في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الواقع يتشظى. العالم يحتضر. والوقت ينفد من بين أيدينا.
ثلاث عبارات يمكن أن تكون ردود فعل مشروعة تماما أمام سيل المحتوى الركيك الذي يُنتَج بالذكاء الاصطناعي، أو محاولة رئيس ما عقد مؤتمر صحفي "عادي"، أو تذكير يومي جديد بأن موقفنا اللامبالي من تغيّر المناخ سيقودنا في النهاية إلى الهلاك.
لكن في هذه الحالة، تشكّل العبارات مدخلا للعبة الفيديو "Fading Echo"، أول إنتاج لاستوديو الألعاب المستقل "إيميتيـريا" التابع لـ"New Tales" والمتمركز في مدينة ليون الفرنسية.
من المقرر أن تُطرَح اللعبة في وقت لاحق من هذا العام على الحاسوب الشخصي و"بلايستيشن 5" و"إكس بوكس سيريز X|S". ورغم أنها لم تصدر بعد، فإن أسلوبها البصري المستوحى من القصص المصوّرة بدأ يلفت الأنظار، ولا غرابة في ذلك، إذ يجسّد اللاعبون شخصية قادرة على التحوّل بين هيئة إنسان وهيئة كائن مائي.
وما هدف اللعبة؟ إنقاذ ما تبقّى من العالم والكفاح من أجل مستقبل أفضل.
فكرة يمكن لكثيرين أن يتماهوا معها.
قسم الثقافة في "يورونيوز" حاور إليز مارشوبا، المنتِجة الأولى في "إيميتيـريا"، للحديث عن "Fading Echo"، والصور النمطية التي لا تزال تلتصق بمجتمع اللاعبين، والتحديات التي تواجه صناعة ألعاب الفيديو، خاصة الناشرين المستقلين الذين يحاولون صنع اسم لهم في سوق تستحوذ فيها شركات "AAA" العملاقة على الحصة الأكبر.
يورونيوز كالتشر: كيف تصفين دورك كمنتِجة أولى؟
إليز مارشوبا: أصف دوري بأنه أقرب إلى منتِجة إبداعية، وهو توصيف يصعب شرحه، لأن الناس في السينما والتلفزيون يرون المنتجين بوصفهم الأشخاص الذين يأتون بالمال. ليتني كنت الشخص الذي يجلب المال! أشرح الأمر عادة بهذه الطريقة: إذا أردت تصنيع سيارة، فعليك أولا بناء الهيكل قبل تركيب الإطارات، وعليك طلاء عجلة القيادة قبل تركيبها داخل السيارة. أنا الشخص الذي يتعيّن عليه تحديد التسلسل الصحيح لكل خطوة في "السيارة" الجديدة كي تعمل كما يجب.
كيف وُلدت فكرة "Fading Echo"؟
تأسس الاستوديو بعد إغلاق فرع شركة "بليزارد"، مطورة ألعاب "Overwatch" و"World of Warcraft" و"Diablo"، في فرنسا. قررت الإدارة العليا حينها إنشاء استوديو خاص بها. بدأ المشروع في الأصل كدار نشر، لذلك لدينا فرع للنشر في باريس يعمل مع عدد من الاستوديوهات المختلفة. وقد أعلنّا مؤخرا أننا نتعاون مع استوديو في مدغشقر، على أول لعبة من مدغشقر تصدر على أجهزة الألعاب المنزلية. لدينا استوديوهات في أنحاء العالم نتعاون معها، والاستوديو الذي أعمل فيه مطوّر مدمج؛ فعادة ما يطوّر الاستوديو لعبة ثم يبحث عن ناشر يموّلها ويتولى بيعها، بينما نحن نعمل يدا بيد.
الرئيسة الإبداعية للاستوديو صمّمت "Fading Echo" في الأصل كلعبة تقمّص أدوار على الطاولة، على طريقة "Dungeons & Dragons". تم تكييف الفكرة لاحقا لتصبح لعبة فيديو، وحاولنا الحفاظ على الكثير من المبادئ نفسها. نعرّفها بأنها لعبة تقمّص أدوار حركية يلعب فيها المستخدم بشخصية تعيش على جزيرة تلتهمها "الفساد". العالم انهار نوعا ما، وتكسّرت معه كلّ الحقائق. عليك أن تنتقل بين هذه الحقائق المختلفة، وتعود بالماء إلى الحصن، أي قاعدة انطلاقك، لتمدّه بالطاقة التي تمكّنك من مغادرة الجزيرة. هذه هي الحبكة الأساسية.
تبدو أجواؤها ديستوبية، لكن يبدو أيضا أن هناك بُعدا بيئيا...
في البداية، كانت اللعبة مباشرة أكثر بكثير في تناولها للمواضيع البيئية. ثم ابتعدنا عن ذلك قليلا، لأن هناك لعبة دقيقة ينبغي خوضها – إذا صحّ التعبير – في التعبير عن آرائنا ومواقفنا داخل الألعاب من دون أن نعلن صراحة: "هذه لعبة عن البيئة!".
ومع ذلك، هناك عنصر في لعبتنا يحمل حرفيا اسم "الفساد". إذا امتلكت منه قدرا صغيرا تصبح قويا جدا، أما إذا حملت منه أكثر من اللازم فتموت. حتى هذا العنصر أثار نقاشا واسعا داخل الفريق... كنا ندرك أننا نلمّح بشكل مباشر. كيف نوازن ذلك؟ لا نريد أن تكون الرسالة خطية أكثر من اللازم. علينا أن نجد طريقة نمزج بها ما نريد قوله مع آليات اللعب نفسها، لأنه إذا حاولنا حشر فكرة في أذهان اللاعبين وكانت التجربة غير ممتعة، نكون قد فشلنا تماما. الأولوية هي أن تكون اللعبة ممتعة، وفي خلفية أذهان اللاعبين يمرّ خاطر من قبيل: "أها، فهمت ما الذي أرادوا قوله هنا".
نرى مزيدا من الألعاب التي تركّز، إن لم تُعطِ الأولوية، لقصص أكثر ثراءً؛ أقل خطيّة من النقطة أ إلى ب إلى ج، وأكثر تعقيدا وتعددا في الطبقات السردية...
أعتقد أن ذلك أصبح شبه حتمي. نراه في مختلف أشكال الفنون. نحن نعيش زمنا بالغ التعقيد، ومن الصعب للغاية أن نذهب إلى العمل من دون أن نتحدث، ولو ضمنيا، عما يجري في العالم.
على سبيل المثال، كاتبة السيناريو الرئيسية لدينا تقيم في الولايات المتحدة، وتعمل على اللعبة منذ ثلاث سنوات. وضعت "الإنجيل" الأولي للعبة ثم كتبت تقريبا كل جملة حوار فيها، وكنا نبدأ اجتماعات الفيديو الأسبوعية معها بسؤال: كيف حالك؟ هل أنت بخير؟ لم يكن علينا الخوض في كل التفاصيل، لكننا كنا منفتحين معها بشأن ما يحدث حولنا. وأعتقد أنه من المستحيل العمل مع شخص بهذا القرب من دون أن تتسرّب بعض هذه الثيمات إلى النص.
مهمتنا ليست إلقاء محاضرة عمّا نعتقده بشأن العالم، بل طرح أسئلة تشجّع الناس على التفكير في هذه القضايا قليلا أكثر.
انطلاقا من ذلك، هل تقولين إن لألعاب الفيديو القدرة على إحداث أثر ثقافي يوازي ما تفعله الفنون الأخرى التي تعكس الواقع والأحداث الراهنة؟
أعتقد ذلك. التحدي يأتي من الخارج، من الضغوط المالية كما هو الحال في مجالات كثيرة. يمكن أن تكون هناك ألعاب تحقق نجاحا تجاريا هائلا، ومع ذلك تترك أثرا ثقافيا بطريقتها. لعبة "Fortnite" مثلا أصبحت فضاءً اجتماعيا بقدر ما هي لعبة، وهذا شكل من أشكال التأثير الثقافي أيضا.
اللعبة التي شكّلت علامة فارقة بالنسبة إليّ هي "Spec Ops: The Line". إنها لعبة تصويب تتبع جنديا أمريكيا يُرسَل في مهمة إلى دبي بعد كارثة بيئية. أنت البطل، في مواجهة "إرهابيين" عليك القضاء عليهم بالتتابع ضمن قصة شبه خطية. لكن في مرحلة ما تبدأ ذاكرتك في التلعثم بشأن ما رأيته فعلا... الفكرة الأساسية للعبة هي اضطراب ما بعد الصدمة، وكيف يُدَرِّب أفراد الجيش عقولهم على التفكير بأن "الجميع عدوّ، عليّ فقط أن أطلق النار"، فلا يبقى مجال للتعاطف.
لعبت تلك اللعبة وغيّرت كل شيء بالنسبة إليّ. قلت لنفسي: هذا ما يمكن أن تكونه الألعاب. يمكن لتجربة كهذه أن تغيّر طريقة رؤيتك للعالم.
لا أرغب في العمل على ألعاب تصويب تقليدية. لا أعتقد أننا بحاجة إلى مزيد منها. لكن إذا كان لا بد من إنتاجها، فليكن ذلك بطريقة ذكية تنقل رسالة حقيقية. هناك أمثلة كثيرة على مطوري ألعاب يفعلون ذلك بنجاح.
في سوق مكتظّة، كيف تجعلون لعبة مثل "Fading Echo" تبرز؟
الأمر صعب جدا. في هذه المرحلة من عمر الصناعة، يبدو أن نصف العمل هو صنع لعبة ممتازة، والنصف الآخر هو التسويق لها. نقوم بأشياء كثيرة ليست شائعة جدا في السوق. لعبتنا فردية، لا تحتوي على مكوّنات لعب عبر الإنترنت. لا عملات مشفّرة، لا "بلوك تشين"، ولا مشتريات داخل التطبيق. وفوق ذلك، ما يضرّنا ويساعدنا في آن واحد هو أن بطلتنا امرأة، وهذا يثير ردود فعل مستقطِبة.
كيف يضرّكم ذلك؟
تقديم شخصيات رئيسية غير مألوفة يمثل تحديا دائما؛ فبمجرد أن تبتكر، تصطدم بتوقعات مسبقة قد تستفزّ بعض شرائح الجمهور. رأينا شيئا من هذا في التعليقات على الإنترنت. لكن لدينا أيضا مجتمع لاعبين قوي يفهم ما نحاول بنناءه ويدعمه.
حقيقة أن البعض لا يزال يتفاعل سلبا مع قضايا التمثيل والتنوع تعكس الصور النمطية المتجذّرة حول أن الألعاب "نادي فتيان" مغلق...
هذا صحيح، لكنه واقع معقّد ويحتاج إلى وقت للتغيّر. تطورت الصناعة كثيرا مع مرور الزمن: جمهور جديد، وأنواع مختلفة من الألعاب، واليوم نسمع مزيدا من الأصوات، وهذا بطبيعته يغيّر نوعية القصص التي تُروى. الجزء الصعب هو فعل ذلك بطريقة صادقة، لا استعراضية ولا مفروضة قسرا. أن تكون القصص ببساطة صادقة... هذا موضوع نتحدث عنه كثيرا داخل الاستوديو.
في البداية، كان هناك توازن أكبر بكثير بين الرجال والنساء في صناعة الألعاب، لكن مع تطور التكنولوجيا بدأ البعض يقول: ماذا لو أعطينا الشخصيات أسلحة؟ عندها ظهرت ألعاب مثل "Doom"، وفي تلك الفترة غادرت كثير من النساء المجال لأنهن لم يردن العمل على ألعاب من هذا النوع.
هكذا شهدنا موجة خروج كبيرة للنساء من القطاع. اليوم نرى الأعداد ترتفع مجددا، لأن هناك رغبة واضحة في صنع أنواع مختلفة من الألعاب للجميع. هناك استوديو في السويد اسمه "Star Stable" يطوّر لعبة على الإنترنت عن ركوب الخيل، ولا تزال مستمرة منذ نحو 15 عاما. نرى أيضا تجارب سردية أقصر موجهة لمن يملكون وقتا أقل للّعب.
بعيدا عن الخطاب السام على الإنترنت، نشهد سوقا متخمة، وميزانيات تطوير متضخّمة، وتقارير عن تسريحات جماعية... رغم الكمّ الهائل من الألعاب الجديدة، يبدو أن الصناعة – مثل غيرها – تعاني بشدة في الوقت الراهن.
صناعة الألعاب تدرّ إيرادات تفوق إيرادات السينما كل عام، أي أنها تدر كثيرا من المال. لكن وضع الصناعة قاتم ومخيف للغاية. فرنسا هي البلد الثالث الذي أعيش فيه. لطالما أردت العيش في أوروبا، وكان ذلك خيارا واعيا جدا؛ اضطررت إلى الانتقال لأحصل على نوع الوظائف الذي أريده وأتفادى التسريحات.
أعتقد أن هناك عاملين أساسيين في اللحظة الراهنة. الأول هو جائحة كوفيد. خلال كوفيد، بقي الجميع في منازلهم وارتفعت مبيعات الألعاب بشكل مذهل، فاضطرت الشركات إلى التوظيف بكثافة. إضافة إلى ذلك، أصبح بالإمكان توظيف أي شخص في أي مكان، لأن الجميع يعملون عن بعد أصلا.
الآن، بعد انتهاء ذروة كوفيد، تعود مبيعات الألعاب إلى الانخفاض. وهنا يظهر المنطق القاسي: "أوه، علينا الآن الاستغناء عن كل هؤلاء الذين وظّفناهم، لأن المبيعات تنخفض، ما يعني أن أعداد الموظفين يجب أن تنخفض أيضا".
العامل الأحدث أوضح بكثير...
الذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي. الصناعة لا تزال تحاول فهم ملامح هذه المرحلة. رأيت الكثير من الأمثلة في استوديوهات جرى فيها تسريح موظفين، ثم أعيد توظيف بعضهم بعد ستة أشهر أو عام ونصف.
يُقدَّم اليوم كأنه "الشرير المفضل" في الموسيقى والسينما والصحافة... كثيرون يرون أن له استخدامات مفيدة في مجالات معينة، لكنه يمثل تهديدا وجوديا إذا لم يُستخدَم بمسؤولية.
هو تهديد، بالطريقة نفسها التي يمكن فيها تسليح أي تقنية واستخدامها بشكل سلبي، أو توظيفها للشفاء.
شركات الاستثمار لم تعد تريد تمويل ألعاب فقط. الناس في كل أنحاء العالم يريدون الاستثمار في أي منتج يسمعون فيه كلمة "ذكاء اصطناعي". لذلك يسارع كثيرون إلى إدماج الذكاء الاصطناعي فقط لأنهم يريدون جذب المستثمرين. يحرّك هذا الاتجاه عنصر رأسمالي بحت: الحاجة إلى جلب مزيد من الأموال للشركة، والطريق الأقصر لذلك حاليا هو إدماج الذكاء الاصطناعي.
مصدر الخطر هو كيفية القيام بذلك، وهنا تحديدا تبرز الفوارق بين الاستوديوهات التي تحسن استخدامه وتلك التي تفشل. الاستخدام السيئ هو أن تطرد كل رسامي المفاهيم وتستبدلهم بأداة مثل "Midjourney". في هذه الحالة لن تحصل على الجودة التي تريدها ولا على ما تحتاجه فعليا، وإذا لم يكن لديك نظام خاص بك فأنت تستخدم أعمالا مسروقة، ما يعني أن الدائرة القانونية لديها بالتأكيد ما تقوله في هذا الشأن.
في شركتي، كان الشعار منذ فترة: "الناس لن يُستبدَلوا بالذكاء الاصطناعي، بل سيُستبدلون بأشخاص يستخدمون الذكاء الاصطناعي". قد يكون تقبّل هذه الفكرة صعبا، لكنني أفهمها. لا أريد أن أكون من أولئك الذين يصرّون على الرفض فقط لأنهم لا يحبون التقنية. لن أعارضها لمجرد أنني لا أفهمها، لكنني أيضا لن أحبّها لأن أحدا طلب مني ذلك. سأخطو خطوة حذرة إلى الوراء، وأقرّ بأن من الحتمي أن يكون الذكاء الاصطناعي جزءا من المستقبل، لكنني سأدافع عن استخدامه بشكل أخلاقي وسليم.
الطريقة التي نطبّق بها التقنية الآن تركّز على سؤال واحد: ما المهام المملّة حقا التي نضطر إلى القيام بها يوميا ونكرهها؟ من هنا نبدأ. لا نبدأ من سؤال: كيف نوفر المال باستبدال وظيفة معينة؟ بل من سؤال: كيف نجعل الجميع أكثر كفاءة في عملهم كي نزيد الإنتاج والربحية مع الفريق نفسه؟
لا يزال من الصعب إقناع الجميع، ومن الصعب أيضا تحديد الصورة النهائية بدقة. أعتقد أن الفنانين والكتّاب هم الأكثر شعورا بالتهديد في الوقت الراهن. أما أنا فأتفادى أزمة الهوية الوجودية لأن المنتجين معروفون أساسا بسمعة أنهم مملّون ويهتمون بالأرقام. هدفي أن أكسر هذه الصورة بالقول إن الذكاء الاصطناعي لن يكون أبدا ساحرا مثلي! سأضيف روح الدعابة كلما استطعت، وأضيف المتعة متى أمكن، لأنني لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يستبدل الشخصية الإنسانية. حين أشعر بالقلق، أراهن أكثر على هذه الشخصية بدل أن أتساءل: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصنع جدول بيانات أفضل مني؟
هل تتخيلين وقتا قريبا تنقلب فيه المعادلة؟ بحيث يرفض الناس كل منتج يرون فيه بصمة الذكاء الاصطناعي ويقولون: "نحن نؤمن بأن من سيلعب ألعابنا يريد أن يعرف أنه يختبر عملا صنعه بشر وفنانون، وحبكاته وُلدت من التجربة والصدمة والمشاعر" – وهي أمور يستحيل، بحكم التعريف، أن يقدّمها الذكاء الاصطناعي بشكل أصيل؟
الأمر سيتوقف على نضج كل استوديو وقدرته على تطبيق التقنية بشكل سليم.
من الملفات التي نتعامل معها كثيرا حاليا مسألة الترجمة إلى لغات أخرى. إنها أول ما يُقال عنه: "دعونا نستخدم الذكاء الاصطناعي!". لكن لعبتنا تتضمن قدرا كبيرا من الفكاهة السوداء، وهذا من أصعب ما يمكن أن يقلّده الذكاء الاصطناعي. تفاصيل صغيرة، كأن تنادي أم ابنتها "يا صديقتي الصغيرة" بحنان لكنها في الوقت نفسه منزعجة منها، الذكاء الاصطناعي لا يلتقط كل هذه الظلال.
الاستوديوهات التي ترفض استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه العمليات ستجد نفسها مضطرة إلى الإغلاق. أعتقد أنها ستضطر إلى التكيّف. لكن الاستوديوهات التي تعتمد عليه وحده ستفشل أيضا ولا تلبي احتياجات السوق. الحل في تلك المنطقة الوسطى: أن تدير لعبتك، وتفحص النصوص أوليا بأدوات الذكاء الاصطناعي، ثم يراجعها بشر في كل الأحوال.
أعمق من ذلك كله، المسألة مرتبطة بقدرة الاستوديو على القول: سنواكب التكنولوجيا بعقل منفتح، لكن بذكاء. لن نلهث وراء كل موضة، بل سنراقب اتجاهات الصناعة ونستفيد منها بما يخدمنا، لا لمجرد أن أحدا قال لنا إن علينا فعل ذلك.
أعتذر عن نبرة التشاؤم، لكن لا يمكن تجاهل موجات التسريح التي تتصدّر العناوين. عندما تُقدِم شركات كبرى مثل "Epic Games" – مطورة لعبة "Fortnite" الشهيرة – على تسريح 1.000 موظف تحت ضغط مالي وتراجع في التفاعل، فبأي أمل تتمسك الشركات الأصغر؟
أنا خائفة على أصدقائي أكثر من خوفي على نفسي، لأنني غادرت عن قصد عالم شركات "AAA" بعدما أدركت أنك هناك... لا أريد أن أقول إنك لست إنسانا، لكن من السهل جدا أن تتحوّل إلى رقم: كم يكلفونك وكم يجلبون من المال. شعرت بذلك بوضوح في الشركات الكبرى، ولهذا السبب غادرت للعمل مع فريق أصغر.
نحن نحو 16 شخصا متفرغين في المكتب. نحصل على تحديثات ربع سنوية يشرح لنا فيها المدير المالي كم أنفقنا في كل ربع سنة. نتلقى هذا التحديث كل ثلاثة أشهر فلا تكون هناك مفاجآت. في شركات "AAA" أذكر أن أحدهم قال لي يوما: "راقبي دائما سلّة الفاكهة؛ عندما تختفي سلّة الفاكهة فهذا يعني أن موجة تسريح قادمة". هذا أول بند يُحذَف لتخفيض التكاليف.
شهدنا في فرنسا العام الماضي، مع قضية الاتهامات بالاعتداء الجنسي في "يوبيسوفت"، أن كونك امرأة في صناعة الألعاب لا يزال أمرا صعبا. هل ترين تحسنا في الاتجاهات؟
القطاع يسير في الاتجاه الصحيح إذا نظرت إلى الأماكن الصحيحة. في الشركات الكبرى، أثق بذلك أقل. أعتقد أن شركات "AAA" تعاني أكثر في هذا المجال. فالمستوى القيادي الذي يتفاوض على صفقات بمليارات الدولارات يتطلّب أن يكون أفراده في المجال منذ 20 إلى 30 عاما، ولا نملك كثيرا من هذا التمثيل النسائي بعد.
أنا في هذه الصناعة منذ 12 عاما، ولا أرى حولي عددا كبيرا من النساء اللاتي أمضين الفترة نفسها. أعتقد أننا سنرى هذا التغير بشكل أوضح خلال 10 أو 15 عاما. لكن في الشركات الصغيرة، أستطيع أن أتبوأ منصبا إداريا أعلى بكثير مما يمكن أن أصل إليه في شركة ضخمة.
في الشركات الكبرى، يصبح الأمر أصعب بكثير. بينما في الاستوديوهات الصغيرة، المساحة أكثر راحة؛ فإذا قيل تعليق غير مقبول في اجتماع يضم 40 شخصا، يكون من الأصعب عليّ أن أقول إن هذا الكلام لا يليق، أما إذا كنا أربعة أشخاص أتحدث إليهم كل يوم، فيصبح الأمر أسهل بكثير.
لهذا السبب أعيش في فرنسا اليوم. كان عليّ أن أجد شركة يمكنني أن أقول عنها: "في هذا الاستوديو، نعم، أعتقد أن الأمور تتحسن". أرى أنهم يحاولون فعلا دفع الأشخاص من خلفيات متنوعة إلى مواقع إدارية عليا بشكل جوهري. وأنا مستعدة لمنح الوقت والصبر كي أرى ذلك يُنفّذ بالطريقة الصحيحة، بدلا من حلول سريعة من نوع "لصقة الجروح" تزيد الألم على المدى الطويل.
صدرت مؤخرا دراسات كثيرة تُظهر أن الألعاب يمكن أن تكون عاملا إيجابيا. من بينها دراسة هذا العام عن أن لعبة "Tetris" يمكن أن تساعد في حالات اضطراب ما بعد الصدمة . ودراسة أخرى تثبت أن الألعاب تسهم في تنمية القدرات الإدراكية والمهارات العملية والثقافية... هل تساعد هذه النتائج في كسر الصور النمطية؟
هناك أمثلة كثيرة جدا لتُظهر أن ألعاب الفيديو يمكن أن تكون ضارة. وكأي تقنية أخرى، يمكن استخدامها للشر كما يمكن استخدامها للخير.
لديّ ابنة أخت تبلغ من العمر 12 عاما، وغالبا ما أُسأل عن "Roblox" مثلا. نعم، ترك الأطفال يتحدثون إلى غرباء على الإنترنت أمر شديد الخطورة، وليس فكرة جيدة. لكن من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن اللعب نشاط فردي بطبيعته؛ مع أنه يشبه الذهاب إلى متحف أو مشاهدة فيلم... ترغب بعده في التحدث مع الآخرين عنه. نحن فقط نتحدث مع الناس عبر الإنترنت. الأمر لا يقتصر على اللعب في حد ذاته، بل اللعب ثم مناقشته مع أصدقائك.
كما قلت، هناك مهارات كثيرة يمكن أن يطوّرها الناس من خلال الألعاب: مثل البراعة الحركية، والقصص التي تعلّمك اختلاف وجهات النظر والانفتاح على آفاق جديدة. وفي زمن أصبح فيه التواصل مع الآخرين صعبا جدا، تمثّل نقاط الدخول الأسهل هذه طريقة رائعة للقيام بذلك؛ لأنك لست مضطرا للذهاب إلى لقاء عام ومقابلة غرباء والبدء من هناك. أنت تبدأ على الإنترنت، مجهول الهوية، وتتحدث فقط عن لعبة. أعتقد أن الجانب الاجتماعي في الألعاب أقل ما يُسلَّط عليه الضوء.
ما يميز صناعة الألعاب أن الكثيرين منا يمزحون بأننا كنا "غريبي الأطوار" عندما كنا أطفالا، وربما لم نكن قادرين على تكوين صداقات. الآن وجدنا بعضنا بعضا ويمكننا أن نزدهر معا. لسنا مضطرين للقلق بشأن الاندماج في مجموعة أو نظام قائم؛ لقد وجدنا نظامنا الخاص. ننتمي إليه ونشكّله على طريقتنا. الجانب المجتمعي في هذا العالم هو الأقل حديثا عنه، لكنه في رأيي الأكثر فائدة.
أخيرا، ما ردّ الفعل المثالي الذي تودّين سماعه من شخص أنهى تجربة "Fading Echo"؟
عملت من قبل على لعبة واحدة فقط كنت أؤمن حقا بأنها ستصنع فارقا إيجابيا في العالم. حاولت وقتها أن أتنبأ بهذا السؤال وبإجابتي عنه، ثم أدركت أن السعي إلى إحداث شعور بعينه لا ينجح. ما أتمناه هو أن يشعر اللاعبون بأنهم مختلفون عمّا كانوا عليه قبل اللعب؛ سواء كان إحساسا بالحزن، أو بالفرح، أو بالفضول... هذا متروك لهم. ما أريده هو أن ينهوا اللعبة قائلين إنها كانت تجربة تستحق الوقت، وأنها عنت لهم شيئا. أيا كان هذا المعنى، سأتركه لخيال اللاعبين.
سيصدر "Fading Echo" في وقت لاحق من هذا العام. وإذا صادف أنك في ليون هذا الأسبوع، يمكنك تجربة اللعبة في فعالية "Speedons" (المصدر باللغة الإنجليزية) ، أو مشاهدة البث الذي يقدّمه "MisterMV" للعبة على قناته في "Twitch".
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة