لم تعد القيمة السوقية للاعب تُقاس فقط بعدد الأهداف أو الألقاب، بل أصبحت تُحدد أيضًا بعدد المتابعين، ونسبة التفاعل، والصورة التي يصنعها اللاعب لنفسه عبر منصات التواصل الاجتماعي.
في هذا التقرير نحاول أن نرصد بعض النقاط حول كيف تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى لاعب خفي في سوق انتقالات اللاعبين وعقود الرعاية.
بإمكان اللاعب بناء علامة تجارية شخصية قوية، ومع كل منشور رقمي له تأثير اقتصادي حقيقي عبر التفاعل الكبير.
يعتبرالبرتغالي كريستيانو رونالدو من أكثر الرياضيين متابعة على منصة إنستغرام في العالم، مع وصوله إلى 670 مليون متابع حول العالم ما يجعله من أعلى الرياضيين قيمة لجذب الإعلانات والعقود.
بحسب تحليلات تسويقية صادرة عن موقع "بيزنس داي"الأمريكي نجح رونالوا في جني ملايين الدولارات من محتواه على السوشيال، حيث تبيّن أن المشاركات التي ينشرها لجلسات لعلامات رياضية مثل " نايكي" أو " اديداس" تمنحه ملايين ملايين الدولارات من الأثر الإعلاني، إذ يُقدَّر دخله بنحو 1.4 مليون دولار عن كل منشور إعلاني مدفوع.
وفقًا لبيانات موقع "أونلاين فري غايمز" تهيمن كرة القدم بشكل كامل على مشهد وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ينتمي سبعة من بين أعلى عشرة رياضيين تحقيقًا للدخل إلى هذه الرياضة، ويحتل لاعبو كرة القدم المراكز الأربعة الأولى على التوالي.
يتربع قائد النصر والحائز على جائزة الكرة الذهبية خمس مرات على القمة بانتشار لا مثيل له. وتعكس قاعدة متابعيه الضخمة على الإنترنت معدل التفاعل المتميز وسيطرته العالمية كأكثر رياضي وشخصية متابعة على الإنترنت.
يواصل الساحر الأرجنتيني والحائز على الكرة الذهبية ثماني مرات أسر الجماهير حول العالم. ويحتل ميسي المركز الثاني، حيث يوسع جمهوره الضخم صراع رونالدو-ميسي الأسطوري إلى عصر المنافسة الرقمية.
يحل نيمار النجم البرازيلي في المركز الثالث. وعلى الرغم من أن عدد متابعيه يُقدَّر بحوالي نصف متابعي ميسي، إلا أن معدل التفاعل القوي يساعده على تحقيق أرباح كبيرة.
يحتل مبابي المركز الرابع، مع دخل مميز مقارنة مع عدد المتابعين ما يعكس معدل تفاعل مرتفع وشراكات مميزة مع العلامات التجارية.
بات حضور اللاعب الرقمي وسمعته على منصات التواصل الاجتماعي عاملاً مؤثرًا في صفقات الانتقالات والتقييم المالي.أما لماذا باتت الصفقات تحسم خارج المستطيلات الخضراء؟
اللاعبين الذين يمتلكون ملايين المتابعين يُعتبرون أكثر جاذبية للاندية لأنها لا تشتري موهبة رياضية فقط، بل تشتري جمهورًا جاهزًا يمكن أن يزيد من عائدات القميص، التذاكر، والرعاية.
جنى نادي يوفنتوس الإيطالي، أرباحا هائلة من تعاقده مع المهاجم البرتغالي الدولي كريستيانو رونالدو من ريال مدريد الإسباني في صيف 2018.
وأوضحت صحيفة "لاجازيتا ديللو سبورت"، أن يوفنتوس حصل على أرباح تقدر بنحو 58 مليون يورو من هذه الصفقة، وأن معظم هذا المبلغ يأتي من بيع مليون قميص لعب يحمل اسم ورقم رونالدو.
كما ذكر التقرير أن صفحات النادي على شبكات التواصل الاجتماعي شهدت نموا في عدد المتابعين بنسبة 68 %، بعد انتقال رونالدو لصفوف الفريق، وأن عدد مشجعي الفريق حول العالم تزايد من 385 مليون مشجع إلى 423 مليونا.
تلعب الجماهير على منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وإنستغرام دورًا متزايد الأهمية في الضغط على الأندية لضم لاعبين معينين. فعندما يتفاعل ملايين المتابعين مع منشورات حول لاعب معين، سواء بالمطالبة بانتقاله أو بالتغريد عن أدائه المميز، يتحول ذلك إلى ضغط إعلامي مباشر على إدارة النادي، أحيانًا قبل بدء أي مفاوضات رسمية.
كما تعتمد الأندية اليوم على استطلاعات الجماهير وبحوث السوق لفهم اللاعبين الذين يحظون بدعم الجمهور. تجمع هذه البحوث بيانات مثل المرشحين المفضلين لقيادة الفريق أو اللاعبين المحتمل التعاقد معهم. وتكشف هذه الدراسات الكثير عن سلوك الجماهير، بما في ذلك ما يحبونه وردود أفعالهم المحتملة تجاه سيناريوهات الانتقال المستقبلية.
ولا يقتصر الأمر على انتداب اللاعبين فالجماهير بإمكانها أيضا إلغاء صفقات كما حدث عام 2017 عندما أعلن نادي سانت إيتيان الفرنسي عن قرب التعاقد مع الجناح أنطوني مونيي، لكن جماهير النادي احتجت بقوة وعبّرت عن رفضها للصفقة بسبب أنها كانت صفقة مثيرة للجدل لكونه لاعبا سابقا في نادي ليون الفرنسي.
وكنتيجة لذلك غزت مواقع التواصل موجة كبيرة من الاحتجاجات بعد الإعلان، مما دفع النادي في النهاية إلى إلغاء الصفقة نتيجة الضغوط الجماهيرية.
التنوع الكبير للشركاء الذين يرعون الأندية، من شركات الطيران إلى المشروبات والساعات والسيارات، غالباً ما يكون دافعهم ليس النادي وحده، بل لأن لاعبين معينين معروفين عالمياً وقابلين للتسويق داخل الفريق يمكن أن يصبحوا وجوه حملاتهم الإعلانية.
والتأثير هنا يتمثل في أن الأندية يمكنها استغلال مكانة لاعبيها النجوم لتعزيز إيراداتها التجارية، حتى لو كان مبلغ التعاقد معهم احيانا خرافيا لأنهم بمثابة "الدجاجة التي تبيض ذهبا".
في عام 2023، اتفق نادي مانشستر سيتي على عقد جديد لمدة 10 سنوات مع شركة بوما لتصميم أطقم اللعب بقيمة لا تقل عن 1.3 مليار دولار. يبدأ العقد في عام 2025، وسيدفع لنادي سيتي أكثر من 130 مليون دولار سنويًا، ليصبح بذلك أغلى عقد أطقم في تاريخ كرة القدم.
يعكس هذا الاتفاق التأثير المتزايد لنادي سيتي على المستوى العالمي داخل الملعب وخارجه. ويشمل حقوق الملابس بالكامل، وتوزيع التجزئة العالمي، والتحكم التجاري الواسع النطاق، مما يعزز مكانة النادي كواحد من أكبر القوى المالية في كرة القدم.
تُعد اتفاقيات حقوق الصورة إضافة حديثة نسبيًا لعقود لاعبي كرة القدم. نشأت هذه الاتفاقيات نتيجة للزيادة الكبيرة في الترويج التجاري وقابلية تسويق اللاعبين في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتراف العالمي، والرعايات المربحة للأندية.
تُبرم هذه الاتفاقيات لحماية حق اللاعبين في الحصول على دخل من استخدام صفاتهم الشخصية. وبالتالي، توفر اتفاقيات حقوق الصورة آلية يمكن للأندية من خلالها مكافأة اللاعبين مقابل أنشطتهم التجارية خارج الملعب مع الرعاة المرتبطين بالنادي.
كشفت صحيفة آس أن الفرنسي كيليان مبابي يحصل، على 80 في المائة من حقوق الصورة، ينما يحتفظ ريال مدريد بنسبة الـ20% المتبقية وهي نسبة لم يحصل عليها أي من نجوم ريال مدريد السابقين بما فيهم زين الدين زيدان ولويس فيجو ورونالدوالظاهرة وديفيد بيكهام، حيث كانوا يحصلون على نسبة 50% فقط من حقوق الصورة.
في عالم كرة القدم اليوم، تجاوزنا مرحلة كان فيها الأداء داخل الملعب هو العامل الوحيد المؤثر في القيمة السوقية للاعب. الآن، أصبح اللاعب ليس فقط نجمًا رياضيًا، بل مديرًا رقميًا لعلامته التجارية، يعمل على إنشاء محتوى مؤثر، التفاوض مع الرعاة، وتحسين حضوره على مواقع التواصل الاجتماعي لجذب أكبر عدد من الشركات.
وقد نصل إلى نقطة يصبح فيها النجاح الرقمي جزءًا لا يتجزأ من القيمة الرياضية للاعب، بل قد يتساوى أو حتى يتفوق عليها. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإننا على موعد مع عصر جديد في عالم كرة القدم، حيث قد تتغير معايير النجاح والانتقال في السوق، لتكون الشعبية الرقمية في المقام الأول.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة