بعد نحو أربعة عقود على كارثة تشيرنوبيل ، لا تزال المنطقة المحيطة بالمفاعل النووي في شمال أوكرانيا تمثل واحدة من أكثر البيئات إثارة للجدل العلمي في العالم. فعلى الرغم من أن الكارثة أجبرت مئات الآلاف من البشر على مغادرة منازلهم، فإن الحياة البرية لم تغادر، بل وجدت نفسها أمام واقع جديد وهو أرض ملوثة بالإشعاع ، لكنها خالية تقريباً من البشر.
في السنوات الأولى بعد الانفجار، ساد اعتقاد واسع بأن الإشعاع سيحوّل المنطقة إلى صحراء بيولوجية . تقارير مبكرة، بعضها صدر عن مؤسسات علمية سوفييتية وأخرى أعيد تحليلها لاحقاً في دراسات أوكرانية حديثة، تحدثت عن موت واسع للنباتات ، خصوصاً غابات الصنوبر التي تحولت أجزاء منها إلى ما عُرف لاحقاً بـالغابة الحمراء. لكن مع مرور الوقت، ظهرت صورة أكثر تعقيداً . دراسات ميدانية أجراها باحثون من جامعات أوكرانية مثل جامعة كييف الوطنية، إضافة إلى فرق دولية تعمل بالتعاون مع الهيئات البيئية في كييف، أظهرت أن الأنظمة البيئية لم تختفِ، بل أعادت تنظيم نفسها.
أحد أكثر الاكتشافات إثارة جاء من مراقبة أعداد الحيوانات الكبيرة. حيث أظهرت النتائج الميدانية، التي اعتمدت على تقنيات "كاميرات الفخ" داخل الغابات الكثيفة في منطقة العزل حسب موقع بيانات علوم نظام الأرض "Earth System Science Data" ، أن وجود الحياة البرية لا يتأثر بشكل مباشر كما كان يُعتقد سابقاً بمستويات الإشعاع وحدها. فبينما تُسجَّل فروق واضحة في درجات التلوث الإشعاعي من موقع إلى آخر، ظل توزيع الحيوانات أكثر ارتباطاً بعامل واحد حاسم وهو غياب الإنسان. وتشير البيانات إلى أن الغابات الأكثر تلوثاً بعد كارثة تشيرنوبيل لم تكن بالضرورة أقل تنوعاً من غيرها، ما دفع بعض الباحثين الأوكرانيين إلى إعادة النظر في الفرضيات التقليدية حول تأثير الإشعاع، والتركيز بشكل أكبر على الدور البيئي للنشاط البشري في تشكيل النظم الحيوية. وبحسب تقارير أوكرانية نُشرت خلال العقد الأخير، ازداد عدد الذئاب في المنطقة العازلة بشكل ملحوظ مقارنة بالمناطق المحيطة، كما عادت أنواع كانت نادرة أو غائبة لعقود، مثل الوشق الأوروبي والدب البني. هذه النتائج دفعت بعض الباحثين الأوكرانيين إلى التأكيد على أن "عامل غياب الإنسان"قد يكون أكثر تأثيراً من الإشعاع نفسه في تفسير ازدهار بعض الأنواع.
في هذا السياق، يبرز الجدل العلمي حول مسألة التكيّف. هل يمكن للكائنات الحية أن تتطور لتتحمل الإشعاع ؟ بعض الدراسات، بينها أبحاث شارك فيها علماء من داخل أوكرانيا، تشير إلى وجود دلائل أولية على ذلك. فهناك مؤشرات على أن بعض القوارض الصغيرة أظهرت قدرة أكبر على إصلاح تلف الحمض النووي، وهي خاصية قد تمنحها ميزة في بيئة مشعة. كما أن ملاحظات حول تغير لون بعض الكائنات، مثل الضفادع التي تميل إلى لون أغمق، فتحت باباً لفرضيات تربط بين زيادة صبغة الميلانين والحماية من الإشعاع.
جانب آخر لا يقل أهمية هو التأثير طويل الأمد الذي يتجاوز حدود المنطقة العازلة. فبحسب تقارير صادرة عن مراكز أبحاث أوكرانية بالتعاون مع هيئات أوروبية، لا تزال آثار المواد المشعة التي انتشرت بعد الكارثة تُرصد بنسب ضئيلة في بعض المنتجات الطبيعية خارج أوكرانيا، مثل الفطر والتوت في أجزاء من أوروبا الشرقية. هذا يوضح أن الكارثة لم تكن حدثاً محلياً فحسب، بل تركت بصمة بيئية ممتدة.
لكن رغم "الازدهار"الظاهري، فإن البيئة تبقى غير سليمة. والدراسات التي أُجريت داخل أوكرانيا ، خاصة تلك التي ركزت على الطيور والحشرات، وثّقت تغيرات بيولوجية مقلقة. على سبيل المثال، أظهرت أبحاث حول طيور السنونو في المناطق الملوثة ارتفاعاً في معدلات التشوهات والأورام، وانخفاض في متوسط العمر. كما سجل علماء أوكرانيون تغيرات في سلوك بعض الحشرات، ما يشير إلى تأثيرات دقيقة ولكن مستمرة للإشعاع.
تحرير: عارف جابو
المصدر:
DW