آخر الأخبار

بين الفيلم والرواية: أعمال فنية كشفت حدود الخيانة الإبداعية

شارك

يقفز إلى سطور المقالات النقدية سؤال عبثي موحد فور عرض أي فيلم سينمائي مأخوذ عن رواية، وهو: إلى أي مدى التزم العمل السينمائي بالنص الأصلي؟ ويخفي السؤال "سوء فهم" بين نوعين من الفن، أحدهما قديم جدا، والآخر يطلق عليه أحدث الفنون، وهو الفن السابع.

تدخل الرواية، وهي صوت داخلي وزمن وجداني وذهني، إلى السينما التي تعتمد على الصورة والتجسيد واللون والضوء، فيحدث ما يشبه التصادم الذي ينتج عنه عمل يتفجر جمالا، أو حادث فني مؤسف.

لا يتوقف الجدل، في الكثير من الحالات، عند حدود النقد، بل يتحول إلى معركة إعلامية بين الروائي والمخرج، خاصة أن الكثيرين ينظرون إلى الفيلم السينمائي باعتباره ترجمة بصرية لأحداث القصة.

في المشهد الثقافي العربي، تبرأ نجيب محفوظ من الأفلام المأخوذة عن رواياته بتأكيده أنها مسؤولية المخرج، واستغاث صبري موسى بعد تحويل روايته "قاهر الزمن" إلى فيلم لم ير بينه وبين الرواية أي مشترك يذكر.

أما في الغرب، فقد اعترض الروائي البريطاني أنتوني برجس على ما قدمه ستانلي كوبريك في فيلم "البرتقالة الآلية" (A Clockwork Orange)، وغضب ستيفن كينغ من معالجة فيلم "السطوع" (The Shining)، وهي انفعالات كاشفة لصدام أعمق بين خيال الكاتب ورؤية المخرج.

ما السر في هذا الصراع المتجدد؟ وهل ينبغي على الفيلم أن يكون وفيا للنص المكتوب؟ وهل للسينما لغة خاصة، ووسائل تعبير تميزها عن الكتابة وتجعل من أسئلة الرواية حملا ثقيلا ينبغي التخفيف منه أو استبداله في قاعة العرض؟

تحويل وليس ترجمة

ورثت السينما سؤال الالتزام بالنص باعتباره حمل ثقيل يضع الرواية في تسلسل هرمي ثقافي فوق الفيلم، والنص المكتوب فوق الصورة، وهو -بشكل ما – دافع قوي للسينمائي ليحاول إثبات ذاته في مواجهة النص، لكن هذا لا يفسر اختلاف الفيلم عن الرواية.

يقول الناقد والمنظر السينمائي الفرنسي أندريه بازان إن "السينما ليست لغة يمكن ترجمتها حرفيا من الأدب، فقيمة الاقتباس لا تكمن في الوفاء الشكلي، بل في إعادة اكتشاف العمل عبر نظام جمالي مختلف".

إعلان

وفي كتابها "نظرية الاقتباس" (A Theory of Adaptation)، تقول ليندا هيتشيون إن "الاقتباس ليس استنساخا، بل فعل تفسير وإعادة خلق، حيث يعاد العمل الأصلي إلى الحياة ضمن شروط وسيط جديد وجمهور جديد".

وطبقا لبازان وهيتشيون، فإن الخيانة الإبداعية للرواية لا تبدو انحرافا عن الأصل، وإنما ضرورة تصنع أصالة الفيلم وملامحه الفنية، وتكشف عن اختلاف جذري في طريقة تفكير كل وسيط وإنتاجه للمعنى.

فالرواية ليست مجرد تسلسل أحداث قابل للنقل، وانما فضاء ينتج المعنى عبر التفكير، بينما السينما تجسد بالجسد والحركة واللون والصمت والموسيقى، إنها لغة الصورة وليست لغة الكلمة.

الخيانة الإبداعية كخيار فني

تعامل كثير من المخرجين صراحة مع فكرة الانحراف عن النص بوصفها شرطا للعمل السينمائي. وإذا كان ناقد "كراسات السينما " الفرنسي الراحل أندريه بازان قد حذر مبكرا من وهم الترجمة الحرفية، معتبرا أن السينما لا تنجح بإعادة إنتاج الأدب، بل بإعادة اكتشافه عبر نظام جمالي مختلف، فقد عبر ستانلي كوبريك عن هذا المنطق بعبارته الشهيرة "أفضل طريقة لاقتباس كتاب هي قراءته ثم نسيانه".

والتزم كيوبريك بكلماته حرفيا حين أخرج رواية "البرتقالية الآلية" لأنتوني برجس، حيث ألغى فكرة الخلاص الأخلاقي، ليعيد توجيه صياغة السؤال حول عنف السلطة. وجاء اعتراض برجس لاحقا على الفيلم، واتهامه لكيوبريك بتغيير معنى الرواية، لكنه لم يكن سوى تأكيد على استقلال الفيلم كفن.

للسينما قواعدها الخاصة، فالتأملات الفلسفية في رواية "ولا وطن للعجائز" لا مكان لها في الفيلم، حتى لو أدى ذلك إلى تخلي الأخوان كوين عن السؤال الأخلاقي، فسؤال: ما معنى الشر" ينتمي لفضاءات الرواية، وعلى السينما أن تستبدله بسؤال آخر هو "كيف نتراجع في عالم تتراجع فيه قيمة المعنى؟"، وهو ما يوضح أحد أهم ملامح السينما باعتبارها الفن الوحيد الذي لم ينشأ من رحم المقدس كالمسرح والشعر والكتابة بشكل عام، والذي تبدو الاختيارات من منظوره جماليات، فالجمال الكامل هو الكمال الأخلاقي.

السينما العربية: خيانة ضرورية هربا من الرقابة

تتخذ أزمات الاقتباس من الروايات منحى أكثر حدة في العالم العربي لأسباب تتعلق بالرقابة والسياق السياسي، ولعل المثال الأشهر في ذلك هو أديب نوبل نجيب محفوظ. لم يكتف مخرجون مثل كمال الشيخ وحسين كمال بنقل الحكاية، ولكنهم أعادوا صياغة بعدها الأخلاقي.

مصدر الصورة شكري سرحان أو سعيد مهرجان في فيلم "اللص والكلاب" (مواقع التواصل الاجتماعي)

في فيلم "اللص والكلاب" (1962)، يصبح عالم سعيد مهران الداخلي عبارة عن جسد مطارد في فضاء حضري معادٍ، ويتغير السؤال من خيانة الفرد لقيمه إلى خيانة مجتمع كامل لأبنائه.

يلعب الصمت والظل دور التأمل الفلسفي لمحفوظ في الرواية، ويتحول العمل إلى صرخة ألم وإدانة لمرحلة ما بعد ثورة يوليو/تموز 1952. ورغم قبول نجيب محفوظ لهذا "التغيير" في جوهر الرواية، إلا أنه أوضح بنضوج وفهم شامل للفارق بين السينما والرواية أن السينما تفسر الرواية ولا تنسخها.

أما فيلم "ثرثرة فوق النيل" (1971)، فيغلق أفق رواية محفوظ تماما حتى يكاد المشاهد نفسه يختنق في ذلك الفضاء السينمائي، الذي يتراجع فيه الحوار، وتنهار فيه الأخلاق بين أجساد ساكنة وقارب يترنح في نهر النيل.

إعلان

اعترف حسين كمال، مخرج العمل، أن السينما لا تستطيع الدفع باتهامات مباشرة، ولكنها توحي بما تود أن تقوله، وكأن الفشل الذي كتب عنه محفوظ تحول على يد حسين كمال إلى حالة يمكن أن تشاهد على الشاشة.

وفي فيلم "دعاء الكروان" (1959)، تعد جرأة المخرج هنري بركات مضربا للأمثال، إذ أعاد صياغة رسالة الرواية في الفيلم، وقام بتحويل المنطق الأخلاقي والتأمل إلى دراما عاطفية تصور القمع والرغبة ومعاناة المرأة. ينضح الفيلم بالعاطفة، مثل سائر أفلام بركات، ليؤكد رؤيته أن السينما فن الإحساس قبل الفكرة، وأن ما تشرحه الرواية، تجعله الصورة محسوسا.

لغة السينما شرط النجاح

تتجلى "الخيانة الإبداعية" في الغرب بأشكال أخرى، ففي فيلم "الغريب" (1967) (The Stranger)، يستبعد المخرج الإيطالي لوتشيانو فيسكونتي تجريد ألبير كامو الوجودي، ويؤطر البطل "مورسو" في سياق اجتماعي واستعماري، وحين يتبنى البطل سلوكا لامباليا نتيجة ظروف تاريخية، وليس توجها فلسفيا كما أكد كامو في روايته.

وفي فيلم "السطوع" (1980) (The Shining)، عارض الكاتب ستيفن كينغ معالجة ستانلي كوبريك لأنها غيرت الرعب النفسي إلى برود بصري، وهو اعتراض أصبح مثالا نموذجيا للصدام بين الكاتب والمخرج.

الاقتباس، هنا، ليس فعلًا ثانويا، يهدف إلى العثور على "حَدُّوتة" درامية والقبض على اسم كاتب شهير من أجل تسويق الفيلم، وإنما مواجهة فكرية يرفض خلالها المبدع السينمائي الالتزام بالأمانة، ويتجه إلى التركيز، معتبرا أن قراره الوعي بالخيانة ضرورة لنقل الرواية من فضاءات الأدب إلى فضاءات الصورة السينمائية.

وتكاد تكون "الخيانة الإبداعية" للرواية شرطا من شروط الجدية في التعامل مع النص الروائي الأدبي، فلولا اختيار المخرج داوود عبد السيد لشخصية "الشيخ حسني" من بين طيات رواية "مالك الحزين" للروائي الراحل إبراهيم أصلان، ما ظهر فيلم "الكيت كات" الذي تحول إلى واحد من كلاسيكيات السينما العربية، وهي إشارة إلى أن المخرج لا يتخلى عن المصدر أو العمل الروائي، وإنما يحاوره ويجادله ويخرج منه بأفضل ما فيه، وبالتالي فإن الأفلام التي تجرؤ على "خيانة النص" هي وحدها القادرة على البقاء.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار