"كان بيتنا في درب الجماميز جوار 7 ملاعب، اسمها قرميدان، وأول ما لفت انتباهي عندما بدأت أدرك، كانت كرة القدم وحسين حجازي وزوبة وفؤاد الجميل".
جوار هذه الملاعب كان محمد لطيف المولود في 23 أكتوبر 1909، كان يقرفص ليتفرج على نجومه، ويتطلع إلى قدميه الصغيرتين ويحلم.
مساء، ينام وصورة الكرة تجول في رأسه، تتحول إلى ملعب يجول فيه ويراقص الكرة مسجلًا الأهداف.
التحق بمدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية الابتدائية في حي درب الجماميز عام 1919، وهي تجاور مدرسة الخدوية الثانوية بملعبها ولاعبيها؛ سيد الحسن ومختار فوزي وغيرهما.
وقتها كانت لحظة السعادة الحقيقة للطفل محمد لطيف الجلوس فوق السور لمشاهدة مباريات الخدوية الثانوية ضد الفرق الأخرى، فتعاوده الأحلام والأسئلة، متى سألتحق بالخدوية الثانوية وأكون لاعبا معهم؟
حقق حلمه الصغير، صار قائدًا لفريق مدرسته في المرحلة الثانية الابتدائية، وكانت خطوته الأولى لعالمه السحري.
بعد 6 سنوات، لم يعد في حاجة إلى تسلق السور، التحق بالخديوية الثانوية، قضى سنته الأولى في التعلم والدراسة ومشاهدة مباريات فريقه.
كان بالمدرسة ثلاث فرق كرة قدم، الدرجة الأولى، والثانية، والثالثة الأشبال، فإذا تقدم أحد الطلبة للانضمام إلى فرقة منهم، يمر باختبار مع لاعبين آخرين، يلعبوا ضد الـ 3 فرق، وبذلك يتحدد مستوى كل لاعب، ويلتحق بالفريق الذي بناسبه.
مستوى محمد لطيف أهله للعب في الفريق الثاني، وبعد عام انضم للفريق الأول، وبعدها تألق فعُرف على مستوى مباريات المدارس والمعاهد العليا.
روى "لطيف": " وقتها كان حسين حجازي رمزًا لعظمة الكرة المصرية، وكان الأهلي ذا شهرة عالمية، وكنت من أشد المعجبين بحجازي، رغم انتمائي روحيا للزمالك- المختلط آنذاك"، وفقا لكتاب نجوم وحكايات، الصادر عن دار التعاون، 1993.
لطيف كان محظوظًا، انتقل حجازي إلى الزمالك عام 1927، أصبح مثله الأعلى لاعبا في فريقه.
أما عام 1928، كان فوق الحظ، طلب الزمالك محمد لطيف، قال: "كان شرفا كبيرا ظللت سعيدًا به 4 سنوات، إذا اعتزل بعدها حجازي، وأكملت المشوار في الزمالك"، روى: "إذا خُيرت أن أكون لاعبا سأكون حسين حجازي، وإذا تعذر، أحب أن أكون مصطفى كامل طه أو عبد الكريم صقر".
بعد 6 سنوات، مثّل "لطيف" منتخب مصر في كأس إيطاليا بعد الفوز في الأدوار التمهيدية على فلسطين في القاهرة وفي فلسطين.
في أواخر عام 1932، سافر إلى إنجلترا ملتحقا بكلية "جوردون هل" لدراسة التربية لمدة 5 سنوات، وهناك وصل بخصوصه تزكيتين مهمتين من القاهرة، إحداها من الإسكتلندي مستر سامبسون،مراقب التربية الرياضية في مصر، والأخرى من المستر جيمس ماكراري، مدرب فريق مصر الأهلي.
التزكيتان كانتا موجهتان إلى نادي رانجرز، أكبر أندية سكولتندا وقتها.لعب "لطيف" في رانجرز بالتزامن مع دراسته، حكى: "عام 1936، كانت القاهرة تتابع نشاطي عن طريق التلغراف، اخترت لأسافر من إنجلترا إلى برلين، للمشاركة مع مصر في الدورة الأوليمبية في مباراة ضد منتخب النمسا، ولسوء الحظ بعد 6 دقايق أُصيب مختار التتش، كابتن الفريق، بشرخ في قدمه، ولعبنا دونه، إذ كان القانون وقتها لا يجيز التغيير، وفي الشوط الثاني، أصيب وجيه الكاشف، وأصبحت أنا رئيسا للفريق على 9 لاعبين، وما زاد الطين بلة، أمطرت السماء مطرا غزيرا ووحشيًا، وهزمنا 3-1، من منتخب كان يتسيد أوروبا وقتها".
عام 1937، حصل على بكالوريوس التربية البدنية والصحية، وعاد إلى القاهرة ليكمل رحلته مع الزمالك، كما عُين مفتشا للتربية البدنية بوزارة المعارف.
بعد 8 سنوات، اعتزل كرة القدم، وانتقل إلى التحكيم واعتزله عام 1956، وبينهما كلفته الإذاعة المصرية بإذاعة تمرينات الصباح مع محمود بدر الدين، وهنا ارتبطت المباريات بصوته، لذا بعد افتتاح التلفزيون 1960، أصبح معلقا، اعترف: "الكرة عالمي ومتعتي 24 ساعة، كلما شاهدت مباريات أكثر، تزداد متعتي، وتزيد أكثر عندما أعلق عليها، وما أكثر سعادتي عندما ارتبطت المباريات بصوتي في أذهان الجمهور".
الكرة عند لطيف كانت فنًا؛ لا يعادلها متعة، قال: "أنفقت كل مدخراتي في إجازاتي لمشاهدة المباريات في أوروبا، متعتي وأنا أعيش في هذا الجو من الرياضة والتشجيع الموضوعي، لا تعادلها متعة الاحتفاظ بالمدخرات مهما كانت كثيرة، تماما كما يأتي إخواننا العرب إلى القاهرة لحضور حفلات أم كلثوم".
في اللحظة التي كان يعلق فيها على مباراة؛ الجو اليوم حلو، الشمس مشرقة، كان لطيف يتذكر صديقه المعلق الإنجليزي كينيث ونستون هولم، إذ كان يعلق على المباريات في إنجلترا؛ الجو غائم، الشمس مشرقة، الضباب ينتشر، المطر ينهمر.
قبل وفاته بعام، رحلت ابنته أثناء علاجها ي الخارج، تاركة في نفسه هما، إذ كانت مؤنسته الوحيدة بعد وفاة زوجته.
وفي جولة بمحافظات الوجه البحري استعدادًا لدخول مجلس اتحاد كرة القدم، تعرض للإجهاد والتعب ونقل إلى مستشفى القوات المسلحة ودخل غرفة الإنعاش، وبعد خروجه اعتذر عن الترشح.
قضى شهرين في محنة صحية، إذ أصيب بعدها بهبوط مفاجيء في القلب أعاده إلى غرفة الإنعاش لكنه بقى فيها فترة طويلة آملا في تجاوزها، لكنه توفى صباح يوم 17 مارس 1990.
"تكسير الاسنان وعض وبصق".. قائمة أكثر اللاعبين كراهية في تاريخ كرة القدم
المصدر:
مصراوي