في السنوات الأخيرة، ظهرت ترجمات جديدة لروايات كبرى مثل "مئة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا" لغابرييل غارسيا ماركيز، و"الجريمة والعقاب" و"الإخوة كارامازوف" لدوستويفسكي، و"دون كيشوت" لسرفانتس، و"البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست، و"1984″ لجورج أورويل.
أعمال قرأها جيل كامل بترجمة واحدة راسخة في الذاكرة لسنوات، وإعادة الترجمة لا تعني الطعن في جهود المترجمين الأوائل، مثل سامي الدروبي، لكنها تطرح سؤالا مهما: هل ما زالت اللغة التي كتبت بها هذه الكلاسيكيات قادرة على مخاطبة قارئ المنصات الرقمية؟ خاصة وأن هناك اتفاقا بين المترجمين على أن اللغة كائن حي ومرن.
فهل الهدف تصحيح قصور ترجمات قديمة أُنجز بعضها عبر لغات وسيطة؟ وهل كل ترجمة جديدة بمثابة قراءة جديدة؟ كما أن المسألة لا تخلو من حسابات اقتصادية مغرية للناشرين، خاصة حين تدخل الأعمال حيز الملكية العامة.
بين من يرى في إعادة الترجمة ضرورة ثقافية تبقي النص حيا، ومن يراها خيارا تجاريا، يبقى السؤال مفتوحا: هل تشيخ الترجمات؟
الفارق الجوهري بين إعادة ترجمة عمل كلاسيكي وشراء حقوق ترجمة عمل معاصر يكمن في الكلفة المالية
وتضيف: "أما الأعمال الكلاسيكية، فلا تخضع لشراء الحقوق بعد مرور مدة زمنية محددة على وفاة مؤلفيها، وهي مدة تختلف من بلد إلى آخر. وبما أن هذه الأعمال تحظى بطلب دائم من القراء، تلجأ دور نشر كثيرة إلى إعادة ترجمتها ونشرها، مستفيدة من أمرين أساسيين:
أولا: لا تضطر إلى التخلي عن ما يقارب خمس مدخولها من بيع الكتاب.
ثانيا: لا تضطر إلى دفع دفعة أولى مقابل الحصول على الحقوق، وهذه الدفعة في حالة الكتاب الكبار قد تصل إلى 100 ألف دولار.
من جانبه، ينطلق المترجم خالد الجبيلي من فكرة أن اللغة كائن حي يتطور باستمرار، ويشيخ مثل البشر. فالترجمات القديمة قد تستخدم مفردات مهجورة يصعب على القارئ المعاصر فهمها، بينما تستخدم الترجمة الجديدة لغة العصر فتجعل النص الكلاسيكي مقروءا وسلسا مرة أخرى.
وقد يصحح المترجم أخطاء وقع فيها المترجم القديم، ويضيف هوامش تشرح النص بمزيد من العمق. ويضرب مثلا بوجود ما يقارب 15 ترجمة إنجليزية كاملة لرواية "آنا كارنينا" لليو تولستوي منذ نشرت حتى الآن.
بدوره، يشير المترجم يوسف نبيل إلى بعد آخر للمسألة، وهو أن بعض الأعمال الكلاسيكية تُرجمت عن لغات وسيطة.
في مجال الأدب الروسي مثلا، أغلب الأعمال الكبرى مترجمة عن لغات وسيطة، وبالطبع توفير ترجمة جديدة لهذه الأعمال عن الأصل مباشرة يعد خطوة جيدة بهدف تلافي بعض إشكاليات الترجمة عن لغة وسيطة.
أغلب الأعمال الكبرى مترجمة عن لغات وسيطة، وتوفير ترجمة جديدة عن الأصل مباشرة يُعد خطوة جيدة
لكن الإشكالية التي نواجهها في البلدان العربية، بحسب يوسف نبيل، أن عدد الترجمات الصادرة سنويا قليل مقارنة بدول أجنبية كثيرة، مما يضع المترجم والمؤسسات أمام ضغط: هل نترجم ما لم يترجم من قبل أم نعيد ترجمة ما ترجم بالفعل؟
ويفصل نبيل في توجهات دور النشر:
الخيار السهل: إعادة ترجمة الأعمال المشهورة بجودة سيئة أو إعادة نشر الترجمات القديمة عينها لضمان المبيعات.
الثوب الجديد: تكليف مترجمين أكفاء يخرجون ترجمة مختلفة بوضوح، مع حواشي تفسيرية ولغة طازجة.
الأدب المعاصر: التركيز على نقل النتاج الجديد.
ويؤكد خالد الجبيلي أن كل ترجمة جديدة هي قراءة جديدة للنص، لكنها لا تلغي النص الأصلي ولا الترجمات السابقة، بل تغير رؤيتنا للعمل. ويتابع: "لا توجد ترجمة نهائية لأن كل ترجمة هي توثيق لقراءة واحدة محددة في زمن محدد لمترجم محدد"
عمل الترجمة الأساس هو نقل الأثر الذي يتركه النص في القارئ من لغة إلى أخرى، دون المساس بالمعنى ولا بأثر الأسلوب
وحول تغير ذائقة القارئ العربي، ترى عزة طويل أن كفة الميزان تميل اليوم إلى السلاسة، أحيانا على حساب الفصاحة، لكن ذلك لا يلغي وجود قراء يفضلون اللغة المعجمية "التراثية".
وتشير إلى أن "عمل الترجمة الأساس هو نقل الأثر الذي يتركه النص في القارئ من لغة إلى أخرى، دون المساس بالمعنى ولا بأثر الأسلوب. أما خيارات الدور في الكلاسيكيات، فترتكز غالبا على اسم الكاتب أكثر من ارتكازها على أسلوبه"
ويستدرك يوسف نبيل بالقول: "الأعمال الكلاسيكية إذن، حتى لو ترجمت عن لغتها الأصلية، ومرت على ترجماتها فترة طويلة (أكثر من 50 عاما)، فمن الضروري إعادة ترجمتها بلغة حديثة، والاستفادة من التقنيات التي تتيح للمترجم الوصول إلى معلومات استعصت على من قبله، والأهم تقديم مفردات معاصرة؛ لأن اللغة كائن حي ينمو ويتغير"
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة