في قلب القارة العجوز، تدور رحى معركة من نوع جديد، ليست بالبارود بل بـ"الأكواد" والتشريعات، حيث لم تعد الدعوات الأوروبية لمنصات بديلة عن تلك الأمريكية مجرد "أمنيات تقنية"، بل تحولت إلى استراتيجية بقاء قومي تحت شعار "السيادة الرقمية".
فلسنوات طويلة، استسلمت أوروبا لحقيقة أن بيانات مواطنيها، وبنيتها التحتية السحابية، وحتى نقاشاتها السياسية، تدار من مكاتب في كاليفورنيا، لكن مع مطلع هذا العام، تغير المشهد، حيث أدركت بروكسل أن "التبعية الرقمية" لا تقل خطورة عن التبعية الطاقية أو العسكرية.
ولذلك تعمل أوروبا حاليا على تبني سياسة تسمى "أثر بروكسل" (Brussels Effect)، وهي فرض معايير قانونية صارمة تجبر الشركات العالمية على اتباعها إذا أرادت دخول السوق الأوروبية الضخمة، وهذه السياسات لا تستهدف التضييق فحسب، بل تهدف إلى تحقيق 3 أهداف استراتيجية:
هذا العام كان الفاصل، حيث دخلت القواعد الأكثر صرامة في قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز التنفيذ الكامل، وهو التشريع الأول من نوعه في العالم الذي يصنف التقنية بناء على مستوى المخاطر:
ويتجاوز السبب في إصرار أوروبا على توفير البدائل الاقتصاد ويصل مرحلة "الأمن القومي الرقمي"، ففي ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، تخشى أوروبا من لحظة يتم فيها "إطفاء" الخدمات الأمريكية عنها كأداة ضغط سياسي.
ولذلك عملت على توفير بدائل سحابية، كمشروع "غايا-إكس" (Gaia-X) الذي يهدف لخلق سحابة أوروبية موحدة تمنع ارتهان الشركات الأوروبية لخدمات أمازون ومايكروسوفت.
كما عملت على خلق بدائل سيادية تسعى من خلالها على تشجيع تطبيقات مثل "ثريما" (Threema) و"إيليمنت" (Element) للمراسلة، ومحركات بحث مثل "كوانت" (Qwant)، ليس لأنها أفضل تقنيا بالضرورة، بل لأنها أكثر أمانا سياسيا.
رغم القوانين، يظل أثر الشبكة هو العائق الأكبر، فالمستخدم العادي يذهب حيث يوجد أصدقاؤه. لذا، فإن استراتيجية أوروبا في 2026 لا تعتمد على إقناع الناس، بل على تغيير القواعد، فمن خلال إجبار المنصات الأمريكية على التوافق مع البدائل الأوروبية، لن يضطر المستخدم للهجرة، بل ستبدأ التطبيقات الأوروبية بالنمو داخل النظام نفسه حتى تصبح هي المعيار.
فأوروبا لم تعد تطلب مكانا على الطاولة الرقمية، بل بدأت بصناعة طاولتها الخاصة بقوانينها الخاصة، والذكاء الاصطناعي هو السلاح الذي تستخدمه لضمان ألا تكون مجرد مستهلك في القرن الحادي والعشرين.
وبناء على ذلك يتفق المراقبون على أن أوروبا نجحت في أن تكون الشرطي الرقمي للعالم، لكنهم في ذات الوقت يشككون في قدرتها على أن تصبح المصنع الرقمي.
وبذلك يبقى الرهان الآن هو، هل ستحفز هذه القوانين الشركات الأوروبية على النمو، أم أنها ستحول أوروبا إلى "متحف تنظيمي" بعيد عن سباق الذكاء الاصطناعي المحموم؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة