آخر الأخبار

هل مات الخيال: كيف تحولت الرواية إلى سيرة ذاتية؟

شارك

تحولت الرواية في السنوات الأخيرة من بناء تخييلي تعرف قيمته من خلال جمالياته ومهارات الكاتب في السرد إلى ملف قابل للفحص والسؤال عما كشفته من وقائع، وما فضحته من أسرار، وعن أولئك المقصودين على الأرض ممن أشار إليهم الكاتب على الورق.

ومنذ بدأت ظاهرة الكتابة عن "الواقع" بدلاً من "صناعة الخيال"، تحولت دور النشر -بدورها- إلى تسويق تلك الروايات باعتبارها "قصصًا حقيقية تقريبًا"، لتفتح الباب على مصراعيه لمواجهة بين الأدب والخصوصية، وبين الخيال وادعاء الحقيقة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مجدد الشعر بدر شاكر السياب.. مائة عام من العزلة والتهميش
* list 2 of 2 رواية "أيتها القُبّرة".. كيف يواجه المهاجر العربي الشيخوخة والموت؟ end of list

لا يتعلق الأمر بتحول أغلب الروايات إلى سير ذاتية ولعبها دورًا يشبه ذلك الذي كانت تلعبه "الصحافة الصفراء" في فضح الآخرين حتى لو كانوا من ذوي القربى، وإنما يتعلق بالضرورة بذلك الجفاف الذي حل بأرض الخيال، فبدت صحراء لا مكان فيها إلا للوقائع التي تبدو لبعض الكتّاب أغرب من الخيال، فيكتبونها.

بين الحالتين العربية والغربية

تحمل الظاهرة حساسية خاصة في السياق المجتمعي العربي، الذي قد يرى التخييل الذاتي مجرد حيلة للهروب من التبعات، خاصة أن الكتابة بضمير المتكلم تقرأ كتجربة شخصية يحاسب عليها الكاتب اجتماعيا حسابا عسيرا.

وقد أثارت رواية "بنات الرياض" للكاتبة السعودية رجاء الصانع عام 2005، جدلا اجتماعيًا واسعًا حول "كشف المستور". ودار جزء كبير من هذا الجدل حول إمكانية كشف النماذج التي أوردتها في الرواية على أرض الواقع. وتساءلت الصحافة -حينها- عن الفضح باسم الأدب، واتهمت العمل بأنه "مهيأ للضجيج".

ونجحت "بنات الرياض" في فتح الباب لنقاش غير مسبوق عن حدود السرد الاجتماعي والخصوصية في مجتمع محافظ. ولعل ما أدى إلى انتشار الرواية بالتحديد هو الاشتباه بواقعية النماذج، ودخولها إلى حيز "المجتمعي" لا الأدبي، وهو ما يعيد السؤال: هل تقيم الرواية بمدى صدقها أم فنيتها؟

مصدر الصورة غلاف رواية بنات الرياض لرجاء الصانع (الجزيرة)

ومثلت سيرة الروائي محمد شكري "الخبز الحافي" نموذجًا مبكرًا لصدمة الواقع المكتوب، لكن الجدل في تلك الحالة لم يكن تشهيرًا بأفراد محددين بقدر ما كان صدامًا مع الأخلاق العامة وحدود ما يمكن قوله عن الذات والجسد والفقر. هنا بدا الواقع أشد قسوة من أي خيال، ما يطرح سؤال "خيالية الواقع" قبل أن يصبح مصطلحًا دارجًا.

إعلان

"وقد أثارت المؤرخة والكاتبة الفرنسية سيسيل ديبري عاصفة من النقد وصلت إلى المحاكم، وبدلاً من حكم الناقد الأدبي تنتظر الكاتبة حكماً من قاضٍ، وذلك على خلفية روايتها "المروّجة" (La Propagandiste) الصادرة عام 2023، والتي أحيلت إلى المحكمة مع مؤلفتها وبعض أقاربها في يناير/كانون الثاني الجاري.

قام أولئك الأقارب وهم الشقيق وابن العم برفع دعوى تشهير على المؤرخة المعروفة، معتبرين أن ما كتب في الرواية سوف يؤدي إلى التعرف على أفراد العائلة بسهولة. تكمن الأزمة في الوقائع التي نسبت إلى "أفراد العائلة المقصودين"، إذ تربطهم باتهامات حساسة تتصل بالتعاون مع النازيين.

وطالبت الأسرة بسحب الكتاب، بينما دافعت الكاتبة عن عملها لكونه رواية، مع إقرارها بأن النص يستلهم ذاكرة الطفولة.

ولم تكن واقعة "المروّج" هي الأولى، فقد سبقتها وتلتها حالات أكدت الانطباع أن "التخييل الذاتي" قام بضغط المسافة بين النص والحياة إلى حد التلاشي.

مصدر الصورة الأديب المغربي الراحل محمد شكري (مواقع التواصل الاجتماعي)

مثلت سلسلة "كفاحي" (My Struggle) للكاتب النرويجي كارل أوفه كناوسغارد نقطة تحول عالمية. فقد كشفت الصحافة عن اعتزام بعض أفراد عائلته رفع دعاوى قانونية ضده بعد أن صدر الجزء الأول، وهو ما أدى إلى تغيير بعض الأسماء في الأجزاء التالية.

واعترف الكاتب النرويجي في حوارات صحفية أنه كان يتوقع ذلك الغضب حين قرر كتابة حياته وحياة الآخرين بصدق. لم تكن القضية هنا "فضيحة" بقدر ما كانت سؤالاً يحمل قدراً من الدهشة والاستنكار: هل ينبغي أن تكافأ رواية لأنها اعتراف؟ وهل أصبح مقياس جمال الرواية هو صدقها مع الواقع؟

وكانت الكاتبة الفرنسية كريستين أنغو قد واجهت عام 2013 حكمًا قضائيًا في قضية انتهاك الخصوصية على خلفية روايتها "الصغار" (Les Petits). وقد استندت الدعوى التي رفعت ضدها إلى وقائع محددة من حياة أسرة أصبح من السهل التعرف عليها، وعلى تفاصيل حساسة من حياة أفرادها.

ورأت المحكمة أن ضررًا فعليًا وقع على المدعين. تحولت قضية أنغو إلى مجال نقاش طويل عن التخييل الذاتي في فرنسا، لأنها نقلت الخلاف من النقد إلى القضاء، ووضعت حجر الأساس لمعيار "الضرر القابل للإثبات" حين يضيق الخيال".

هل مات الخيال؟

تحول مصطلح "التخييل الذاتي" (Autofiction)، الذي صاغه الكاتب والمنظر النقدي الفرنسي سيرج دوبروفسكي عام 1977 كاقتراح لتحرير السرد من ثنائية الصدق/الكذب إلى أداة تسويق قوية، لتصبح حياة الآخرين وعداً ترويجياً، ويتحول الاعتراف إلى قيمة يمكن تداولها.

يرى معترضون أن هيمنة السيرة تُقلّص أفق الرواية، وتحوّلها إلى شهادة فردية تُحصَّن أخلاقياً من النقد. تُكافأ النصوص لأنها "صادقة" و"مؤلمة"، لا لأنها مبتكرة بنيوياً. في المقابل، يردّ المدافعون بأن الخيال لم يمت بل أعاد تعريف نفسه داخل الواقع، وأن تفكيك الذاكرة وبناء "حقيقة مركّبة" هو شكل من أشكال التخييل.

غير أن السؤال الأعمق لا يتعلّق بشرعية الكتابة عن الذات، بل بتحوّلها إلى الشكل المهيمن، وإزاحة الرواية المتخيلة الخالصة إلى الهامش.

إعلان

حين يضيق هامش الخيال، يظهر القانون. في فرنسا، رسخت قضايا رواية "الصغار" ومعركة رواية "المروّجة" معيار "الضرر القابل للإثبات" حين يمكن التعرّف إلى أشخاص حقيقيين. حماية حرية التعبير ليست مطلقة؛ تتوقف عندما يثبت الأذى.

أما في العالم العربي، قد لا تصل النزاعات إلى المحاكم، لكنها تتحول إلى أذى اجتماعي، ووصم، وحملات ضغط، ما يجعل السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً: هل يكفي تغيير الاسم؟ وهل تُسقط نية الفن مسؤولية الكاتب؟

في زمن التسريبات والفضائح، يبدو الواقع نفسه أكثر تشويقاً من أي حبكة. هنا تكمن مفارقة عصرنا: حين تصبح الحقيقة أكثر إثارة من الخيال، يُغرى الأدب بالالتحاق بها بدل منافستها. لكن الرواية، إذا استسلمت، تخاطر بفقدان وظيفتها الأعمق: خلق مسافة تسمح بفهم العالم لا بتكراره.

لا تتحول الرواية إلى محكمة اعتراف بقرار من الكتّاب وحدهم، بل بقرار من سوق القراءة ووسائط التلقي التي تبحث عن "من المقصود؟" قبل أن تسأل "كيف كُتب؟". ولن يحسم مستقبل الرواية بالاعتراف ولا برفضه، بل باستعادة توازن دقيق يبقى الواقع من خلاله مادة ممكنة، ويظل الخيال قادراً على قول حقيقة لا تحتاج أن تكون قد حدثت كي تكون صادقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار