لم يكن المركز الرابع الذي حققه منتخب مصر للناشئات لكرة اليد مواليد 2008 في بطولة العالم المقامة في رومانيا مجرد ترتيب تاريخي في سجلات اللعبة، وإنما كان إعلانًا واضحًا عن جيل جديد يمتلك الطموح والشخصية والقدرة على مقارعة كبار منتخبات العالم.
المنتخب المصري خاض مشوارًا استثنائيًا في البطولة، ونجح في تحقيق انتصارات مهمة أمام منتخبات أوروبية قوية، قبل أن يصل إلى المربع الذهبي ويقترب كثيرًا من تحقيق إنجاز أكبر، بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من الفوز على إسبانيا في مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع.
وراء هذا الإنجاز يقف جهاز فني عمل على مدار أشهر طويلة من أجل إعداد اللاعبات بدنيًا وفنيًا ونفسيًا، بقيادة المدير الفني محمد عبد الكريم، الذي تحدث عن تفاصيل المشوار، وأصعب القرارات الفنية، وكواليس صناعة شخصية المنتخب، والفارق بين كرة اليد المصرية ونظيرتها الأوروبية، وطموحات الجيل في المستقبل.
وفي حوار خاص لجريدة " الشروق" ، يكشف محمد عبد الكريم كواليس الإنجاز التاريخي، ويؤكد أن المركز الرابع لم يعد سقف طموح هذا الجيل، وأن الهدف المقبل هو الوقوف على منصة التتويج.
في البداية.. بعد تحقيق المركز الرابع تاريخيًا، هل أنت راضٍ عن الإنجاز أم تشعر أن المنتخب كان يستحق أكثر؟
بالتأكيد المركز الرابع إنجاز تاريخي، وأنا راضٍ تمامًا عن الإنجاز، لكن في الوقت نفسه كنت أتمنى أن نكسر إسبانيا ونحصل على الميدالية البرونزية.
بعد المباراة شعرت أننا كنا قريبين جدًا من تحقيق ذلك، خصوصًا أن مواجهة إسبانيا كانت حلمًا بالنسبة لي وللاعبات. لو كنا واجهنا إسبانيا في توقيت مختلف ربما كان الأمر سيكون له شكل آخر، لكن في النهاية هذا قدر الله.
يجب أن أوضح أن ظروف البطولة كانت صعبة للغاية، فنحن لعبنا ثلاث مباريات متتالية في الدورة الودية قبل كأس العالم، أمام اليابان وتونس ورومانيا، ثم واجهنا كوريا، وبعدها إسبانيا في المباراة التاسعة.
ومع ذلك، أنا راضٍ كل الرضا عن اللاعبات. منذ بداية الإعداد كنا نعمل ونشاهد ونحلل كل شيء، واللاعبات قدمن أفضل ما لديهن، والحمد لله على ما تحقق.
لو طلبنا منك تلخيص مشوار المنتخب في بطولة العالم في جملة واحدة.. ماذا تقول؟
الطموح والتحدي والإصرار.
متى شعرت لأول مرة أن هذا المنتخب قادر على الوصول إلى مربع الكبار وليس مجرد تحقيق مشاركة جيدة؟
منذ فترة الإعداد كنا نركز بشكل كبير جدًا على المنتخبات الأوروبية، خصوصًا كرواتيا وفرنسا ، على مدار حوالي سبعة أشهر كنا نعمل بشكل مستمر، وكان لدينا في كل أسبوع نحو عشرة تدريبات، بالإضافة إلى ثلاث محاضرات فيديو بين التدريبات، وكنا نركز بشكل كامل على أسلوب لعب المنتخبات الأوروبية ،كنا ندرس كرواتيا وفرنسا بشكل كبير، لأننا نعرف قيمة لاعباتهما، وكنا نحاول أن ندرب اللاعبات على أسلوب اللعب الذي سنواجهه في البطولة ،وكان هدفنا أن نصل إلى المباريات ونحن نعرف كيف نسير المباراة، ومتى نهاجم ومتى ندافع، وماذا نفعل في كل موقف.
كيف كان مجهود كتيبة العمل من جهازك الفني ؟
أؤكد أن هذا الإنجاز لم يكن مجهود شخص واحد، وإنما نتاج عمل الجهاز بالكامل؛ بداية من المدرب العام الكابتن هاني موسى، ومساعد المدرب ومحلل الأداء مصطفى عبود، ومدرب حراس المرمى محمد عبد المنعم، والدكتورة منة الله بدوي، أخصائي العلاج الطبيعي، والكابتن إيمان مرجان المدير الإداري، والدكتور محمد عبد اللطيف المعد النفسي، وكل أفراد الجهاز.
هل كنت تتوقع قبل البطولة أن تصل مصر إلى هذه المرحلة، أم أن الطموح تطور مباراة بعد أخرى؟
بالتأكيد، لكن مباراة كرواتيا كانت نقطة مهمة جدًا بالنسبة لنا ، كنت أرى أن الفوز على كرواتيا في البداية سيمنح اللاعبات الثقة ويجعلهم يصدقون أنفسهم، ويؤمنون بأننا قادرون على منافسة المنتخبات الأوروبية ، كان مهمًا جدًا أن نحقق نتيجة قوية في أول مباراة، لأن هذه المباراة كانت ستحدد الكثير بالنسبة لنا نفسيًا وفنيًا، والحمد لله نجحنا في ذلك.
ما أصعب قرار فني اتخذته خلال البطولة وكان من الممكن أن يغير مسار المنتخب؟
أصعب قرار كان في مباراة كوريا، وتحديدًا خلال آخر خمس دقائق تقريبًا، عندما كنا متأخرين بفارق خمسة أهداف ، اتخذت قرارًا بأن نلعب بطريقة متقدمة، وهو قرار ذو حدين؛ إما أن نستمر في خسارة الفارق وربما يزيد إلى ستة أو سبعة أهداف، أو ننجح في تقليص الفارق والعودة للمباراة.
والحمد لله القرار أثمر، وتمكنا من العودة في النتيجة، واستطعنا الوصول إلى مرمى كوريا والحصول على رميات جزائية، والعودة للمباراة بشكل مذهل.
وأعتقد أن مباراة كوريا ستظل من المباريات التاريخية الموجودة في ذاكرة اللاعبات، وفي ذاكرة كل من تابع البطولة.
هل كانت هناك مباراة شعرت بعدها أن شخصية المنتخب تغيرت وأصبح لديه إيمان حقيقي بأنه قادر على مواجهة أي منتخب؟
بالتأكيد مباراة كوريا كانت اختبارًا رسميًا مهمًا، لكن الشعور الحقيقي بدأ خلال الدورة الودية التي سبقت البطولة.
لعبنا أمام اليابان، بطلة آسيا، وكانت مباراة مهمة جدًا لنا. اليابان كانت قوية جدًا، وسببت لنا مشكلات كثيرة، لكننا استطعنا الفوز عليها.
ثم لعبنا أمام تونس وفزنا، رغم أننا لم نكن في أفضل حالاتنا في بداية المباراة، لكننا نجحنا في العودة.
وفي مباراة رومانيا واجهنا ظروفًا صعبة، من بينها قرارات تحكيمية أثرت على المباراة، ومع ذلك استطعنا التعامل معها وتحقيق البطولة الودية.
كل هذه المباريات أعطتنا إحساسًا بأن الفريق جاهز بالفعل لدخول كأس العالم بقوة.
ماذا كنت تقول للاعبات قبل المباريات الكبيرة؟ وهل كنت تحاول تخفيف الضغط عنهن أم زيادة الحافز؟
كنا نركز بشكل كبير على مشاهدة الفيديوهات.
كنا ندرس نقاط القوة والضعف في كل منتخب نواجهه، واللاعبات أصبحن يمتلكن ثقة كبيرة لأنهن يعرفن نقاط ضعف المنافس ويعملن عليها.
كنا نحلل كل لاعبة تقريبًا، ونعرف كيف تلعب، وما هي نقاط قوتها، وكيف يمكن إيقافها، وماذا يفعل الفريق في كل موقف.
هذا الأمر كان فارقًا جدًا مع اللاعبات، لأنهن دخلن المباريات وهن يعرفن جيدًا ما المطلوب منهن.
وكيف تعاملت مع الضغط النفسي الواقع على اللاعبات؟
قبل المباريات الكبيرة كنا نتحدث كثيرًا عن الجانب النفسي.
كنا نشاهد مباريات المنتخبات الكبيرة ونركز على كيفية تعامل لاعباتها مع الضغط، لأن الجانب النفسي كان مهمًا جدًا بالنسبة لنا.
كنا نحاول ألا نجعل اللاعبات يشعرن بأنهن أمام شيء أكبر من قدراتهن، بل نجعلهن يؤمنّ بأنهن قادرات على المنافسة.
والحمد لله اللاعبات ظهرن بشكل كبير جدًا، وأصبحن قادرات على السيطرة على أنفسهن والتعامل مع الضغط في المباريات الصعبة.
من وجهة نظرك، ما أهم شيء صنع الفارق في البطولة: الجانب البدني، التكتيكي أم شخصية اللاعبات؟
أعتقد أن الفارق جاء من أكثر من عامل، ومن أهمها العامل البدني ونظام التدوير.
كنا نعتمد على مجموعة من اللاعبات، ونقوم بالتدوير بشكل مستمر حتى نحافظ على مستوى الفريق طوال المباراة.
كنا نلعب بست لاعبات لفترات، ثم نقوم بالتغيير والدفع بلاعبات أخريات، وهذا ساعدنا كثيرًا على الحفاظ على المستوى البدني وتقليل الإجهاد.
العامل البدني كان سلاحًا مهمًا جدًا ومؤثرًا مع الفرق، وظهر بشكل واضح كإحدى نقاط قوة المنتخب في البطولة، إلى جانب العمل التكتيكي وشخصية اللاعبات.
هل المركز الرابع كشف أن الفجوة الفنية بين مصر وبعض القوى الأوروبية أصبحت أقل مما كنا نعتقد؟
الفجوة ما زالت كبيرة، ولا يمكن أن نقول إنها اختفت، لكن في الوقت نفسه لدينا عناصر تمتلك مستوى فنيًا عاليًا جدًا.
أعتقد أن ما حدث في البطولة جعل المنتخبات الأوروبية تحترم المنتخب المصري بشكل أكبر.
في السابق كنا ندخل أمام أوروبا ونحن نشعر بالخوف ونحترمهم بشكل مبالغ فيه، لكن بعد الفوز على كرواتيا وفرنسا تغيرت المعادلة.
أصبحوا هم الذين يشعرون بالقلق منا ويحسبون لنا ألف حساب، وأصبح رد الفعل يأتي منهم، وليس منا.
وهذا في حد ذاته شيء مهم جدًا للكرة المصرية.
بصراحة.. ما الذي ينقص كرة اليد النسائية المصرية حتى ننتقل من تحقيق الإنجازات التاريخية إلى المنافسة الدائمة على الميداليات؟
الاحتراف.. نحن نحتاج إلى أن يخرج جيل 2008 و2006 إلى الاحتراف الخارجي.
لدينا عدد قليل جدًا من اللاعبات المحترفات، وهناك لاعبات خضن تجربة الاحتراف في تركيا ثم عدن، ولدينا فريدة الشرقاوي في كوسوفو، ولوجي وسمع عبيد في رومانيا، إلى جانب عدد محدود من اللاعبات.
لكننا نحتاج إلى زيادة هذا العدد بشكل كبير.
أتمنى أن يحترف خلال هذا العام عدد كبير من لاعبات مواليد 2008 و2006، وأن يبدأ العدد في الزيادة من موسم إلى آخر.
الاحتراف سيصنع فارقًا كبيرًا؛ لأنه يمنح اللاعبات خبرات أكبر، ويساعدهن على التطور، ويجعل شخصيتهن أقوى، كما أن مستوى اللاعبات يتغير بشكل واضح عندما يخضن تجربة الاحتراف.
وأخيرًا.. بعد المركز الرابع، هل أصبح سقف طموحك مع هذا الجيل هو الميدالية الذهبية؟
بالتأكيد. بعد الوصول إلى المركز الرابع أصبح لدينا شعور بأننا كان يمكن أن نحقق مركزًا أفضل، سواء الثاني أو الثالث أو حتى الأول.
واللاعبات لديهن عهد مع أنفسهن بأن كأس العالم المقبل لن نغادره من دون الوقوف على منصة التتويج.
إن شاء الله يكون هدفنا المركز الأول أو الثاني، وهذا يحتاج إلى جهد وتخطيط مستمر.
وأشكر الكابتن خالد فتحي ومجلس إدارة الاتحاد، والكابتن مصطفى الرياضي المدير الرياضي، على وضع البرامج والخطط التي تساعد على تطوير المنتخبات والوصول إلى المراكز الأولى.
ما رسالتك الأخيرة إلى أسرة كرة اليد المصرية والجماهير التي دعمت المنتخب؟
أوجه الشكر إلى مصر كلها على الاهتمام الكبير الذي شعرنا به ورأيناه من أسرة كرة اليد والوسط الرياضي بشكل عام، وكل من تابع المنتخب وساند اللاعبات.
أقول للجميع: كملوا وراء البنات. لدينا بنات رائعات، ولدينا أيضًا أجيال صغيرة قادمة في الطريق، وهذه الأجيال تحتاج إلى الاهتمام والرعاية والدعم.
وأوجه الشكر أيضًا إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، على الدعم والاهتمام الكبير بالرياضة والمنتخبات الوطنية، وهو أمر كان له تأثير كبير جدًا على معنويات اللاعبات، وجعلهن يشعرن بأن مصر كلها تقف خلفهن.
واللاعبات يتمنين أن تتاح لهن فرصة لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي والسلام عليه، وأتمنى أن يتحقق ذلك، لأن هذا سيكون حافزًا كبيرًا جدًا لهن.
وفي النهاية، أكرر شكري لكل من دعم منتخب مصر، وأؤكد أن هذا الجيل لديه طموحات أكبر، وإن شاء الله القادم أفضل.
المصدر:
الشروق