آخر الأخبار

جدل تاريخي لا يزال مفتوحًا بعد قرون : لماذا أمر السلطان سليمان القانوني بإعدام ابنه؟

شارك

لأكثر من قرن، تبنّى العديد من المؤرخين العثمانيين والأوروبيين تفسيرًا شائعًا مفاده أن الأمير مصطفى وقع ضحية مؤامرة دبرتها الزوجة الحبيبة هُرَّم سلطان والصدر الأعظم رستم باشا.

يبقى إعدام شهزاده مصطفى عام 1553 من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ الدولة العثمانية ، إذ ما زال السؤال مطروحًا: لماذا أقدم السلطان سليمان القانوني على قتل ابنه؟

ورغم مرور قرون على الحادثة، لا يزال المؤرخون منقسمين بين من يراها نتيجة مؤامرة داخل القصر، ومن يعتبرها قرارًا سياسيًا فرضته طبيعة الحكم العثماني في تلك المرحلة.

من حيث شخصيته، يُجمع عدد من المصادر على أن شهزاده مصطفى كان يتمتع بقدر كبير من الثقافة والشجاعة. وقد أشار الدبلوماسي الإيطالي برناردو نافاجيرو إلى أنه كان الابن الأول للسلطان سليمان، من أم شركسية، وأنه أقام في ولاية أماسيا القريبة من الحدود مع إيران، على مسافة تُقدَّر بنحو 26 يومًا من إسطنبول . كما ذكر أن دخله السنوي كان يصل إلى حوالي 80 ألف دوكات.

وتشير الروايات إلى أن والدته كانت تعيش معه وتولي اهتمامًا كبيرًا بحمايته، خاصة من خطر التسمم الذي كانت تعتبره التهديد الأكبر لحياته.

ويضيف نافاجيرو أن مصطفى كان يحظى بشعبية واسعة، إذ كان العامة يميلون إلى دعمه ورؤيته خليفة محتملًا للعرش، كما أن الإنكشارية كانوا ينظرون إليه بإيجابية بوصفه حاكمًا عادلًا وكريمًا وشجاعًا، وكان يتعامل مع طلباتهم دون تسجيل شكاوى تُذكر ضد حكمه. كما تشير المصادر إلى أنه كان يرسل إلى والده هدايا مثل الخيول الفاخرة والدنانير الذهبية، ولم يُسجل عليه اتخاذ أي خطوات عدائية مباشرة ضد السلطان سليمان.

قراءات متضاربة في إعدام الأمير

لأكثر من قرن، تبنّى العديد من المؤرخين العثمانيين والأوروبيين تفسيرًا شائعًا مفاده أن الأمير مصطفى وقع ضحية مؤامرة دبرتها الزوجة الحبيبة هُرَّم سلطان والصدر الأعظم رستم باشا.

وبحسب هذه الرواية، كانت هُرَّم سلطان تسعى لتأمين العرش لأحد أبنائها، بينما عمل رستم باشا، الذي ارتبط مستقبله السياسي بمصير هذا الصراع، على تشويه صورة مصطفى أمام والده السلطان.

وتشير هذه القراءة إلى أن الأمير صُوِّر على أنه متمرد يخطط للانقلاب، ما دفع سليمان إلى الاعتقاد بأن إعدامه كان ضرورة سياسية لحماية الدولة.

وقد تعزز هذا التصور في الأدب والشعر وحتى في الأعمال الدرامية الأوروبية، حيث يظهر مصطفى غالبًا كأمير موهوب وقع ضحية لمكائد القصر. كما ربط بعض المؤرخين بين مقتله وبداية مرحلة تراجع في قوة الدولة العثمانية بعد عام 1553.

في المقابل، ينتقد باحثون هذا التفسير باعتباره مبسطًا، ويضعون الحادثة في إطار نظام الحكم العثماني في تلك المرحلة.

ففي ذلك النظام، لم يكن العرش محصورًا بوريث واحد، بل كان جميع أبناء السلالة العثمانية الذكور يمتلكون حقًا نظريًا في الحكم.

وكان الأمراء يتنافسون فعليًا عبر توليهم مناصب في الولايات وبناء شبكات دعم سياسية وعسكرية، وغالبًا ما كانت هذه المنافسة تنتهي بالعنف، بما في ذلك ممارسة قتل الإخوة التي كانت شائعة ومقبولة ضمن منطق الدولة في ذلك الوقت.

ومن هذا المنظور، كان مصطفى فاعلًا سياسيًا يسعى إلى توسيع نفوذه، خصوصًا داخل صفوف الإنكشارية، الذين كانوا يشكلون القوة العسكرية الأهم في الدولة.

يوم الإعدام وما بعده

تشير دراسات إلى أن قرار السلطان سليمان قد يكون مرتبطًا أكثر بخوفه من اختلال ميزان السلطة داخل الدولة.

فالأمير مصطفى كان يتمتع بشعبية داخل الجيش، كما كان يحظى بتأييد واسع في شرائح مختلفة من المجتمع. وتشير التقارير إلى أنه عندما بدأ الجنود يتصرفون وكأن مصطفى هو الوريث الفعلي، بدأت شرعية الحكم تميل بعيدًا عن السلطان، وهو ما اعتُبر تهديدًا مباشرًا لبنية الدولة.

ومن هذا المنظور، كان قرار الإعدام محاولة لإعادة ضبط التوازن وإعادة تثبيت مركز السلطة في يد السلطان.

وحدثت عملية الإعدام في 6 أكتوبر 1553 خلال الحملة العسكرية ضد إيران، وكان عمر مصطفى 38 عامًا.

ووفق الروايات، وصل مصطفى إلى خيمة والده دون علمه بأنه سيُقتل، وكان يظن أنه سيقبل يد السلطان. دخل الخيمة غير مسلح، حيث هاجمه سبعة من "الجلادين الصم"، وتمكن من مقاومتهم في البداية.

لكن لاحقًا، تدخل زال محمود آغا، وهو مصارع مشهور وخادم في القصر، من الخلف وتمكن من قتله بعد مقاومة شديدة. ويُقال إن هذه اللحظة ظهرت في مسلسل "القرن العظيم" بشكل قريب من الروايات التاريخية.

وتشير بعض المصادر إلى أن السلطان كان موجودًا خلف الستار أثناء الإعدام، وتحدث مع ابنه وأصدر أوامر للجلادين.

بعد مقتله، تم نقل جثمان مصطفى ووضعه على سجادة فارسية قرب الخيمة، وصودرت ممتلكاته لصالح الخزانة العامة.

وأثار موته صدمة كبيرة داخل الجيش وبين العامة، كما لقي صدى واسعًا في أوروبا.

ولاحتواء غضب الإنكشارية، اضطر السلطان سليمان في اليوم نفسه إلى عزل الصدر الأعظم رستم باشا، الذي اعتُبر مسؤولًا رئيسيًا عن الحادثة، لكن عزله كان مؤقتًا فقط، إذ عاد لاحقًا إلى منصبه بعد عامين.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار