوهلة خاطفة بين ثنايا شريط الأخبار المتدفق في وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يتلاشى، ليحل محله مشهد آخر صادم، ثم آخر.
مئة وإحدى عشرة روحاً لا نعرف عنها شيئاً؛ لا أسماءهم، ولا أحلامهم، ولا كيف كانت لحظاتهم الأخيرة. قرأتُ حينها عنواناً في صحيفة " نيويورك تايمز" (The New York Times): "تسليم أكثر من 100 جثة إلى مقبرة جماعية في جنوب غزة".
وبغض النظر عن إغفال الفاعل، هل يمكن لهذه الكلمات أن تحيط بجسامة حدث كهذا؟
إن كل محاولة لوصف ما ألحقته إسرائيل بغزة وأهلها بالكلمات تبدو "اختزالية"، فهي تضغط حدثاً شاسعاً، مستمراً، ومميتاً بشكل مذهل في لغة لا يمكنها استيعابه.
ما يتبقى هو توتر قابع في قلب فعل "الرواية" ذاته؛ فمع إدراكك أن أي رواية لن تكون كافية أبداً، كيف تحكي قصصاً عن أهوال لا توصف؟
هذا التوتر يمثل جوهر "جدارية حرب الإبادة في غزة" (Gaza Genocide Tapestry)، التي أشارك في تنسيقها، والتي ستُعرض في "بينالي البندقية" لهذا العام.
إنه مشروع فني يجمع نساء فلسطينيات في فلسطين المحتلة ومخيمات اللاجئين في لبنان والأردن، لتوثيق تدمير غزة في لحظة حدوثه. إنهن يروين هذه القصص بالوسيلة التي يتقنّها أكثر من غيرها، الإبرة والخيط.
من خلال 100 لوحة مطرزة، تتكون كل منها من 55 ألف غرزة، صنعت هؤلاء النساء شهادة تأبى أن تسمح للعالم بنسيان ما فُعل، وبمن فُعل. تحكي كل لوحة شظية مما حدث: صحافي يبكي فوق جسد طفله المسجّى؛ فتيات صغيرات يحملن قدوراً فارغة يُسحقن في طوابير "التكية" (المطبخ الخيري)؛ طفلة تصرخ بينما ينهار عالمها من حولها.
لقد فرضت بعض هذه الصور نفسها على الوعي العام، ولو للحظة؛ مثل خالد نبهان وهو يحتضن حفيدته الشهيدة "روح الروح" للمرة الأخيرة، قبل أن يلتحق بها شهيداً بعد عام، أو الدكتور حسام أبو صفية وهو يسير نحو دبابة بأوامر من جنود الاحتلال، ليختفي بعدها عن الأنظار.
لكن معظم الصور القادمة من غزة لا تُمنح فرصة التوقف تلك؛ فهي تمر دون أسماء، أو سياق، أو وداع. الجدارية تتحدى هذا النسيان؛ فالتطريز هو قرار بأن شيئاً ما يستحق الجهد – ساعات وأيام وأسابيع من العمل المضني. إنه إصرار على ألا يضيع المشهد في خضم سيل الصور التي تمر سريعاً أمام أعيننا.
تعد جدارية "حرب الإبادة في غزة" فصلاً جديداً من "مشروع جدارية تاريخ فلسطين" الحائز على جوائز، والذي أشارك في رئاسته إلى جانب المصمم الغزيّ إبراهيم مهتدي.
يسير هذا العمل على خطى التقاليد العريقة للجداريات التاريخية العالمية، ليكون أكبر عمل تطريز فلسطيني يروي تاريخ فلسطين وشعبها.
بدأ هذا المشروع في عام 2011 في أوكسفورد على يد "جان تشالمرز"، وهي ممرضة بريطانية عاشت وعملت في غزة لمدة عامين في الستينيات.
وبصفتها هاوية شغوفة بالتطريز، رأت "جان" أن تقاليد التطريز الفلسطيني (التطريز اليدوي الفلاحي) التي تعود لقرون، تستحق أن تُخلد في جدارية تاريخية. التقتُ بجان في عام 2013 في أوكسفورد أثناء دراستي العليا، وحينها انضممتُ لهذا الجهد القَيّم.
لطالما كان "التطريز"، الذي اعترفت به اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) في عام 2021، تعبيراً عن الهوية والانتماء الفلسطيني؛ فزخارفه تحمل رموز المكان والمكانة الاجتماعية.
وبعد "نكبة" عام 1948 ( التهجير القسري للشعب الفلسطيني وتدمير مجتمعه)، أصبح وسيلة للحفاظ على الثقافة الفلسطينية في وجه محاولات المحو. اليوم، يكتسب بُعداً جديداً هو "الشهادة".
بعد وقت قصير من شن إسرائيل هجومها العسكري المدمر على غزة في عام 2023، وجد المشروع زخماً جديداً من خلال الاندماج مع "متحف فلسطين بالولايات المتحدة"، وهو مؤسسة مستقلة أسسها ويقودها رجل الأعمال الفلسطيني الأمريكي فيصل صالح.
في هذا الإطار الموسع، تبلورت فكرة "جدارية حرب الإبادة في غزة". اجتمعتُ مع جان وإبراهيم وفيصل لمناقشة أفضل السبل لتوثيق الإبادة.
بدأنا بلوحتين لتأريخ هذه اللحظة المظلمة "غزة تحت النار" و"العنقاء الفلسطينية". ثم اقترح فيصل أن ننجز 100 لوحة تركز حصرياً على غزة. كان تحدي إنتاج ما كان يستغرق عقداً من الزمان في عام واحد فقط أمراً هائلاً، لكنها كانت ضرورة أملتها الإبادة المستمرة.
كانت النساء في غزة في البداية من أكثر المساهمات نشاطاً في المشروع، لكن مع اشتداد القصف، انقطع الاتصال بمعظمهن، وتحولن من "راويات" للقصة إلى "موضوعات" لها.
بيد أن الجدارية في جوهرها هي نوع من "لم الشمل"؛ فرغم الحدود والتهجير القسري، يتلاقى جهد النساء الفلسطينيات في كل مكان ليشكّل سجلاً بصرياً واحداً للتجربة الفلسطينية.
بالنسبة لإيمان شهابي وبسمة ناطور وعشرات النساء في مخيم "عين الحلوة" (مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان)، التطريز هو مصدر رزقهن، لكن هذا المشروع – كما قلن – "أعاد لهن جزءاً من كرامتهن".
كتبن لنا في رسالة عند الانتهاء من لوحاتهن "لقد كان مساحة نبض فيها التراث، وحيث خاطت إبرنا آلامنا وآمالنا معاً".
ولم يقتصر الإسهام على المطرزات فحسب، بل شارك فنانون ومحامون؛ فإحدى اللوحات التي تطرزها شهلا محاريق في رام الله، استندت إلى صورة للشهيدة الطفلة هند رجب، رسمتها الفنانة خديجة سعيد المقيمة في لندن. ولوحة الرجال المعصوبي الأعين، الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال تعسفياً في غزة، رسمتها المحامية والناشطة الحقوقية جنان عبدو، من حيفا.
كانت عملية تجميع الجدارية مضنية؛ فعلى مدار أكثر من عام، عقدنا اجتماعات أسبوعية للبحث واختيار اللوحات التي تمثل مواضيع مختلفة وتنسيق العمل. كان على إبراهيم تحويل كل لوحة إلى تنسيق قابل للتطريز، ثم إرسالها إلى النساء عبر منسقين ميدانيين.
كانت الأسئلة الأخلاقية والعملية تلاحقنا باستمرار: ماذا نختار لتضمينه وماذا نترك؟ وماذا يعني أن نترجم المعاناة إلى نمط من الغرز؟
ابتداءً من 9 مايو/أيار، ستُعرض الجدارية علناً في "قصر مورا" (Palazzo Mora) تحت عنوان:
"– – – – – – – – – – -" *
*(غزة – لا كلمات – انظر إلى المعرض)
سيستمر المعرض حتى نوفمبر/تشرين الثاني. عندما أُبلغنا في نوفمبر من العام الماضي بقبول مشاركتنا، شعرتُ بمزيج معقد من المشاعر.
من ناحية، هو شرف وفرصة ليرى العالم عمل هؤلاء النساء على أحد أبرز المنابر الثقافية العالمية. ومن ناحية أخرى، جسّد الأمر مفارقة عالم يزداد استعداداً لتسمية ما يحدث في غزة باسمه الحقيقي، والنظر في عينيه وتسميته " إبادة جماعية"، ومع ذلك يظل عاجزاً أو غير راغب في إيقافه.
ماذا يقول هذا عن البشرية حين يصبح الفن هو الموقع الأساسي للشهادة الحية لأن الأنظمة السياسية قد فشلت؟ ليس لدي إجابة بسيطة. كل ما أعرفه هو أن النساء الفلسطينيات يواصلن سرد هذه القصص والمطالبة بالمساءلة.
عملهن هو استجابة جماعية لوصية معلمي الراحل رفعت العرعير الأخيرة قبل استشهاده: "إذا كان لا بد أن أموت، فعليك أن تعيش لتروي حكايتي".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة