عندما يُذكر اسم تشيلسي في سوق الانتقالات تتبادر إلى الذهن سريعًا صورة النادي الذي لا يتردد في دفع عشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية للحصول على لاعب جديد، ثم منحه راتبًا ضخمًا وعقدًا طويل الأمد.
وعلى مدار السنوات الأخيرة، ترسخت هذه الصورة إلى درجة جعلت نجم الكرة المصرية الأسبق ومحلل قنوات "بي إن سبورتس" محمد أبو تريكة يطلق على الفريق ساخرًا وصف "فرقة المليار"، في إشارة إلى الأموال الطائلة التي أنفقها النادي في بناء تشكيلته، خصوصًا مع ارتفاع قيمة صفقاته وتعدد الأسماء التي انضمت إلى صفوفه.
لكن الوجه الآخر للقصة أقل حضورًا في النقاشات وربما أكثر أهمية من الناحية الاقتصادية؛ فتشيلسي لا يجيد الشراء فقط وإنما يمتلك كذلك واحدة من أكثر سياسات بيع اللاعبين نشاطًا وفاعلية، وخلف عشرات الصفقات التي أبرمها النادي خلال السنوات الأخيرة توجد قائمة أخرى من العمليات التي ساعدت في استعادة جزء كبير من الأموال التي أنفقها وتحويل اللاعبين الذين لم يعد يحتاج إليهم إلى مصدر دخل مستمر للنادي.
آخر ميركاتو قدم نموذجًا واضحًا لهذه السياسة، بعدما وصل عدد عمليات خروج اللاعبين من تشيلسي إلى 20 صفقة بين بيع نهائي، وإنهاء إعارة وإعارة، من بينها 10 عمليات بيع مباشر بقيمة وصلت إلى 445.3 مليون يورو وفقًا لموقع "ترانسفير ماركت" وهو رقم يعكس حجم الحركة الهائل داخل قائمة الفريق.
وبعيدًا عن الجدل حول جودة كل صفقة من الناحية الفنية، فإن القيمة الاقتصادية لهذه العمليات تكشف أن النادي لم يكن يتعامل مع قائمته باعتبارها مجموعة من اللاعبين فقط، وإنما كأصول يمكن إدارتها وإعادة تدوير قيمتها باستمرار.
هذا الرقم منح النادي فائضًا في ميزان سوق الانتقالات بلغ نحو 40 مليون يورو فيما يتعلق ببند قيمة الانتقالات الداخلة والخارجة فقط، وهذا بخلاف مقدار حسم الرواتب الذي يرفع الرقم الإجمالي لفائض ميزان تشيلسي إلى أكثر من 100 مليون يورو وهذه الأرقام تمنح صورة مختلفة تمامًا عن النادي الذي اشتهر فقط بإنفاق الأموال.
وتزداد أهمية هذه السياسة عندما نضعها في سياق الطريقة التي بنى بها تشيلسي قائمته خلال السنوات الماضية، فالنادي لم يعد يعتمد فقط على التعاقد مع لاعب جاهز، وإنما تعاقد أيضًا مع مجموعة كبيرة من اللاعبين الشباب بعقود طويلة، قبل أن يترك لهم مساحة للتطور، سواء داخل الفريق أو من خلال الإعارات وعندما يصل اللاعب إلى مستوى يسمح ببيعه، أو يتضح أنه خارج الحسابات المستقبلية، يتحول إلى فرصة لتحقيق عائد مالي بدلًا من أن يصبح عبئًا على النادي.
هذه المنظومة لم تبدأ مع الإدارة الحالية، بل تمتد جذورها إلى فترة كانت فيها مارينا غرانوفسكايا صاحبة نفوذ كبير داخل تشيلسي.
غرانوفسكايا، التي عُرفت بلقب "المرأة الحديدية"، تولت إدارة الملفات المتعلقة بالصفقات وتجديد عقود اللاعبين بصورة فعلية منذ 2013، قبل أن تصبح رسميًا المدير التنفيذي والمسؤولة الأولى عن القطاع الرياضي والتعاقدات، واستمرت في منصبها حتى رحيلها عام 2022 عقب انتقال ملكية النادي من رومان أبراموفيتش.
وخلال فترة وجودها، اكتسبت غرانوفسكايا سمعة قوية في إدارة المفاوضات، خصوصًا في عمليات بيع اللاعبين. وكان تشيلسي قادرًا على التفاوض من موقع قوي، سواء عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على لاعبيه أو بيعهم، وهو ما ظهر في صفقات كبيرة مثل انتقال إيدين هازارد إلى ريال مدريد، إلى جانب قدرتها على إدارة ملفات التعاقد مع لاعبين كبار مثل نغولو كانتي، فضلًا عن صفقات أخرى مهمة في عهدها.
ولم تكن قيمة غرانوفسكايا مرتبطة فقط بما يحدث داخل الملعب، وإنما امتدت إلى الجانب التجاري للنادي أيضًا، ومن أبرز الملفات التي ارتبطت بفترتها عقد الرعاية مع شركة نايكي، وهو اتفاق طويل الأمد (ينتهي في 2032) عزز الموارد التجارية للنادي بشكل كبير، ولذلك فإن الحديث عن تشيلسي كنادٍ قادر على الحفاظ على وضع مالي قوي لا يمكن فصله تمامًا عن مرحلة الإدارة التي سبقت التغيير الكبير في ملكية النادي عام 2022.
رحيل غرانوفسكايا لم ينهِ هذه الفلسفة وإن تغيرت طريقة إدارتها فبعد انتقال النادي إلى ملاك جدد، اتجه تشيلسي إلى بناء هيكل إداري رياضي أكثر تعددًا، ومع الوقت أصبح النادي يعمل من خلال مجموعة من المسؤولين عن ملفات كرة القدم والتعاقدات بدلًا من الاعتماد على شخصية واحدة تتحكم في كل التفاصيل.
وفي هذا السياق، أعلن تشيلسي في الأول من نوفمبر 2026 تعيين ديف فالوز، مسؤول التعاقدات السابق في ليفربول، مديرًا رياضيًا لتطوير كرة القدم حتى عام 2031 ليمتلك النادي في نفس الوقت خمسة مديرين رياضيين رئيسيين، يقودهم بول وينستانلي ولورانس ستيوارت، بما يعكس رغبة الإدارة في بناء منظومة واسعة لاتخاذ القرارات المتعلقة باللاعبين وتطوير الفريق.
قد تبدو هذه الصورة متناقضة مع الانتقادات التي توجه إلى تشيلسي بسبب حجم إنفاقه، لكنها في الحقيقة تكشف جانبًا آخر من استراتيجية النادي الذي ينفق أموالًا ضخمة على اللاعبين ولذلك يحتاج بالضرورة إلى نظام فعال لإدارة القائمة، لأن وجود عدد كبير من اللاعبين بعقود طويلة لا يمكن أن يكون مستدامًا إذا لم يكن هناك مسار واضح للتخلص من العناصر الزائدة وتحويلها إلى عائد مالي.
ولعل المثال الأوضح على ذلك أن تشيلسي استطاع في آخر سوق انتقالات الجمع بين الأمرين في الوقت نفسه: الاستثمار في القائمة، والتخلص من عدد كبير من اللاعبين، فقد ضم عناصر جديدة لدعم الفريق تحت قيادة تشابي ألونسو، وفي مقدمتهم أصحاب الخبرة مثل داني ويلبيك وجوردان هندرسون، إلى جانب مواهب أصغر سنًا، بينما واصل في الاتجاه الآخر بيع وإعارة عدد كبير من اللاعبين.
حتى صفقة إنزو فرنانديز، التي بلغت قيمتها 145 مليون يورو تعكس قدرة النادي على تحقيق عائد ضخم من أحد أبرز لاعبيه، رغم أن رحيله ترك فراغًا فنيًا واضحًا دفع الإدارة إلى محاولة تعويضه في السوق قبل أن تفشل صفقة لامين كامارا في اللحظات الأخيرة.
هنا تظهر المفارقة الأساسية في نموذج تشيلسي الذي لا يفشل في بيع اللاعبين وتسويقهم، لكن المعضلة الأساسية تكون فنية في عدم القدرة على تعويضهم وهذا هو الجانب الذي يجعل تقييم تجربة تشيلسي أكثر تعقيدًا من مجرد حساب الأموال التي دخلت أو خرجت.
ولهذا، فإن وصف تشيلسي بـ"فرقة المليار" يلتقط جانبًا واحدًا فقط من الحكاية، البلوز طوروا على مدار سنوات قدرة استثنائية على بيع اللاعبين وتحقيق عوائد ضخمة منهم، لكن أيضا تظل مشكلة عدم تعويض أبرز النجوم الراحلين سمة تعكر صفو النجاح الاقتصادي الهائل للفريق اللندني.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة