آخر الأخبار

25 عاما ويكيبيديا: هل تصمد"موسوعة الشعب" أمام اختبار الزمن؟

شارك
ويكيبيديا في مواجهة الذكاء الاصطناعي. أرشيف.صورة من: Hanno Bode/IMAGO

تماما كما يُقسم تاريخ البشرية في أغلب الأحيان إلى مرحلتي ما قبل الميلاد وما بعده، فإنه ليس من المستبعد أن نتخيل قصة الإنترنت منقسمة بين حقبتي ما قبل ويكيبيديا وما بعدها، إذ يرمز الحرف "W" إلى ويكيبيديا.

ففي الـ 15 من يناير/كانون الثاني 2001 رأت ويكيبيديا النور، حيث كانت ثمرة فكرة لرجلين: أحدهما جيمي ويلز رائد أعمال في مجال الإنترنت وصاحب الميول التحررية. والآخر لاري سانغر الفيلسوف، الذي أصبح أول رئيس تحرير للمشروع.

ورغم أن شراكة هذا الثنائي لم تتعد العام، إلا أن التباين في رؤيتهما مازال يُشكل المشروع حتى اليوم.

ومنذ البداية، تخيل ويلز ويكيبيديا كمشروع منفتح جذريا. أي أنه مكان يُمكن فيه "لكل شخص على هذا الكوكب" أن يُساهم ويحصل مجانا على "خلاصة مجموع المعرفة البشرية".

فيما كان سانعر مُتشككا في قدرة هذا الانفتاح على ضمان الحياد. وقد طبع هذا الاختلاف في الرؤية بين الثنائي مسار ويكيبيديا بأكمله.

من الكتب إلى النقرات

وسابقا، كان الوصول إلى المعرفة يعني ارتياد المكتبات وتصفح الكتب والمراجع، حيث كان الخبراء والمؤسسات هم حراس "المعرفة الرسمية"، بيد أن ويكيبيديا قلبت هذه الصورة رأسا على عقب.

وكانت البداية بإنشاء منصة ضخمة تُحرر بشكل تعاوني، إذ يُمكن لأي شخص مُتصل بالإنترنت كتابة مقال ما أو مراجعته. وهذا ما يعني، انتقال السلطة المعرفية من الخبراء المركزيين إلى نموذج لا مركزي يقوده المجتمع، مع الاستمرار في الاستناد على مصادر أنتجها خبراء.

وبعد عام واحد فقط من إطلاقها، ضمت ويكيبيديا في نسختها الإنجليزية نحو 25 ألف مقالة. وبحلول عام 2026 تجاوز العدد مليون. أما حاليا، فإن عدد مقالات ويكيبيديا يزيد على سبعة ملايين.

محررون متطوعون

واعتبارا من يناير/كانون الثاني 2026، ضمت ويكيبيديا أكثر من 300 نسخة لغوية نشطة، حيث يُساهم فيها آلاف المحررين المتطوعين.

ولا أحد "يمتلك" مقالا بعينه، إذ يجب أن تلتزم جميع المساهمات بالمبادئ الأساسية وهي: الحياد وقابلية التحقق (من المعلومة) والاعتماد على مصادر موثوقة. ويُناقش المحررون التعديلات في "صفحات النقاش"، ويتم التوصل إلى اتفاق. أما في الحالات الشائكة جدا، فإنه يتم إحالة القضايا الخلافية إلى لجنة تحكيم يُديرها المجتمع.

ويعكس هذا النموذج إيمان وفكرة جيمي ويلز بأن مشروعا عالميا للمعرفة يُمكن بناؤه بشكل جماعي. وقال ويلز في تصريحات خص بها العام الماضي صحيفة "الغارديان" البريطانية إن :"ويكيبيديا ليست مكانا مُريحا للمتطرفين. إذا كنت ترغب في إطلاق العنان لغضبك والتحيز الشديد، فاكتب مدونتك الخاصة".

ويرى ويلز أن الحياد يأتي من ترسيخ الوقائع. وقال في هذا الشأن :"لا يجب أن يكون مقال عن هتلر هجوما لاذعا عليه. يكفي أن تكتب ما فعله، حيث يُعد هذا بحد ذاته إدانة دامغة".

أما سانغر، الذي صاغ إرشادات الحياد الأولى لويكيبيديا، فقد جادل طويلا بأن الانفتاح وحده غير قادر على منع التحيز، إذ يجب على كتاب المقالات أن يكونوا خبراء في مجالاتهم.

وقال سانغر في تصريحات خص بها "DW" إن "الحياد ممكن تماما"، حيث إن المعيار الذهبي هو أنه "لا يُمكنك معرفة رأي ما يُفكر فيه الكاتب بخصوص قضية خلافية ما". وأضاف:"لا أرى كيف يمكن لمشروع مثل ويكيبيديا أن يقترب من الحياد دون مشاركة خبراء ملتزمين هم أنفسهم بالحياد".

وأضاف أن أشخاصا "يُفكرون بطريقة معينة فقط" يُسمح لهم بتحرير ويكيبيديا، ووصف هؤلاء بأنهم :"عالميون، أكاديميون، علمانيون وتقدميون".

جزء من الحياة اليومية

تُقدر مؤسسة "ويكيميديا" أن نسبة النساء بين محرري ويكيبيديا تتراوح بين 10 و20%. ولا تزال فئات كاملة من النساء البارزات، أو أعمالهن، أو القضايا المتعلقة بهن غائبة، ما دفع إلى إطلاق مبادرة "نساء باللون الأحمر" عام 2015 من أجل سد هذه الفجوة بين الجنسين.

تُنشأ كل نسخة لغوية من ويكيبيديا بشكل منفصل، مع مجتمع محررين خاص بها. وهذا يعني أن مقالا متاحا باللغة الهندية قد لا يُكتب أبدا بالإنجليزية، والعكس صحيح. وتساعد أدوات مثل "ويكيدلتا" على إظهار هذه الفجوات من خلال تحديد الموضوعات الموجودة بلغة واحدة فقط.

وتكمن أهمية ذلك في أن ويكيبيديا باتت تُغذي العديد من الأدوات الرقمية التي يستخدمها الناس يوميا. وتُدرب النماذج اللغوية الكبيرة بشكل مُكثف على محتواها، كما تتدفق النصوص أو الترجمات المُولدة بالذكاء الاصطناعي إلى نسخ ويكيبيديا الأصغر.

وتُظهر النسخة الغرينلاندية مدى هشاشة هذه الحلقة: ففي عام 2025، وبعد أن غُمرت بنصوص رديئة مليئة بالأخطاء التي أنشأها الذكاء الاصطناعي ، والتي وصفها بعض المعلقين بـ"الدوامة الكارثية"، طلب محررها الوحيد إغلاق الموقع لأسباب بينها "خطر الإضرار باللغة الغرينلاندية".

استخدام واسع

وتجاوزت غرابة ويكيبيديا حدود الموقع نفسه. فوسم "بحاجة إلى مصدر" تحول إلى اختصار شائع للادعاءات المشكوك فيها . زيادة على ذلك، حولت ألعاب إلكترونية على غرار "ويكيريسنغ" الموسوعة إلى منافسة.

و يبدأ اللاعبون من مقال ما ويتسابقون، مستخدمين الروابط فقط، للوصول إلى صفحة "هدف" لا علاقة لها بالموضوع بأقل عدد من النقرات وفي أسرع وقت ممكن.

وإلى جانب كونها المرجع الأساسي للبحث منذ زمن طويل، فهي تتخلل الروتين اليومي - لحل الخلافات على مائدة العشاء، وتوجيه التعليقات الرياضية، أو دفع القراء إلى البحث في صفحات الإنترنت في وقت متأخر من الليل.

ولعل مصممة الأزياء ديان فون فورستنبرغ قد عبّرت عن انتشارها الواسع عندما مازحت جيمي ويلز ذات مرة قائلة: "جميعنا نستخدم ويكيبيديا أكثر من أن نتبول".

"غروكيبيديا"..منافس جديد!

ورغم ما تحظى به ويكيبيديا من شعبية واسعة، فإنها ليست بمنأى عن المنافسة. ففي عام 2025 أطلقب شركة "xAI" التابعة للملياردير إيلون ماسك موسوعة "غروكيبيديا"، وهي موسوعة مُولدة بالذكاء الاصطناعي.

أما عند إطلاقها، فقد ظهرت "غروكيبيديا" بنحو 885 ألف مقالة. وتُقدم "غروكيبيديا" نفسها كـ"بديل صادق ومستقل". وتُنشأ بعض المقالات بالكامل بواسطة "غروك"، بينما يُقتبس بعضها الآخر من ويكيبيديا، أحيانا مع تعديلات طفيفة، وأحيانا بطريقة منسوخة بشكل شبه حرفي.

ويرى لاري سانغر أن هذا التحول بالغ الأهمية. وقال في حواره مع "DW" إنه "للمرة الأولى في التاريخ، يمكنك التحدث إلى نموذج لغوي كبير، فيقوم فورا بإجراء تعديل على مقال موسوعي. أنت لا تُقدّم التعديل إلى إنسان، بل إلى آلة تسيطر عليها شركة"، ما يعني الحصول على إجابات سريعة.

ويعتقد لاري سانغر أن "غروكيبيديا" قد تتفوق في نهاية المطاف على المشروع الذي ساهم هو نفسه في إنشائه. ويقول في هذا الصدد "هناك احتمال كبير جدا أن تصبح غروكيبيديا موسوعة أفضل من ويكيبيديا بعد فترة من الزمن".

من جهة أخرى، عبّر جيمي ويلز عن تشككه في قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على إنتاج محتوى موسوعي. وقال لوكالة رويترز في أواخر 2025: "ما إذا كانت ستكون منافسا مهما أو ذا معنى، فهذا أمر ما زال قيد الاختبار".

أعده للعربية: ر.م

DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار