تشهد صفحات الأدب ومناقشات الجوائز جدلا مستمرا عن عدد من الروايات التي نشرت حديثا. وصفت هذه الأعمال بأنها غير مكتملة، وأشار النقاد إلى "أعمال تقاوم الحبكة"، أو تتخلى عن الحل، وتتحول إلى ما يشبه اليوميات أو المقالات في تجارب معزولة.
بدأت هذه التجارب – تدريجيا – في التحول إلى نمط. وتمثلت المفارقة في دخول عدد منها إلى قوائم الجوائز، وتناولها النقد بالثناء، كما دعمتها دور نشر مستقلة.
وبينما كانت "الأعمال" محل سؤال عما إذا كانت "روايات" طبقا للتعريف التقليدي للرواية، قفز إلى الواجهة سؤال جديد عن قصص تتخلى عن التماسك السردي، ونصوص تتخبط دون ذروة، وروايات تبدو وكأنها تتوقف فجأة بدلا من أن تنتهي، أصبحت بين يوم وليلة ملء السمع والبصر في الحوار الأدبي المعاصر.
فهل نشهد تمردا على السرد أم مجرد محاولة لتغيير القواعد حيث لا تصبح الحبكة أساسا للنص الروائي؟ وهل يعتبر هذا انعكاسا لواقع معاش أم هو تمرد أقرب إلى "زوبعة في فنجان"؟
كانت رواية "بحيرة الخلق" (Creation Lake) عام 2024 لراشيل كوشنر من أبرز الأمثلة التي نوقشت، والتي أثارت انقساما بين النقاد بسبب منطقها السردي المعلق عمدا.
فبينما تتناول الرواية التجسس والتطرف السياسي والانهيار البيئي، لاحظ النقاد أنها تحجب الإشباع المعتاد المرتبط بهذه الأنواع الأدبية.
وفي مقال له في صحيفة نيويورك تايمز، لاحظ الناقد دوايت غارنر أن كوشنر بدت أقل اهتماما بـ"النتيجة السردية" من اهتمامها بكشف "عدم استقرار السرد الأيديولوجي نفسه". وقد أبرز استقبال الكتاب نمطا متكررا، يلخص الأزمة وهو أن النقص لا يصور على أنه نقص، بل على أنه نقد.
ودار نقاش مماثل حول رواية "سيرة ذاتية لـ إكس (Biography of X)" لكاترين لاسي، وخاصة في حلقات القراءة ومناقشات الجوائز عام 2024، رغم أنها نشرت سابقا.
وأشار النقاد الذين أعادوا قراءة الرواية إلى أن بنيتها غير المكتملة عمدا، والتي تُقدم كسيرة ذاتية لشخصية ثقافية خيالية قد استبقت الموجة الحالية من التشكيك في السرد. وفي موقع "ليتراري هب" (Literary Hub)، ربط العديد من المعلقين الاهتمام المتجدد بالكتاب بشعور عام بالإرهاق من الروايات التي تعد بتقديم تفسيرات شاملة.
وفي أوروبا، اشتد النقاش حول عناوين صدرت عن دور نشر مستقلة في عامي 2024 و2025، وخاصة تلك المرتبطة بدار نشر فيتزكارالدو (Fitzcarraldo).
ووصفت أعمال مثل رواية "ملجأ الزمن (Time Shelter)" التي لا تزال تحظى باهتمام نقدي، والنصوص المجزأة الأحدث في كتالوج الناشر، بأنها "روايات التردد"، وهي كتب تتقدم بالتدوير بدلا من الحركة للأمام.
وفي مراجعة لعدد من أعمال فيتزكارالدو عام 2025، لاحظت صحيفة الغارديان مقاومة مشتركة للنهاية السردية، واصفة الكتب بأنها تركت دون حسم بشكل مقصود، وكأنها ترفض تثبيت العالم الذي تصوره".
لم يقتصر هذا التوجه على المطبوعات. ففي عام 2024، نشرت مجلة ذا أتلانتيك مقالا واسع الانتشار حول صعود الروايات المتسلسلة ذات النهايات المفتوحة على منصة سبستاك (Substack)، مشيرة إلى أن العديد من الكتاب البارزين كانوا يصدرون روايات طويلة دون الإعلان عما إذا كانت ستنتهي أم لا، أو متى.
لم تقدم هذه النصوص على أنها مسودات، بل على أنها مكتملة في حالتها غير المكتملة. ونقل المقال عن المحررة والناقدة كاتي والدمان قولها إن هذا النوع من الكتابة يعكس "لحظة ثقافية تبدو فيها النهاية غير معقولة".
وقد أصبحت ثقافة الجوائز الأدبية نفسها ساحة للخلاف. ففي عام 2025، أثارت القوائم الطويلة لعدد من الجوائز الأدبية الدولية الكبرى نقاشا حول الطول والشكل وحدود الأنواع الأدبية.
لاحظ نقاد في صحيفتي ذا غارديان ونيو ستيتسمان أن العديد من الأعمال المرشحة للقائمة المختصرة يمكن قراءتها كمقالات مطولة، أو مذكرات، أو "أفكار بصوت عال"، بدلا من كونها روايات بالمعنى الكلاسيكي.
ويشير التكرار الملحوظ لهذه النصوص إلى أن عدم الاكتمال لم يعد مقبولا فقط، بل أصبح يُضفى عليه طابع رسمي.
ما يجمع هذه الحالات ليس أسلوباً أو توجهاً سياسياً أو جغرافياً مشتركاً، بل رفضاً مشتركاً لتقديم العالم كقصة مستقرة سرديا. هذه الأعمال لا تتخلى عن المعنى، بل تعيد صياغته. ينبثق المعنى من خلال الانقطاع والشك وعدم الاستقرار البنيوي.
وكما أشارت الناقدة لورين أويلر في مقال لها عام 2024 في صحيفة نيويورك تايمز، "لم نعد ننتظر من الرواية أن تشرح التجربة. بل يطلب منها بشكل متزايد أن تكشف عن حدودها". هذا الكشف الذي كان يعتبر عيبا في السابق، أصبح الآن جوهريا لفهم الرواية المعاصرة لمهمتها.
إذن، لم يعد الاضطراب السردي حالة تجريبية هامشية. وإنما استراتيجية واضحة ومتكررة عبر الأسواق واللغات والمنصات -مما يشير إلى أنه ليس أزمة في "حرفية الكتابة"، بل محاولة لإرساء قواعد جديدة لما يمكن أن تعد به رواية القصص.
وجاء أحد أوضح الردود النقدية من جيمس وود، المعروف منذ زمن طويل بدفاعه عن الرواية كشكل أدبي قائم على العمق النفسي والجدية السردية. في مقال له في مجلة نيويوركر، لاحظ وود أن الكثير من الأعمال الروائية الحديثة بدت وكأنها تستبدل السرد القصصي بـ"بروفة مستمرة للوعي"، مشيراً إلى أن الرواية باتت تشبه "المفكرة أكثر من كونها عملا مكتملا".
لم يكن قلقه نابعا من الحنين إلى الحبكة، بل من خشيته من أن الرواية تتخلى عن قدرتها على تحويل التجربة إلى معنى.
وقد دافع عن هذا الموقف صراحة كتاب يصنفون ضمن هذا النمط، أبرزهم بن ليرنر الروائي والشاعر الأمريكي، الذي لا تزال أعماله مرجعا أساسيا في النقاشات حول عدم اكتمال السرد، جادل بأن الحبكة الكلاسيكية تفرض تماسكا لا وجود له.
وفي مقابلة مع مجلة ذا باريس ريفيو، وصف ليرنر الأعراف السردية بأنها "أشكال من العزاء" مضيفا أن مقاومته لها تنبع من عدم الثقة. وقال: "أنا مرتاب من الطريقة التي تعد بها الروايات بالحل، لأن التجربة المعاشة غالبا ما ترفضه".
في مراجعة لعدد من الأعمال الهجينة المنشورة بين عامي 2023 و2025، لاحظ نقاد في صحيفة ذا غارديان شعورا متكررا بعدم الارتياح لدى القراء الذين شعروا بأن النصوص "تحجب" عنهم الإشباع.
يرى بعض النقاد أن هذا الحجب هو جوهر العمل. فقد أكدت ماغي نيلسون، التي يتجاوز عملها عمدا حدود المقالة والمذكرات والنثر، بأن الوضوح والختام قد يستخدمان كنوع من الإكراه.
وفي مقابلة مع صحيفة ذا غارديان، أشارت إلى أن إجبار التجربة على التقيد بخطوط محددة قد يؤدي إلى تزييفها. وقالت: "هناك بعد أخلاقي في تقبل حالة عدم الاكتمال".
وقد بات هذا التأطير الأخلاقي شائعا على نحوٍ متزايد. ففي كتابه "جوع الواقع"، قال الكاتب والناقد ديفيد شيلدز إن التجزئة ليست اتجاها أسلوبيا، بل حالة ثقافية. وكتب شيلدز: "إن الرغبة في السرد هي رغبة في ترويض الفوضى"، وقد اكتسب بيانه، رغم نشره منذ أكثر من عقد، أهمية متجددة مع استمرار الأدب المعاصر في مقاومة الترويض.
وقد تكيف الناشرون بدورهم مع هذا التوجه. فقد اكتسبت دور النشر المستقلة، مثل دار فيتزكارالدو للنشر، سمعة بفضل تبنيها للأعمال الأدبية القصيرة والمجزأة ذات الأسلوب المقيد، والتي تتحدى التقاليد القائمة على الحبكة.
وبدلا من تسويق هذه الكتب على أنها تجارب جريئة، تقدم على أنها تمثيلات دقيقة للحياة الداخلية المعاصرة. ويشير نجاحها إلى أن القراء لا يكتفون بتقبل عدم الاكتمال، بل يسعون إليه بنشاط.
ومن منظور السوق، يعد هذا التحول عمليا وجماليا في آن واحد. فالنصوص القصيرة والهجينة تنتشر بسهولة أكبر عبر الحدود والمنصات واقتصادات الانتباه، ويتم مناقشتها واقتباس مقتطفات منها والتحاور حولها بدلا من استهلاكها ووضعها على الرفوف.
وفي صناعة يزداد فيها التركيز على الظهور بدلا من الاستمرارية، يثبت العمل غير المكتمل قدرته المذهلة على التكيف.
وقد وصف المنظّر الثقافي مارك فيشر الحياة المعاصرة ذات مرة بأنها تتسم بـ"عدم استقرار دائم"، وهي حالة يبدو فيها المستقبل مغلقا ويفقد فيها التقدم مصداقيته السردية.
ورغم أن فيشر كان يكتب في المقام الأول عن السياسة والثقافة، إلا أن رؤيته تلقى صدى قويا في الأدب المعاصر.
من هذا المنظور، لا يعد اضطراب السرد اليوم انهيارا جماليا، بل استجابة بنيوية. فالكتاب لا يتخلون عن فن السرد عن غير قصد، بل لأن وعود السرد القديمة، كالخاتمة والترابط والخلاص، لم تعد تتوافق مع كيفية إدراكنا للواقع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة