آخر الأخبار

"حبّة اليقظة".. السر الذي يسمح للطيارين الإسرائيليين بمواصلة القتال خلال المهمات الطويلة

شارك

كشف تقرير لـ "القناة 12" الإسرائيلية أن سلاح الجو يستخدم أدوية منبِّهة، مثل مودافينيل، لمساعدة الطيارين على الحفاظ على اليقظة والتركيز خلال المهمات الجوية الطويلة، رغم الحرمان من النوم.

تتواصل موجات القصف والعمليات الجوية بعيدة المدى في الحرب الجارية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما يفرض على طياري سلاح الجو الإسرائيلي تنفيذ طلعات طويلة عبر مسافات واسعة والبقاء في حالة تركيز شديد لساعات طويلة تحت ضغط كبير. ومع اتساع نطاق هذه العمليات الجوية وتكرارها، يبرز تساؤل حول كيفية تمكن الطيارين من الحفاظ على يقظتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار خلال مهمات قد تمتد لساعات طويلة من دون نوم.

في هذا الإطار، كشف تقرير للقناة 12 العبرية تفاصيل استخدام دواء يعزز اليقظة لدى الطيارين. فكيف يعمل هذا الدواء، ولماذا يستخدم خلال المهمات الجوية الطويلة؟

تأثير الحرمان من النوم على الطيارين

يوضح التقرير أن العمليات الجوية الطويلة تفرض تحديات جسدية وذهنية كبيرة على الطيارين، إذ يتعين عليهم البقاء في حالة يقظة كاملة خلال الطيران لمسافات طويلة والعمل تحت ضغط مرتفع. ويشير خبراء طبيون، بينهم أطباء سابقون في سلاح الجو الإسرائيلي، إلى أن البقاء من دون نوم لمدة تتراوح بين 18 و24 ساعة يؤدي إلى تراجع كبير في القدرة على التركيز والذاكرة العاملة واتخاذ القرار.

ويقول الخبراء إن هذا التراجع الإدراكي قد يكون مشابها لتأثير حالة متوسطة من التسمم الكحولي. كما يصبح الطيارون المرهقون أكثر عرضة لما يعرف بـ "الرؤية النفقية" (Tunnel Vision)، هي حالة طبية تتميز بفقدان الرؤية المحيطية (الجانبية) مع الاحتفاظ بالرؤية المركزية، حيث يركز الطيار على أداة واحدة في قمرة القيادة ويتجاهل مراقبة بقية البيئة التشغيلية.

ويضيف التقرير أن الحرمان من النوم قد يؤدي أيضا إلى تشويه تقييم المخاطر، ما يدفع الطيارين إلى التقليل من تقدير الأخطار المحتملة. وفي الحالات القصوى قد يعاني الطيار من ظاهرة تعرف باسم "النوم الدقيق" (Micro-sleep)، وهي لحظات قصيرة وغير إرادية من فقدان الوعي يمكن أن تكون خطيرة خلال المراحل الحساسة من الطيران.

مصدر الصورة طائرة حربية إسرائيلية من طراز إف-16 في مهمة إلى لبنان من قاعدة جوية جنوب إسرائيل، في هذه الصورة الأرشيفية التي التُقطت يوم الأحد 23 يوليو/تموز 2006. ARIEL SCHALIT/AP2008

من الأمفيتامين إلى مودافينيل

يشير التقرير إلى أن الجيوش الغربية استخدمت تاريخيا منشطات قائمة على الأمفيتامين تعرف باسم "حبوب الانطلاق" (Go pills) لمساعدة الطيارين على البقاء يقظين خلال المهمات الطويلة. وقد استخدمت هذه الأدوية منذ الحرب العالمية الثانية من قبل الطيارين البريطانيين والأميركيين.

غير أن هذه الأدوية كانت تسبب آثارا جانبية قوية، مثل التوتر الشديد والانهيار الجسدي بعد انتهاء مفعولها، ما دفع العديد من القوات الجوية الحديثة إلى البحث عن بدائل.

مودافينيل كبديل حديث

يوضح التقرير أن العديد من القوات الجوية الحديثة اتجهت إلى استخدام دواء مودافينيل (Modafinil)، وهو دواء طور في فرنسا خلال سبعينيات القرن الماضي لعلاج اضطرابات النوم الشديدة مثل النوم القهري (اضطراب يسبب نوبات نوم مفاجئة) وانقطاع النفس أثناء النوم.

ويذكر التقرير أن هذا الدواء يسوق في إسرائيل تحت اسم بروفيجيل (Provigil).

ويعمل مودافينيل بطريقة مختلفة عن المنشطات التقليدية أو أدوية اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه مثل ريتالين (Ritalin). فبدلا من رفع مستويات الدوبامين (مادة كيميائية في الدماغ مرتبطة بالتركيز والتحفيز) والنورأدرينالين (مادة كيميائية تزيد اليقظة والانتباه) بشكل حاد، يؤثر الدواء بشكل رئيسي في منطقة تحت المهاد (جزء من الدماغ ينظم النوم واليقظة).

كما يزيد من إنتاج الأوريكسين (Orexin) (مادة عصبية تساعد الدماغ على البقاء في حالة يقظة)، وهي مادة تلعب دورا أساسيا في الحفاظ على اليقظة، كما يؤثر الدواء أيضا في نظام الهيستامين في الدماغ (نظام يساعد على تنظيم اليقظة والانتباه).

مصدر الصورة يقوم فني إسرائيلي متخصص في طائرات إف-16آي بفحص طائرة مقاتلة تابعة لسلاح الجو، إسرائيل، يوم الأحد 24 أكتوبر/تشرين الأول 2021. Tsafrir Abayov/Copyright 2021The AP All rights reserved

مدة تأثير الدواء

على خلاف الكافيين الذي يعمل على حجب مستقبلات الأدينوزين (مستقبلات في الدماغ مسؤولة عن الإحساس بالنعاس) بصورة مؤقتة، يعزز مودافينيل (Modafinil) حالة اليقظة داخل الدماغ بشكل مباشر.

ويعطى الدواء عادة بجرعات تتراوح بين 100 و200 مليغرام. ويبلغ ذروة تركيزه في الدم خلال ساعتين إلى أربع ساعات، كما يبلغ عمره النصفي (المدة التي يحتاجها الجسم للتخلص من نصف كمية الدواء) ما بين 12 و15 ساعة، ما يسمح لجرعة واحدة بالحفاظ على حالة اليقظة لفترة طويلة.

نتائج تجارب عسكرية

يشير التقرير إلى أن محاكاة أجراها سلاح الجو الأميركي أظهرت أن الطيارين الذين استخدموا مودافينيل تمكنوا من الحفاظ على مستوى مرتفع من الدقة في المناورات المعقدة وسرعة رد الفعل واتخاذ القرار حتى بعد 40 ساعة من دون نوم.

وكان أداؤهم أفضل بكثير من الطيارين الذين تلقوا دواء وهميا (دواء لا يحتوي على مادة فعالة ويستخدم في التجارب للمقارنة). كما أن المستخدمين لا يبلغون عادة عن شعور بالنشوة، بل يصف كثير منهم التأثير بأنه يشبه الشعور بعد الحصول على ليلة نوم كاملة.

آثار جانبية وتحذيرات

يشير التقرير إلى أن مودافينيل قد يسبب بعض الآثار الجانبية مثل ارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب والصداع والغثيان والدوار والقلق. كما قد يعاني بعض الطيارين من صعوبة في النوم بعد انتهاء المهمات.

ويؤكد أطباء أن هذا الدواء لا يمكنه تعويض الحاجة الطبيعية للجسم إلى النوم، إذ يبقى النوم ضروريا لإصلاح الأنسجة والتخلص من السموم الأيضية (مواد ضارة تنتج عن عمليات الجسم الحيوية) في الجسم.

كما تستمر الساعة البيولوجية للجسم في دفع الإنسان إلى الشعور بالتعب في أوقات معينة من اليوم، خصوصا في فترة ما بعد الظهر المبكرة، ما يجعل من الصعب القضاء على الإرهاق بشكل كامل.

استخدام محدود

يوضح التقرير أن استخدام مودافينيل يخضع لإجراءات محددة داخل سلاح الجو، ولا يستخدم بشكل فردي أو عشوائي. ويقرر أطباء الطيران استخدامه في ظروف عملياتية محددة عندما يكون من الصعب الحصول على قسط كاف من النوم قبل المهمة.

كما تفرض الإجراءات اختبار الدواء خلال تدريبات أرضية مسبقة للتأكد من عدم حدوث آثار جانبية قبل استخدامه خلال الرحلات الفعلية.

وفي النهاية، يؤكد الخبراء الطبيون أن مودافينيل لا يعد بديلا عن النوم، بل أداة تستخدم في ظروف عملياتية محددة للمساعدة على الحفاظ على اليقظة خلال المهمات الجوية الطويلة.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار