آخر الأخبار

الشاعر الصيني شاو شوي: التعايش بين الثقافات المختلفة هو بطولة عصرنا

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

فاز بجوائز أدبية عالمية، وترجمت أعماله لغات عدة، شاعر وروائي وكاتب سيناريو ومترجم صيني شاب، يهدف إلى دمج الثقافات الشرقية والغربية والمقدس والدنيوي، يحلم بمستقبل تعيش فيه الإنسانية كعائلة واحدة تتحدث لغة واحدة ويكون للشعر فيها دور عظيم. إنه الشاعر الصيني شاو شوي، المولود في عام 1982، والذي صدر له أكثر من 51 كتابا، منها مجموعات شعرية وروايات ومقالات، كما كتب مئة حلقة من المسلسلات التلفزيونية والأفلام، تُرجمت له إلى العربية -حديثا- "ملحمة أوراسيا"، وعلى أصدائها كان هذا الحوار.

يدمن العودة إلى الماضي ليبحث عن إشارات تهدي سفينة عصرنا إلى شاطئ النجاة والتسامح، يتغنى بأوراسيا، وينشد أشعاره لبرج بابل، سحرته ألف ليلة وليلة، وحملته شهرزاد إلى محطات عربية عديدة من نثر جبران إلى شعر أدونيس وعوالم نجيب محفوظ، ثم القراءة لكثير من الشعراء العرب وترجمة أشعارهم للصينية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 عظيم طهماسبي: الرواية الإيرانية درع ناعم في مواجهة مقص الرقيب
* list 2 of 2 "العربي الذي لا يموت".. رواية تقرأ حاضر العرب في مرآة التاريخ end of list

ملحمة كونية بين الركام


* مثلما تخرج وردة بين ركام البيوت في زمن الحرب، صدرت الترجمة العربية لقصيدتك "ملحمة أوراسيا" بتوقيع المبدع أشرف أبو اليزيد، ضمن مشروع إبداعات طريق الحرير، كيف تنظر إلى هذه المبادرة؟ وماذا يمثل العبور إلى وجدان القارئ العربي بالنسبة إليك؟

"ملحمة أوراسيا" أكثر أعمالي تجوالا بين اللغات؛ من الإنجليزية والإيطالية إلى السويدية والفرنسية، غير أن النسخة العربية هي الأوفى والأكمل، وهذا يثير في نفسي معنى خاصا وعميقا، هذه هي المرة الأولى التي يعبر فيها كتاب كامل لي عتبة العالم العربي، وأنا ممتن للصديق الشاعر أشرف أبو اليزيد على ترجمته الرائعة، ولدار النشر على بصيرتها النافذة، وقد أدرج أشرف هذا العمل ضمن سلسلة "إبداعات طريق الحرير"، فمن بكين إلى القاهرة، كان الطريق قديما يربط مركزين عظيمين، وها هو اليوم يُبعث من جديد، لا بالقوافل، بل بالأدب؛ لتغدو الكلمةُ أوثقَ صلةٍ بين الشعوب.

"فمن بكين إلى القاهرة، كان الطريق قديما يربط مركزين عظيمين، وها هو اليوم يُبعث من جديد، لا بالقوافل، بل بالأدب؛ لتغدو الكلمةُ أوثقَ صلةٍ بين الشعوب"


* كأنك تريد أن تقول في هذه الملحمة: إن فلسفة التعايش بين الثقافات المختلفة هي أكثر الأعمال بطولية في هذا العصر، أليس كذلك؟
إعلان

لقد اعتدنا أن تكون الملاحم مرآةً لأممها، من جلجامش إلى الملاحم اليونانية والهندية، لكنني، في هذا العصر الذي تذوب فيه الحدود، سعيتُ إلى أن أكتب ملحمةً للإنسان، لا للأمة وحدها.

إن قارة أوراسيا، مهد الحضارات، كانت حلما مشتركا للإنسانية؛ فمن بلاد الرافدين، إلى كنعان ومصر واليونان غربا، ومن فارس والهند إلى الصين شرقا، تشكّلت سبع حضارات كانت قلب العصر الكلاسيكي، ولا شك أن الحضارة العربية ورثت وطورت حضارة بلاد الرافدين وما جاورها من عوالم، وفي ملحمتي هذه، أضع بلاد ما بين النهرين والعالم العربي في مركز العالم.

مصدر الصورة قصيدة ملحمة روسيا (الجزيرة)

الترجمة: جسر الحضارات ومستقبل الشعر الكوني


* رغم تفانيك في مشروعك الإبداعي، إلا أنك تخوض باستمرار ملحمة الترجمة، ناقلا أصواتا شعرية من ثقافات متعددة، من إسطنبول إلى أمريكا وروسيا. ماذا تعني لك الترجمة في جوهرها؟ أهي وفاء للنصوص ومبدعيها، أم مغامرة لاحتواء العالم داخل لغتك الخاصة وإعادة خلقه فيها؟

أرى أننا نعيش اليوم في عصر الأدب العالمي، فقد مرّ الأدب الإنساني بثلاث مراحل: من الشعر الغنائي في العصر الزراعي، إلى الرواية في العصر الصناعي، إلى الدراما في عصر الصورة، أما المستقبل فهو للشعر الكوني العظيم، ومن هذه الزاوية، تصبح الترجمة فعلا جوهريا: إنها الجسر الذي تعبر عليه الحضارات لتفهم بعضها بعضا، أما "الشعر العظيم"، فهو عملية دمج لعناصر هذه الحضارات في نص جديد.

بالنسبة لي، الترجمة ليست مجرد وفاء، ولا مجرد إعادة خلق، بل هي الاثنان معا، إنها حوار عميق مع الآخر، وفي الوقت ذاته امتداد لذاتي الإبداعية، لذا ترجمت "خطى إسطنبول" لنوردوران دومان، و"أغنية أرض الأحلام" لفرناندو ريندون، و"العصفور الذهبي في الشمس" لفاديم تيريخين، و"أغنية الفارس" لأمبرتو غارزيا، و"الرعوية في الخيمة" لأولوغبيك يسدوليت، وغيرها، مستلهما فكرة إليوت الذي رأى أن الشاعر المعاصر لا يكتمل دون معرفة لغات أخرى.

فكل لغة تفتح نافذة جديدة على العالم، وهذا ضروري لبناء رؤية عالمية متكاملة، وإذا تأملت اللغات الكبرى اليوم، وجدت أنها نتاج تلاقح حضاري: اللغة العربية استوعبت العديد من الحضارات السابقة، مثل الأكادية والآرامية والمصرية والعبرية؛ الإنجليزية هي مزيج من الفرنسية والألمانية؛ الصينية أيضا تضم لغات الحضارات المحيطة، مثل الخيتانية، المغولية، المانشووية، والتي كانت لغات شعوب شائعة في شمال الصين، ولذلك، أؤمن بأن المستقبل سيشهد اندماجا أكبر بين اللغات، حتى تصل البشرية إلى لغة مشتركة.

أدونيس في محكمة الشعر العظيم


* من خلال تنظيرك الشعري، نجد أن عظمة الشعر عندك تتجلى في الاهتمام بالمشترك الإنساني، وهذا يناقض ما ذهب إليه أدونيس؛ وهو من أهم المنظرين في العالم العربي، فهو يرى أن الشعر يضعف حين يكون هناك مشترك عام، ويتلألأ حيث يبعد عنه، كيف تحاكم هذا الرأي وفق منفستو الشعر العظيم؟

في عام 2013، التقيتُ أدونيس خلال مهرجان بحيرة تشينغهاي الدولي للشعر، واستمعنا إلى إلقائه على ضفاف البحيرة، ثمة نقاط التقاء بين تجربتينا، وقد وضعنا الشاعر الإيطالي جوزيبي كونتي، مؤسس الأسطورية الحديثة، ضمن أفق واحد في قراءته النقدية، ومع ذلك، لا أستطيع أن أتفق مع وجهة نظره.

"لأدونيس عقلية نخبوية، بينما أرى أن الشعر العظيم لا يولد إلا من التعاطف العميق مع الناس، فالشعر، في تصوري، ليس برجا عاجيا، بل جسر بين المقدّس واليومي"

لأدونيس عقلية نخبوية، بينما أرى أن الشعر العظيم لا يولد إلا من التعاطف العميق مع الناس، فالشعر، في تصوري، ليس برجا عاجيا، بل جسر بين المقدّس واليومي، بين اللغة العالية ونبض الشارع، إن جوهر "الشعر العظيم" هو أن يجمع بين الرقيّ والشعبية، أن ينصت إلى الإنسان العادي دون أن يتخلى عن سعيه إلى المعنى الأسمى. أدونيس شاعر أقدّره كثيرا، وربما جاءت رؤيته في سياق تاريخي معين، لكنني أؤمن بأن الشعر، كي يكون عظيما، يجب أن يكون إنسانيا قبل كل شيء.

مصدر الصورة صور للشاعر السوري أدونيس في إزمير (الصحافة التركية)

هل يطفئ الشعرُ نيرانَ الحروب؟


* في عالم اليوم المضطرب، والذي تحركه السياسة لا الفنون، ومهندسو الشر فيه كتنانين تنفث نيرانها ولا تبالي بالإنسانية، وصوت اللهب يطغى على الشعر والأغنيات، كيف يمكن للشعر أن يعيش في بيئة كهذه، وكيف يمكن أن يجعل هذا الكوكب مكانا أفضل؟
إعلان

في هذه الأيام، يشهد الشرق الأوسط تصاعدا جديدا للحروب، مع اشتباكات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. هذه المنطقة، بوصفها قلب الحضارة الإنسانية، تحوّلت إلى ساحة صراع للقوى الكبرى، وقد أثار دهشتي أن العملية العسكرية الأمريكية سُمّيت "الغضب الملحمي"، الحرب، بطبيعتها، كانت دائما مشهدا مركزيا في الملاحم، لكن هذا التداخل بين التسمية الشعرية والعنف يعيدنا إلى أصل الشعر ذاته، فكل فن -بما في ذلك الشعر- هو محاولة للبشر للتعبير عن أنفسهم، ولإعادة تشكيل العالم، ومن هذه الزاوية، قد يبدو الفنان والسياسي وجهين لعملة واحدة: كلاهما يسعى إلى إعادة ترتيب الواقع. لكن الفرق أن الشاعر يبني، بينما السياسي -أحيانا- يهدم.

كان هتلر رساما، لكننا ننظر إليه بوصفه مشعل حروب، وفي المقابل، ينظر البعض إلى حروب نابليون بوصفها "فنّا" من نوع ما، هذه المفارقة تكشف أن القوة التي يحملها الفن قد توجد أيضا في السياسة، لكنها تُستخدم بطرق مختلفة في التأثير على حياة الناس، غير أن تأثير الشعر يظلّ خفيا، ناعما، يتسلل إلى الوجدان دون ضجيج.

وبينما تتصارع الحضارات الخمس الكبرى -الصينية، والهندية، والإسلامية، والغربية، والأوراسية والحضارات الثانوية داخلها- على النفوذ، يبقى الشعر صوتا آخر، يدعو إلى التذكّر: تذكّر الأصل الواحد، والمصير الواحد، إن الصراع الدائر اليوم -مثلا- يمكن قراءته بوصفه مواجهة بين حضارات، بين الحضارة العبرية تحت مظلة الحضارة الغربية والحضارة الفارسية تحت مظلة الحضارة الإسلامية، لكن، من منظور "الشعر العظيم"، يمكننا أن نستخلص من كل حضارة عناصرها النبيلة، لنصوغ منها ملحمة إنسانية مشتركة.

ربما، حينها، سيتذكر البشر أنهم خرجوا من رحم واحدة، وأنهم -مهما طال الطريق- سيتجهون نحو مصير واحد، وربما، بذلك، يمكننا أن نتجنب بعض الحروب. الطريق طويلة ومثقلة بالمخاطر، قد نواجه حربا عالمية ثالثة، وقد نصل إلى حافة الفناء، لكن بعد خمسمئة عام، ستجد البشرية نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نتوحد، أو أن نفنى، ومن هنا، فإن مهمة الشعراء والفنانين ليست ترفا، بل ضرورة: أن يحلموا بـ"وطن إنساني"، وأن يعملوا -بالكلمة والصورة- على تقريب هذا الحلم من الواقع.

الصيني خرج من مصباح علاء الدين


* علاقتك بالثقافة العربية ممتازة، أخبرنا كيف بدأت رحلتك معها؟ وإلى أي مدى تجد حضور الأدب العربي مترجما إلى الصينية؟ ومن هم الكتّاب العرب الذين تأثرت بهم؟

عندما كنت طفلا، قرأت من "ألف ليلة وليلة" قصصا مثل "مصباح علاء الدين السحري" و"علي بابا والأربعون لصا" و"الصياد والعفريت" وشاهدت أيضا فيلم "مصباح علاء الدين السحري" على التلفاز، ولم أنسَه منذ ذلك الحين، هذا هو انطباعي عن الجزيرة العربية، والذي شكل بنيتي النفسية في الطفولة، وحملني على الاعتقاد بوجوب النظر إلى الخارج، فلا بد أن هناك حضارات ساحرة تستحق التعلم منها، وهذا هو الدافع الأصلي وراء اقتراحي لحركة الشعر العظيم لاحقا.

يمكنني فقط إعطاء انطباعي العام عن الأدب العربي المترجم إلى الصينية، فإلى جانب "ألف ليلة وليلة"، قرأت أيضا العديد من اقتباسات القرآن الذي أسرتني حكمته، وفي مراهقتي، جذبني النثر الشعري لجبران خليل جبران الممتلئ بالفلسفة، وشعر أدونيس المتدثر بالغموض، والواقعية البانورامية لنجيب محفوظ، كلها أثّرت عليَّ كثيرا في وقت مبكر.

ومع دخولي العالم الأدبي وقراءة المزيد من الأعمال العربية، أصبح بعض الكتّاب أصدقاء في الحياة الواقعية، أول شاعر عربي تواصلت معه مباشرة كان عادل خزام من الإمارات العربية المتحدة، وأبدعنا معا "ملحمة الإنسانية" التي نشرت باسم "مانسيرة"، هو كتب البداية، وأنا كتبت النهاية، وبالطبع شارك أيضا ثمانون شاعرا من جميع أنحاء العالم، في عام 2024، أقمنا حفل تدشينها معا في بكين، وفي عام 2025، استضفنا الدورة الخامسة لمهرجان طريق الحرير الدولي للشعر معا في دبي.

إعلان

والآن، أتولى أيضا ترجمة هذا العمل العظيم، كذلك ما زلت أترجم "قصائد من الصحراء" لحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأترجم أيضا شعر أشرف أبو اليزيد، الشاعر المصري الشهير ومترجم "ملحمة أوراسيا"، بالإضافة إلى ذلك، ترجمت عشرات الشعراء، منهم الشاعر الجزائري عاشور فني، محمد رحال، الشاعر السعودي رائد أنيس الجشي، الشاعر اللبناني بلال المصري، الشاعر الفلسطيني مراد السوداني، والشاعر العراقي علي الشلاه، ولأن العربية هي اللغة الأم لـ22 دولة، وهي لغة عظيمة يمكن إرجاعها إلى الأكادية، فأنا أستكشف عناصرها الثقافية باستمرار.

شاركت مؤخرا في منتدى المفكر الذهبي للشعر والأدب في مصر، حيث فزت بجائزة ألغاز ليالي رمضان للمفكر الذهبي، كنت أجيب على لغز كل يوم وأكتب أيضا قصيدة، جائزة الشعر هذه هي الأكثر تميزا، بجوائز تُمنح يوميا لمدة 30 يوما وشهادات تُوزع، أكتب قصيدة كل يوم، ثلاثين قصيدة تقريبا، وأخيرا جمعتها في مجموعة شعرية بعنوان "السماء العربية المرصعة بالنجوم في رمضان"، خلال هذه العملية، عشت مع العرب هذا الشهر الفضيل وتعلمت الكثير عن المعرفة العربية، مثل البحور الستة عشر في الشعر العربي الكلاسيكي، أؤمن بأن الحضارة العربية ستكون ركنا أساسيا في أي مشروع للأدب العالمي في المستقبل.

فلسطين ورقصة الحزن العظيم


* في قصيدتك "شكل الابن الفلسطيني"، تتجلى ثنائية الإنسان والجغرافيا التي نلاحظها في معظم أشعارك، لقد جعلت للطفل الفلسطيني ملامح أسطورية، رأسه بحيرة طبرية وقلبه القدس وقدميه خليج العقبة، كيف تنظر إلى تضحيات الشعب الفلسطيني الذي صار حالة شعرية تعمل على تحرير الوجدان العالمي؟ وهل سيؤثر هذا النضال الأسطوري ضد الوحشية على مستقبل العالم؟

لقد استلهمتُ "شكل الابن الفلسطيني" من صورة طفل في الخامسة من عمره، ملفوف في كفنه، كان في عمر ابني، ومع ذلك استطاع الموت أن يتجسد فيه، بدا لي الكفن وكأنه خريطة فلسطين نفسها، إنها حكاية مأساوية، موجعة إلى حدّ التطابق بين الجسد والأرض، نحن هنا لا نتحدث فقط عن مأساة إنسانية، بل عن ذروة الصراع بين الحضارات وتداخلها، ففلسطين، في نظري، هي "السهل الأوسط" (تشونغ يوان) للحضارة الإنسانية، بالمعنى الذي عرفه التاريخ الصيني: حيث كانت السلالات تتصارع للسيطرة على قلب الأرض، لأن من يملك المركز، يملك العالم، واليوم، يبدو أن من يهيمن على الشرق الأوسط، يمسك بخيوط المصير العالمي.

في هذا الموضع تحديدا، يحتدم الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، في واحدة من أعنف صور التقاء الحضارات وتصادمها، ومن موقع «المواطن الكوني»، فإن الشاعر الحقيقي لا يملك إلا أن ينحاز إلى الضحايا، إلى أولئك الذين يدفعون أجسادهم ثمنا للتاريخ، وإذا نظرنا إلى التاريخ من عل، سنجد أن كل حضارة كبرى، وكل إمبراطورية، قد شُيّدت فوق ركام الحروب.

الحرب العالمية الأولى حصدت خمسة عشر مليون إنسان، والثانية خمسمائة وثمانين مليونا، وخلف كل رقم مأساة عائلة، وذاكرة لا تُشفى، لذلك، ينبغي أن ندرك أن النزعات القومية المتطرفة، والتديّن الضيق، كثيرا ما تُستغل من قِبل قلة من الساسة، لقد خرجنا من رحم واحدة، وسنعود -حتما- إلى نقطة واحدة، آمل أن تكون تضحيات الشعب الفلسطيني، وآلامه، جرس إنذار لضمير الإنسانية، يدعوها إلى اختيار طريق السلام، وإلى «التطور المشترك»، بدلا من الاستمرار في دوامة الدم.

"آمل أن تكون تضحيات الشعب الفلسطيني، وآلامه، جرس إنذار لضمير الإنسانية، يدعوها إلى اختيار طريق السلام"


* ينتظر محبوك إصدار كتابك "رقصة الحزن العظيم في برج بابل" والذي يضم القصيدة بمختلف لغات العالم، وأنا منهم، لقد قرأتُ القصيدة في نسختها الإنجليزية، أراها حزينة كأنها لحن جنائزي تعزفه للعالم من مسرح في قلب أوراسيا، هل أردت تأبين الضمير العالمي العاجز؟

لقد نشرتُ سابقا عملا بعنوان نشيد برج بابل عام 2018، تُرجم إلى ثلاث عشرة لغة، وكان محاولة لتحويل رمزية البرج إلى صوت واحد يجمعنا. أما اليوم، فأطمح إلى تقديم "رقصة الحزن العظيم في برج بابل" في مئة وثماني لغة، وكأنها جوقة كونية تتجاوز الحدود لتؤدي مرثية للعالم، إن هذه القصيدة -وهي من أكثر أعمالي ترجمة- رمز لوجودنا الفردي المنعزل في العالم الفوضوي، ومع كونها حزينة إلا أنها تعبير عن المصير المشترك الذي يجمعنا.

إعلان

فإذا تأملنا التاريخ، وجدنا أن التعدد كان دائما مفضيا إلى الوحدة: مدن اليونان الكثيرة توحدت تحت الإمبراطورية المقدونية، والصين كانت شتاتا لثمانمئة إقطاعية، توحدت في النهاية في الإمبراطورية الصينية على يد الإمبراطور تشين شي هوانغ؛ والشرق الأوسط شهد وحدة في محطات تاريخية كبرى، واليوم، على الرغم من أن العالم العربي منقسم إلى 22 دولة، إلا أن ذلك قد يكون مؤقتا، سيتوحد يوما ما، ولهذا، أؤمن أن هذا الرثاء ليس نهاية، بل بداية وعي، فالبشرية، في نهاية المطاف، ستتحدث لغة واحدة، وتبني برجها من جديد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار