آخر الأخبار

مجدد الشعر بدر شاكر السياب.. مائة عام من العزلة والتهميش

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يعيش العالم العربي اليوم على إيقاع ذكرى مئوية ميلاد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1926 ـ 1964)، أحد أبرز الأصوات الشعرية تفردا وقيمة داخل المنجز الشعري الحديث.

ذلك أن أثر السياب بدا بارزا منذ منتصف القرن العشرين على تضاريس القصيدة العربية الحديثة، بحكم الملامح الجمالية التي طبعت مسار قصيدته، وجعلته من الشعراء المجددين للشعر العربي الحديث.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 رواية "أيتها القُبّرة".. كيف يواجه المهاجر العربي الشيخوخة والموت؟
* list 2 of 2 عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة كائن مستقل يندهش منه صانعه end of list

لقد استطاع صاحب "أنشودة المطر" أنْ يُخرج القصيدة العربية من شرنقة التقليد الذي سيطر عليها خلال منتصف القرن العشرين، فكانت قصائد كل من بدر شاكر السياب ونازك الملائكة بمثابة فتحٍ جديد داخل الثقافة العربية، بحكم ما رافق البلاد العربية من نكباتٍ سياسية وتصدّعات اجتماعية، كان لها أثرا بالغا على وجدان عدد من الشعراء الذين جعلوا من القصيدة تصبح مرآة حقيقية للواقع ونتوءاته.

لذلك شكلت قصيدة السياب أفقا شعريا مغايرا داخل بنية شعرية عربية بدأت تهجس بالتجديد وتبحث لها عن منافذ ضوءٍ جديدة تحتمي بها من فرط التقليد.

وإذا كان صاحب "أزهار ذابلة" يمثل حالة شعرية نادرة على مستوى تجديد المعجم الشعري ونضارة موضوعاته، فإن ذلك يعود إلى جانب موهبته الذكية إلى الدور الذي لعبه الخطاب النقدي في تكريس اسم العراقي بدر شاكر السياب واحدا من صنّاع القصيدة العربية، وعمودا من أعمدتها، بل ومرجعاً شعرياً لا ينضب.

ويعد السياب في طليعة الشعراء الذي حظوا بكتابات نقدية هامة ساهمت إلى حد كبير في ملامسة كتاباتهم الشعرية ورصد مواضيعها وصورها وجمالياتها.

فهذا النقد لعب دوره في تسليط الضوء، ليس على أعماله الشعريّة فقط وإنما أيضاً التأثير على سيرته الذاتية التي أصبحت أكثر السير الشعرية العربية شهرة وذيوعاً، خاصة فيما يتعلّق بمرحلة المرض الذي أصاب السياب واستبدّ بجسده، وجعله يدخل المستشفى منذ اللحظة التي بدأت فيها صحته تتدهور سنة 1961.

مصدر الصورة بدر شاكر السياب مع ابنه غيلان (مواقع التواصل الاجتماعي)

تجربة شعرية متفرّدة

تميّز السياب عن نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي في كونه بلور نسقا شعريا مختلفا، بل نكاد نقول إن صاحب "المعبد الغريق" يشكل ظاهرة شعرية لوحده، بحكم المنزع التجديدي الذي رافق ميلاد قصيدته.

إعلان

ورغم ميولاته السياسية اليسارية التي جعلته حاضرا في وجدان الواقع السياسي العربي، فإن تخلّصه منذ البداية عن الطابع الإيديولوجي الذي وسم كوكبة من التجارب الشعرية، جعل القارئ العربي يجد نفسه أمام قصيدة متفرّدة، حاولت منذ الخمسينيات أنْ تبحث لها عن شكل جديد ثائر على كل النظم الأدبيّة والأنساق الشعرية التقليدية التي قوقعت القصيدة داخل نظام الشطرين، وجعلت من البناء الشعري تقليديا ويحاكي في عمقه بطريقة رتيبة خصائص الشعرية العربيّة القديمة.

والحقيقة أن تمكّن السياب من اللغة الإنجليزية في ذلك الوقت المبكّر، جعله يتميز عن باقي الشعراء في استيعاب التحولات الأدبيّة التي ألمّت بالثقافة الغربية، إذْ تابع صاحب "حفار القبور" الطريقة التي بها تُكتب القصيدة الغربية والأسس المعرفية التي تؤسس مسارها الشعري، فحاول عبر من كان يقرأه من أعمال غربية أن يحقق عبرها طباقا بصريا قويا، مستعملا الرمز والأسطورة في التعبير عن الواقع السياسي والاجتماعي.

حدس السياب أنّ الحداثة لا يمكن أن تتحقق في الكتابة العربية بدون تحقيق ثورة أولية على مستوى "الشكل"، ذلك أن تاريخ الطفرات العلمية والأدبية والفنية ترتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم الشكل الذي منه تتبلور المفاهيم والرؤى والأحلام، وتنسج لها علاقة خاصة مع بنية القصيدة ومضمونها.

هكذا تحررت قصيدة السياب من أنماط قيود الشعر العمودي التقليدي من خلال تكسير أحادية الإيقاع، عاملاً على خلق إيقاعات داخلية خفية، لا يتحكم فيها الوزن أو القافية وإنما شعرية اللغة وغرابة معجمها الأدبي الذي ينهل من اللغة العامية ومحكيات الطفولة والرمز والأسطورة والمكان الأول.

إنّ هذه الثورة "الشكلية" يمكن اعتبارها بمثابة لبنة أولى وأساسية لفهم قيمة السياب وأثره فيما سمي بـ "الشعر الحر"، فهو لم يكن شاعرا ينظم القصائد فقط، وإنما "مفكّراً" في واقع المختبر الشعري العربي التقليدي الذي وجد الشاعر نفسه من خلاله لا يستطيع مواصلة سيرورة كتابة القصيدة العربيّة الكلاسيكية، إلاّ بتحقيق ثورة معرفية على الطريقة التي تُكتب بها.

مصدر الصورة ديوان بدر شاكر (الجزيرة)

السياب.. منسي الثقافة العربية

رغم الطابع المركزي الذي تنزّلته قصيدة السياب في تاريخ القصيدة العربية والدور المحوري الذي لعبته في تحديث المعجم الشعري الحديث، إلا أن ذكرى ميلاده الـ 100 مرت بشكل عابر، ولم تترك خلفها أي نقاش ثقافي يُذكر حول أصالة التراث الشعري عند بدر شاكر السياب وقيمته وجمالياته، في وقت تطالعنا فيه مؤسسات ثقافية داخل فرنسا وأميركا وإنجلترا، وهي تحتفي بمئوية كتابها وأدباءها داخل معاهد وجامعات.

لذلك، فإن غياب ثقافة الاعتراف بما قدمه السياب للثقافة العربية الحديثة، لا يؤكد سوى الهشاشة التي باتت تطبع الممارسة الشعرية بالعالم العربي من لدن مؤسسات وجامعات ومعاهد ومهرجانات، وأيضا عن طبيعة المَخاض الأليم الذي يعيشه إرث الشاعر بعد مرور 100 سنة على ميلاد.

فقد استغرب العديد من الباحثين والنقاد العرب كيف تمُرّ ذكرى شاعر بهذا الحجم، دون أنْ تحدس المؤسسات الرسمية بقيمة هذه اللحظات التاريخية وما تمثّله من دلالات رمزية عميقة لم تعُد حكرا على السياب، وإنما على الهوية الشعرية العربية التي عرفت مع الراحل قفزة نوعية في مسارها الفكري.

إعلان

في سنة 2023، تداول عدد من المهتمين بالثقافة العربية على وسائل التواصل الاجتماعي صورة تأكد فيما بعد من لدن مجموعة من النقاد والشعراء أنّها أصلية لجواز سفر بدر شاكر السياب، بعدما عُرضت للبيع بـ 6 آلاف دولار.

لكن على الرغم من أهمية صورة الجواز (آخر جواز سفر استعمله الشاعر قبل موته) بالنسبة للمؤرّخ الأدبي وقيمتها الرمزية، باعتبارها إرثا ثقافيا يمكن الاعتناء به داخل مؤسسات ومتاحف خاصة بعيون الأدب العربي، لم تتحرك الجهات المسؤولة عن الثقافة في العراق، معتبرة أن الحدث يدخل ضمن "العادي" و"المألوف".

فهي لم تستوعب قيمة ما تمثله صورة حقيقية لجواز سفر شاعر في حجم بدر شاكر السياب ولا للأبعاد الرمزية التي تنطوي عليها الصورة، باعتبارها وثيقة بصرية ـ تاريخية، تقدم للمؤرخ إمكانات كبيرة على مستوى التوثيق، وتجعله يتعرف علميا عن الأمكنة التي زارها السياب خلال الهزيع الأخير من حتفه.

بيد أنّ هذه الصورة بقدر ما أثارته من جدل ثقافي واسع بين الباحثين والشعراء والنقاد، فإنها تطرح علينا اليوم، جملة من الأسئلة الحرجة حول مستقبل إرث السياب ووثائقه ومقتنياته التي سُرقت خلال الحروب والويلات التي شهدها العراق والسبب الذي يجعل الجهات الرسمية تظل بمنأى عن الاهتمام بإرثه الثقافي، سواء في شقّه الشعري المرتبط بالدواوين والترجمات أو بمختلف الجوانب المادية ذات الصلة به من رسائل ومقتنيات وصور وكتب وأغراض مكتبية، يمكن أن توظف فنيا لإعادة إحياء سيرة الشاعر وجعله يعيش حياة ثانية في قلوب الأجيال الجديدة.

مصدر الصورة كتاب بدر شاكر السياب "كنت شيوعيا" (الجزيرة)

السياب مترجِما ومترجَما

في الوقت الذي حظي فيه كوكبة من الأدباء العرب أمثال عبد الوهاب البياتي وجبران خليل جبران وأدونيس وأنسي الحاج ومحمود درويش بترجمات كثيرة إلى لغات عالمية، ظل شعر السياب بمنأى عن الاهتمام به من لدن المترجمين العرب، مع العلم أن لغة السياب بسيطة في إيقاعها وتلقائية في طريقة نظمها وتشكلها، إلا أن مجمل دواوينه لم تترجم إلى لغات كونية، رغم أهميته في سيرورة القصيدة العربية الحديثة وقدرته على خلق شعرية مختلفة تروم الحفر في الواقع وتقلّب مَواجع الجسد وتستنطق جرح المكان الأول وترجّ معها مختلف السلالات الشعرية التقليدية.

والحق أن هذا التهميش على مستوى الترجمة، قد يكون أحد عوامل نسيان الشاعر، بما جعله غريبا داخل الثقافة الغربية، إذ رغم وجود مقالات ودراسات متناثرة حول شعره هنا وهناك، إلا أنها كانت دائما تبحث عن الإيديولوجي في سيرة الشاعر ولا تتعامل معه من منطق الشاعر المجدد للقصيدة العربية الحديث.

يخفى على الكثير من الدارسين لشعر السياب، أنه قام بترجمة مجموعة من القصائد العالمية إلى العربية بطلب من مؤسسات غربية، ليس من باب الانخراط في جوهر الحداثة الشعرية الحديثة عبر الاستماع إلى صوت "الآخر"، ولكنها تنطلق بشكل أساس من أسباب مادية جعلته يترجم مجموعة من النصوص ويكتب عدة مقالات ينشرها هنا وهناك من أجل معيشه اليومي.

يستغرب المرء كيف يمكن الحديث عن حداثة الشعرية العربيّة بمعزل عن قيمة التراث الغربي، فهذا الأخير، ينبغي الاعتراف بأنّه صنع بهجة الحداثة العربيّة، ليس في الشعر فقط وإنما في مجالات مختلفة من فن التعبير.

إن "الآخر" بكل ما يحمله من أبعادٍ رمزية وحضارية يعتبر علامة بارزة في تاريخ الثقافة العربية، إذْ نعثر على أثر كبير للثقافة الغربية داخل مسلسل التحديث الشعري، إذْ يصعب حقيقة نسف تجارب من قبيل إليوت ولوركا ونيرودا وتأثيرهما على مسار الشعر الحديث ولا حتى أسماء أخرى مثل مالارمي وبرنار نويل وإيف بونفوا على تضاريس الشعر العربي المعاصر.

فالآخر كان حاضراً في تشكل الحداثة الشعرية العربية وما يزال إلى حدود اليم مؤثرا لكن بنفس قليل بالمقارنة مع القرن العشرين.

إعلان

عربيا، يعيش السياب عزلة مزدوجة، بين أنْ يكون مُترجماً ومُترجَماً، لكنه بين المنزلتين يظل منسيا رغم تراثه الشعري المختلف شكلاً ومضموناً، إذْ لم يعُد السياب داخل يوميات الثقافة العربية المعاصرة، إلا مجرد تجربة شعرية تُقرأ في خضم تاريخ السلالات الشعرية العربية، بل إن صورته ظلت حكرا على الطلبة والأساتذة والجامعيين المتخصصين في الأدب العربي.

فخارج مدارات هذه الصورة النمطية، لا نعثر على السياب في الحياة الثقافية العربية العامة داخل المقاهي والمهرجانات وأفلام السينما والمتاحف الفنية المُطالبة بإعادة إنتاج سيرة السياب وشعره داخل أفلام ومسرحيات وترميم ذاكرته الأدبيّة داخل متاحف فنية من شأنها تضمن استمرارية الشاعر ومكانته الكبيرة داخل حياة الثقافة العربية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار