في حوار خاص لـ"الجزيرة نت"، يُثار السؤال الجوهري عن شرعية صوت المثقف مع الشاعرة والكاتبة الكويتية الدكتورة سعاد الصباح، التي تخوض غمار تجربتها الإبداعية والإنسانية منذ عقود، كمساءلة صريحة للانتماء والمسؤولية.
هنا، تجيب صاحبة المشروع الثقافي الشامل عن سؤال التمثيل الثقافي: كيف يولد التفويض الأخلاقي للشاعر؟ فترد، في كلمات تكثّف مسار حياتها: "لم يمنحني أحد التفويض.. منحني الألم والوعي والصدق".. إجابة تنسف التراتبية الاجتماعية وتعيد الشعر إلى منبعه الإنساني الأول.
يتتبع الحوار التحولات التي مرت بها سعاد الصباح (84 عاما)، من دائرة القبيلة والسلطة إلى فضاء المعاناة المشتركة مع معاصريها من الكويتيين والعرب، مرورا بمنعطفات شخصية وعامة: فقدان الزوج، تحولات المنطقة، ومآسٍ إنسانية كمأساة غزة الأخيرة.
كما يكشف الحوار عن رؤية الصباح لدور المثقّف في زمن الانهيار، وإصرارها على أن يكون الشعر "ضميرا يقظا" حتى عندما تغفو الأمة.
بين الشعر وتجربة تأسيس "دار سعاد الصباح" ومغامرة التشكيل الفني، يظل الهاجس الأعمق هو سؤال الكتابة كفعل مقاومة: مقاومة النسيان، مقاومة اليأس، ومقاومة انسداد الأفق.
لنبدأ الحوار:
منذ بداياتي أدركت أن الشعر لا يكتمل إلا حين يمس جرحا، أو يضيء عقلا، أو يربت على كتف من ساروا طويلا بلا دليل.
هؤلاء "الذين لا صوت لهم" هم كل الذين تستهلكهم آلة الحياة: المرأة حين تخفي دمعتها، المكسور الذي يبتلع غضبه، الطفل حين يسأل ولا يجد مَن يسمعه، وكل إنسان يشعر بأنه وحيد تحت سماء واسعة.
هل وصل صوتهم؟ لا أدعي ذلك، لكني أعرف أن كل قصيدة كتبتها كانت محاولة لإنصافهم، أو للوقوف في صفهم.
الشاعر ليس خطيبا سياسيا، لكنه ضمير يقظ، يذكّر البشر بأن الإنسانية ليست شعارات، بل ممارسة يومية للعدل والرأفة.. فدور الشاعر أن يبقي الوعي حيا، وأن يكون منارة حين تختلط الطرق، وأن يذكّر العالم بأن لكل إنسان حكاية تستحق الإنصات.
أنا ابنة الإنسان قبل أن أكون ابنة القبيلة أو العائلة.. ولا أحد يمنح الشاعر تفويضا، الألم يمنحه، والوعي يمنحه، والصدق يمنحه.. وُلِدت في بيئة لها تراتبيتها، نعم، لكني منذ طفولتي اكتشفت أن الألم لا يفرّق بين أمير وفقير، وبين ابن صحراء وابن مدينة.
كلنا نُجرح بالطريقة نفسها، ونخاف بالطريقة نفسها، ونحلم بالطريقة نفسها.
وأنا طفلة صغيرة، رأيت الفتيات اللواتي يقطعن مسافات الفقر على أقدامهن، ورأيت الأمهات اللواتي يعجنّ الصبر ثم يخبزنه على ضوء الأمل. هناك شعرت بأن الانتماء الحقيقي ليس للطبقة، بل للإنسان. لم يمنحني أحد التفويض.. لكنّ الحياة منحتني التجربة، والخسارة منحتني البصيرة، والكتابة منحتني الشجاعة.
القصيدة مرآة.. لكنها مرآة لا تكتفي بأن تعكس لك الصورة كما هي، بل تُعيد ترتيب الضوء حولها.
عندما يهتز العالم تتصدع القصيدة من الداخل، لأنها كائن حساس يعيش من نبض الأمة.
التحولات السياسية ليست مجرد أحداث، بل زلازل روحية تُعيد تشكيل وجدان الشاعر، وتجعله أكثر توترا في لغته، وأكثر اشتعالا في إيقاعه، وأكثر حرصا على أن يكون شاهدا لا تابعا.
تتبدل اللحظة السياسية، نعم، لكنّ جوهر الشعر يبقى ثابتا على أن يقول الحقيقة بطريقة تجعل القارئ يرى أكثر مما يسمع.. وهذا ما يجعلني أرى أن القصيدة أنثى.
الفقد علّمني ما لم تعلّمني إياه المكتبات.. علّمني أن الإنسان بتماسكه، وأن الحياة بخيلة، وأن الذكريات أحيانا أثقل من الجبال.
"في طائرة الموت" لم أكتب عن موت عابر.. كتبتُ عن لحظة انكسرت فيها روحي، وعن سؤال ما زال يتردد داخلي: لماذا يذهب بعض الأحبة بلا وداعٍ؟ الفقد جعل قصيدتي أكثر صدقا، وأكثر صفاء.. وكأن الألم غربال ينخل الكلمات، فلا يبقى إلا ما يستحق أن يُقال.
لكنّ الكلمات مهما كانت جميلة لا تستطيع إعادة الأحباب إلينا، هي فقط تواسينا.
كان عبدالله المبارك لي أكثر من زوج.. كان بوصلتي.. هو رجل آمن بي، وفتح لي أبواب المعرفة والثقة قبل أن يفتح لي أبواب قلبه. علّمني أن الحرية مسؤولية، وأن الفكر لا يزدهر إلا في ظل الكرامة، وأن الإنسان يُقاس بما يعطي، لا بما يملك. رفقته كانت مدرسة، وغيابه كان امتحانا.. وفي الحالتين تعلّمت أن الحب لا ينتهي، بل يتحول إلى قبس يقودنا من حيث لا نرى.
مهمة الكاتب أن يكون "ابن الشعب"، نتاج همومه وتطلعاته، مادة كتابته هم الناس، وأن لا تكون لغته حكرا على طبقة، ولا محصورة في دائرة ضيقة، بل تمتد لتلامس الإنسان أينما كان: في الريف، في الصحراء، في المدينة، في المنفى، وفي الحلم.
وهذا الوصف ليس وساما.. إنه مسؤولية. أن تكون "ابن الشعب" يعني أن تظل قريبا من الناس، وأن تكتب من داخل نبضهم، لا من خارجه.
لغة البدايات عادة تكون ابنة العاطفة، ثم تصبح ابنة الوعي، ثم تصير ابنة التأمل.. تتطور العلاقة باللغة كما يتطور الإنسان، من الانفعال إلى الرؤية، ومن الاندفاع إلى الحكمة، ومن صخب الشباب إلى وقار الكهولة. وأنا ابنة اللغة.. مولودة من صرفها ونحوها وبديعها وبيانها.. وخارج اللغة لا أجيد التنفس.
الجدل دليل حياة.. حين يتوقف الناس عن القراءة، يتوقف الجدل أيضا.
أقبل النقد لأنه يضيء، ويرشد، ويكشف مناطق لم أكن أراها.. التكرار له ما يبرره عند الكاتب، فالرمز ليس تكرارا إذا كان يحمل احتمالات متعددة من المعنى.
القصيدة ليست وثيقة تاريخية، هي كائن يعيش ويتحول مثلنا تماما. بعد الاجتياح كتبت القصيدة الرمادية.. والقصيدة السوداء.. والسيمفونية السوداء.. أحسست بأن لغتي مجروحة مثلي، وقصيدتي تتألم معي.. وأن الجرح الكبير يغيّر نبرة الصوت، تنكسر معه مفردات وتولد أخرى.
ليس تناقضا.. بل هو تعدد، فمشاعر المرأة إما تختلف عن مشاعرها زوجة، ومشاعرها حبيبة مغايرة لمشاعرها زميلة عمل.. وهذه مشاعر لا تتناقض بل تتكامل، فخضوع الشاعرة وهي عاشقة لا يعني خضوعها وهي عاملة ومفكرة ومشاركة في بناء مجتمع ووطن وفكرة.. هذا التكامل هو الذي تجده في شعري، والمرأة ليست قالبا ثابتا، هي كائن يتشكّل من تجربة ووعي وزمن، وحين أكتب عن المرأة، أكتب عن آلاف النساء اللاتي التقيتهن وسمعت آلامهن وتطلعاتهن. وتغيّر خطاب الشاعرة طبيعي، وفق التجربة والرؤية، واتساع الأفق.
الريشة كانت لعبة طفولتي الأولى.. كنت أرسم قبل أن أكتب، لكن الشعر خطفني لعقود طويلة، وحين عدت إلى الرسم شعرت بأنني أستعيد جزءا ضائعا مني. هل يهيمن الشعر؟ ربما.. لكنه لا يخنق اللون، بل يرافقه كطيف. الرسم أضاف لقصائدي فضاء بصريا، وجعل اللوحة وجها آخر للقصيدة.
تأسيس الدار كان حلما قديما أن يكون للثقافة العربية بيت يحتضن الأصوات الجديدة، ولا يغلق الباب في وجه الموهبة بسبب عدم نضجها أو فقرها أو قلة خبرتها.
أردتها منصة للفكرة التي تؤمن بالإنسان، لا السلعة التي تبحث عن السوق. هل حققت أهدافها؟ أقول بثقة: حققت بعضها، وما زال أمامها الكثير، الثقافة مشروع لا ينتهي.
أنا أم ذاقت الفقد، وشاعرة لا تستطيع أن ترى دما ولا تكتب. غزة ليست خبرا.. إنها جرح في الوعي العربي. أبكاني أطفالها، وأربكني صبر نسائها، وأوجعني صمت العالم.
انعكست غزة على قصائدي غضبا حينا، وبكاء حينا، ودعاء حينا.. لكنها قبل كل شيء جعلتني أدرك أن الشعر وإن كان لا يستطيع إيقاف الحرب، لكنه يستطيع أن يحفظ أصوات الضحايا من النسيان.
الأمة العربية اليوم تقف على حافة سؤال كبير: هل نُعيد ترتيب بيتنا أم نترك الزمن يفعل ذلك عنا؟
التحديات ليست سياسية فقط، هي تحديات تعليم، وتفكير، ووعي، لكنني مؤمنة بأن الأمم لا تموت.. بل تمرض، ثم تُشفى إذا امتلكت الإرادة. فرص النهوض تبدأ من الإنسان، من حريته، من كرامته، من وعيه. ودور المثقف اليوم ليس أن يصرخ، بل أن يضيء.. فالعتمة تهزم بالوعي المستنير لا بالضجيج.
أشعر بأنني أعود طفلة تجلس بين التلاميذ، وتقرأ نفسها لأول مرة.. أن يقرأك الطلاب الشباب مسؤولية عظيمة، لأن الكلمة التي تقع في يد شاب صغير قد تغيّر مستقبله كله.
لذلك أحب أن تبقى لغتي صادقة، نقية، وخالية من اليأس، لأن الطفل يستحق أن نهديه أملا صادقا.
أقول للقراء: اقرؤوا كي لا تُقادوا، فالأمم التي لا تقرأ تسير خلف مَن يصرخ أكثر، لا مَن يعرف أكثر.
أقول لجيل الأدباء: لا تخافوا من أصواتكم.. اكتبوا كما لو أن العالم صفحة بيضاء، وكما لو أن الحقيقة تنتظركم وحدكم. الشجاعة ليست في اللامسؤولية.. بل في صدق المواجهة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة