تمثل قضية "جيفري إبستين" الثقب الأسود الذي ابتلع سردية "نزاهة النخبة" في الغرب. لم يكن إبستين مجرد وسيط للسلطة أو مستثمر غامض، بل كان "مهندسا" بارعا في هندسة القبول الاجتماعي عبر بوابة العقل.
لقد أدرك أن أسرع طريق لغسل تاريخه الجنائي وتشييد حصانة مطلقة هو المرور عبر ردهات الجامعات العريقة ومصادقة "أيقونات الوعي".
كيف تحول المثقف من حارس للحقيقة إلى "سمسار شرعية"، وكيف بيعت منصات العلم مقابل صكوك غفران ممولة بمال الجريمة؟
في قلب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي – MIT)، وتحديداً داخل "مختبر الوسائط" (Media Lab)، لم يكن جيفري إبستين مجرد متبرع، بل كان "ضيفا فوق العادة".
المشهد الصادم الذي وثقته تقارير "نيويوركر" و"نيويورك تايمز" يصور "نيكولاس نيغروبونتي" (الأب الروحي للتكنولوجيا الرقمية) وهو يحث زملاءه على قبول تبرعات إبستين سرا، حتى بعد إدانته الرسمية بالتحرش بالأطفال.
كان إبستين يدخل المختبر وكأنه مالكه، يوزع الوعود بالتمويل، بينما كان الأكاديميون يبتكرون طرقا لترميز اسمه في السجلات الرسمية بصفة "مجهول" (Anonymous) لتجنب الملاحقة الأخلاقية.
لم تكن الرشوة نقدا مباشرا في جيب المثقف فحسب، بل كانت "رشوة مؤسسية" تشتري صمت المختبر وتمنح إبستين مقعدا بين النوابغ.
هذا المشهد يمثل التجسيد الحي لـ "التواطؤ البنيوي"؛ حيث تذوب الفضيلة الفردية تحت وطأة الحاجة إلى التمويل البحثي، حيث يتحول المثقف من "مكتشف للحقيقة" إلى "مدير موارد" يغلق عينيه عن دماء الضحايا ليضمن استمرار تدفق الدولارات إلى معمله. مقايضة تضرب في صميم العقد الأخلاقي بين العلم والمجتمع، حيث تصبح المعرفة "قناعا" يرتديه المجرم ليختفي داخل المؤسسة.
يعيدنا هذا السقوط المريع إلى تحذير إدوارد سعيد الصارم في كتابه "المثقف والسلطة"، حين رسم الحدود الفاصلة بين المثقف الحر والمثقف الذي ابتلعته المؤسسة، قائلاً:
"إن المثقف الذي ينشد رضا المؤسسة والمانحين يفقد وظيفته كهاوٍ مخلص للحقيقة، ويتحول إلى محترف يحمي مصالح من يمولونه، وبذلك يصبح جزءاً من آلة الإخفاء لا آلة الكشف."
ومن جدران الجامعة إلى مقاعد الجلد الفاخرة في طائرة إبستين الخاصة، حيث جلس علماء من وزن ستيفن بينكر ولورنس كراوس وستيفن هوكينغ (في مناسبة أخرى). لم يتسلم هؤلاء "شيكات" ولكن تلقوا "رشوة معنوية" تتمثل في "الاستعلاء المعرفي".
كان إبستين يدعو هؤلاء العمالقة لمناقشة "فيزياء الأكوان" و"مستقبل البشرية" في جزر خاصة وملاذات معزولة، وكان يقدم هؤلاء العلماء للمجتمع كأصدقاء شخصيين، مستخدما "مكانتهم" العلمية كشهادة صلاحية أخلاقية تمنحه الحق في اختراق الدوائر السياسية العليا.
استسلم العلماء لإغواء "النخبوية"، ظنا منهم أن ذكاءهم الفائق يمنحهم "حصانة معرفية" تجعلهم فوق الشبهات، أو أن "العلم الصافي" لا يلوثه سوء سلوك الممول.
خلقت النرجسية الأكاديمية حالة من "العمى الأخلاقي الانتقائي"، كان هؤلاء المثقفون ينظرون في "حقوق الإنسان" و"العدالة الكونية" في كتبهم، وفي الوقت نفسه، يتناولون العشاء مع رجل يتاجر بأجساد القاصرات.
إنه التدجين المحزن عبر إشعارهم بأنهم "صفوة" لا تخضع لقواعد العامة، وهو أخطر أنواع الرشاوى؛ لأنه يفسد الأداة التي يقيس بها المثقف العالم وهي ضميره.
هذا الانفصال بين العقل والوجدان هو ما تنبأ به الفيلسوف والروائي الفرنسي جوليان بندا في صرخته الكلاسيكية عام 1927 عبر كتابه "خيانة المثقفين" (La Trahison des Clercs)، حيث أدان انزلاق المثقفين نحو المصالح المادية والجاه السياسي على حساب القيم المطلقة، مؤكداً:
"عندما يقرر المثقف أن يخدم القوة أو المال بدلاً من العدالة، فإنه لا يرتكب خطأً شخصياً فحسب، بل يرتكب خيانة لجوهر وظيفته الكونية، محولاً العقل إلى أداة تجميلية للظلم."
في مشهد ربما كان الأكثر إثارة للجدل، كشفت وثائق "وول ستريت جورنال" عام 2023 عن لقاءات جمعت بين اللساني والمفكر الراديكالي نعوم تشومسكي وجيفري إبستين.
لم تكن الرشوة هنا تبرعاً لمركز بحثي، بل كانت "تسهيلات" مالية وشخصية شملت تحويلات مالية معقدة، بررها تشومسكي بأنها أمور عائلية تقنية. تشومسكي، الذي قضى عقوداً في تعرية "صناعة الموافقة" ونقد الهيمنة الأمريكية، يجلس لمناقشة "السياسة والفلسفة" مع رجل يمثل أقصى درجات الفساد الرأسمالي والجنائي.
الصدمة لم تكن في طبيعة النقاش، بل في "الشرعية" التي منحها تواجد تشومسكي لإبستين؛ إذ كيف يمكن لرجل يرفضه المجتمع أن يكون "صديقا" لأكبر ناقد أخلاقي في العالم؟
هذا المشهد يطرح تساؤلاً جوهرياً حول "المثقف العمومي" في عصر الرأسمالية المتوحشة. هل يمكن للمثقف أن يفصل بين "اللقاء الفكري" وبين "الموقف الأخلاقي"؟ إن قبول المثقف للتعامل مع "وحش" تحت ذريعة "الحوار" أو "التبادل المعرفي" هو في الحقيقة "رشوة رمزية" تسهم في صناعة القناع الذي يختبئ خلفه المجرم.
تحول المثقف هنا إلى "وسيط شرعية"، حيث تم استهلاك اسمه وتاريخه النضالي لتبييض صفحة سوداء، وهو سقوط يكشف هشاقة "الأيقونة" أمام إغراءات القوة الناعمة.
هذا النوع من السقوط المؤسف يفسره مفهوم "تفاهة الشر" الذي صاغته حنّة أرندت، حيث تشير إلى أن أعظم الجرائم لا تتطلب بالضرورة "وحوشاً" للقيام بها، بل تتطلب "أشخاصاً عاديين ومثقفين" يقبلون بلعب أدوارهم الصغيرة داخل النظام دون مساءلة الضمير، مؤكدة في كتابها "المسؤولية والحكم":
"إن أعظم شر في العالم هو ذلك الذي يرتكبه أشخاص بلا ميزة، أشخاص يرفضون أن يكونوا ذواتاً أخلاقية، ويختارون الصمت أو التواطؤ تحت ذريعة أنهم لا يفعلون شيئا سوى القيام بعملهم أو الحوار مع الآخرين."
فضيحة المثقفين في قضية إبستين ليست مجرد حكاية عن أشخاص سقطوا في فخ المال، بل هي إعلان عن "إفلاس بنيوي" في الحقل الثقافي والعلمي العالمي.
عندما تصبح أرقى الجامعات (هارفارد، إم آي تي، برينستون) مجرد "مغاسل" لسمعة المجرمين، وعندما يصبح كبار المفكرين "ضيوف شرف" في حفلات المتاجرين بالبشر، فإننا لا نتحدث عن أخطاء فردية، بل عن "سوق سوداء للقيم" يتحكم فيها المال بالوعي.
كشفت قضية إبستين أن "الذكاء" ليس مرادفاً "للفضيلة"، وأن "المعرفة" قد تكون أحياناً أخطر أدوات "التضليل" إذا لم تُسند بصلابة أخلاقية.
المثقفون الذين قدموا إبستين للمجتمع أو تلقوا منه الدعم، تركوا وراءهم إرثا مشروخا؛ ومن الصعب اليوم قراءة نظرياتهم عن العدالة دون تذكر طائرات إبستين وصمت الصالونات.
لم تعد مسؤولية المثقف، اليوم، في "قول الحقيقة" فقط، بل في الحذر من أن تصبح حقيقته "ستارا" لأكاذيب الآخرين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة