في قضاء داقوق التابع لمحافظة كركوك شمالي العراق، لا يزال الجسر العثماني التاريخي قائما يؤدي وظيفته كما كان قبل أكثر من قرن، متحديا عوامل الزمن وتقلبات الطبيعة، ليغدو شاهدا حيا على متانة العمارة العثمانية ودورها في ربط الجغرافيا والإنسان عبر العصور.
يُعرف الجسر محليا باسم الجسر العثماني في داقوق، ويمتد فوق نهر داقوق، وكان عبر التاريخ أحد أهم المعابر الحيوية التي استخدمتها القوافل التجارية القادمة من شمال العراق والمتجهة نحو بغداد وجنوب البلاد.
ورغم مرور عشرات السنين وتعرض المنطقة مرارا لفيضانات وسيول جارفة، فإنه ما زال صامدا.
وخلال موجة الأمطار الغزيرة التي يشهدها العراق منذ 9 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وما رافقها من سيول ألحقت أضرارا بعدد من البنى التحتية والمباني في محافظة كركوك، برز الجسر العثماني كأحد المعالم القليلة التي لم تتأثر، ما أثار اهتمام السكان المحليين والباحثين في الشأن التراثي.
وأوضح مدير الآثار في محافظة كركوك، رائد عكلة أن الجسر العثماني يُعد من أبرز المعالم التاريخية في المحافظة، مشيرا إلى أن عمره يزيد على 142 عاما، ومع ذلك ما زال يُستخدم في حركة المرور اليومية.
وأضاف أن السيول الأخيرة كشفت مرة أخرى عن مدى متانة هذا الصرح التاريخي، مؤكدا أن الجسر لم يتعرض لأي أضرار تذكر "على عكس بعض المنشآت الحديثة التي انهارت أو تضررت بفعل الفيضانات".
وأشار عكلة إلى أن السلطات المحلية في كركوك باتت والحكومة المركزية أكثر وعيا بأهمية هذا المعلم، لافتا إلى وجود توجه لإيلائه عناية خاصة، ليس فقط من حيث الصيانة والحماية، بل أيضا من خلال إدراجه ضمن المسارات السياحية، نظرا لقيمته التاريخية والمعمارية.
من جانبه، يرى الباحث والكاتب العراقي من كركوك نجات كوثر أوغلو، أن جسر داقوق "يمثل نموذجا واضحا لعبقرية البناء العثماني في العراق"، واصفا إياه بأنه من مئات الشواهد العمرانية التي تركتها الدولة العثمانية في البلاد.
وأوضح كوثر أوغلو أن الجسر شُيّد في عهد والي بغداد العثماني مدحت باشا، وأن حجر أساسه وضع في أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر، قبل أن يُستكمل بناؤه في 1883.
ولفت إلى أن المواد المستخدمة في تشييده، ولا سيما الحجارة، خضعت لمعالجة خاصة، إذ كانت تُحرق لفترة معينة لزيادة صلابتها وقدرتها على مقاومة العوامل الطبيعية.
وأشار كوثر أوغلو إلى أن هذه التقنية التقليدية أسهمت في جعل الجسر أكثر متانة من كثير من الجسور الحديثة، مضيفا أن بقاءه حتى اليوم دليل عملي على جودة التخطيط والتنفيذ في العمارة العثمانية.
وأضاف أن الجسر شُيّد بإشراف مهندسين عثمانيين قدموا من إسطنبول، بمشاركة بنائين مهرة من أبناء كركوك، ما يعكس تمازج الخبرات المركزية والمحلية في تنفيذ المشروع.
وختم حديثه بالقول "اليوم، يقف الجسر العثماني في داقوق ليس فقط كوسيلة عبور، بل كوثيقة حجرية تختزل تاريخا من الحركة التجارية والتواصل الإنساني، وكنموذج حي يثبت أن العمارة ليست مجرد بناء، بل رؤية طويلة الأمد قادرة على تحدي الزمن والطبيعة معا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة