انضم الأيقونة المصرية محمد صلاح إلى قائمة أساطير الكرة العالمية مثل زين الدين زيدان وسيباستيان أبريو بعدما نفذ ركلة جزاء بطريقة مذهلة في كأس العالم.
وعندما سدد صلاح ركلته بكل هدوء في منتصف المرمى ليقود منتخب مصر للفوز على أستراليا في دور الـ32 من كأس العالم 2026، لم يضمن للفراعنة انتصارهم الأول على الإطلاق في الأدوار الإقصائية فحسب، بل أضاف أيضاً فصلاً جديداً إلى قصة بدأت قبل 16 عاماً من ولادته.
ولطالما اتُهم الكثير من أصحاب الأفكار العبقرية بالجنون، وهناك بالتأكيد خيط رفيع يفصل بين الأمرين، وقد وصف الأسطورة بيليه لاعب وسط تشيكوسلوفاكيا أنتونين بانينكا بأنه "إما عبقري أو مجنون" بعدما سجل ركلة الترجيح الحاسمة للقب في نهائي بطولة أمم أوروبا 1976 بتلك الطريقة الفريدة.
ويعد صلاح أحدث المنضمين إلى قائمة العباقرة في كأس العالم الذين لم يعرفوا الخوف، وحافظوا على ثباتهم الانفعالي عند لحظة الحقيقة، مقتفين أثر أنتونين بانينكا عبر خداع حارس المرمى الذي توقع تسديدة قوية، قبل أن يغمز الكرة برفق لتسكن الشباك.
وكان أول لاعب يقرر نقل إرث أنتونين بانينكا من بطولة أمم أوروبا إلى كأس العالم هو مواطنه ميشال بيليك، وذلك خلال المباريات الافتتاحية لمنتخب تشيكوسلوفاكيا في كأس العالم 1990 في إيطاليا، وحينها كان منتخب بلاده متقدماً بـ 4 أهداف نظيفة ضد المنتخب الأمريكي عندما أتيحت للاعب خط الوسط البالغ من العمر 25 عاماً آنذاك، الفرصة لإعادة تجسيد إنجاز بانينكا، لكنه لم يتمكن من خداع الحارس الأمريكي توني ميولا الذي وقف في مكانه بكل هدوء وتصدى للكرة، لتكون تلك المحاولة هي الأولى والوحيدة لأسلوب بانينكا في كأس العالم خلال القرن 20.
وبعدها شهد تاريخ كأس العالم ركلات ترجيح شهيرة مثل ركلة الأسطورة الأرجنتيني الراحل دييجو مارادونا في نابولي عام 1990، وإهدار ستيوارت بيرس ضد ألمانيا الغربية في اليوم التالي، وانكسار قلب المهاجم الإيطالي روبرتو باجيو في نهائي 1994، لكن لا توجد ركلة أشهر من تلك التي كاد الأسطورة الفرنسي زين الدين زيدان أن يهدرها ضد الحارس الإيطالي الأيقوني جيانلويجي بوفون في نهائي مونديال ألمانيا 2006.
وفي مباراته الأخيرة قبل الاعتزال وتحت أقصى درجات الضغط، حافظ زين الدين زيدان على هدوئه وأعاد ركلة بانينكا إلى كأس العالم، حيث اصطدمت كرته بالجانب السفلي من العارضة وتجاوزت خط المرمى بقليل، ومع ذلك لم يكن هذا كافياً لتتويج بلاده باللقب، وظل طرده بعد الواقعة المثيرة للجدل مع ماركو ماتيراتزي هو الحدث الأبرز في مواجهة انتهت بتتويج إيطاليا باللقب وحرمان زيدان من نهاية مثالية لمسيرته.
ولم يكن زين الدين زيدان اللاعب الأول الذي ينجح في تنفيذ هذه الركلة في نسخة 2006، فقبل ذلك في البطولة ذاتها واجهت أوكرانيا منتخب سويسرا وحارسها باسكال زوبربوهلر الذي لم تستقبل شباكه أي هدف في البطولة، وبعد نهاية الشوطين الإضافيين بالتعادل السلبي، اتجهت المباراة لركلات الترجيح، وأهدر الأسطورة الأوكراني أندري شيفتشينكو الركلة الأولى، لكن البديل أرتيم ميليفسكي تخلص من الضغوط وسجل ركلة على طريقة بانينكا ليقود فريقه إلى دور الثمانية.
وقد يكون أول ما يتبادر إلى الذهن عند تذكر مباراة أوروجواي وغانا في مونديال جنوب أفريقيا 2010 هو إهدار أسامواه جيان لركلة الجزاء بعد لمسة يد لويس سواريز الشهيرة على خط المرمى، لكن ركلة سيباستيان أبريو خلال ركلات الترجيح كانت هي الحاسمة، حيث دخل المهاجم المعروف برباطة جأشه بديلاً لإدينسون كافاني في منتصف الشوط الثاني، وأوكلت إليه لاحقاً مهمة تنفيذ الركلة الحاسمة، ليتقدم ويسقط الكرة ببرود شديد في الشباك، ليصبح على الفور المحبوب الأول للجماهير ويثبت مجدداً أن الخط الفاصل بين العبقرية والجنون لا يتعدى سمك الشعرة، حسبما ذكر الموقع الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
وفي المقابل، فاجأ المنتخب الروسي الكثيرين بوصوله إلى دور الثمانية في مونديال 2018 التي جرت على أرضه، ليضرب موعداً مع كرواتيا، والمؤكد أن البديل فيودور سمولوف لا يحمل ذكريات سعيدة عن تلك الليلة في سوتشي، حيث تولى تنفيذ الركلة الأولى خلال ركلات الترجيح وحاول لعبها على طريقة بانينكا لكن الحارس دانييل سوباشيتش تصدى لها، وكانت تلك البداية مؤشراً لسير الأمور حيث أهدر الروسي ماريو فيرنانديز ركلته أيضاً لتتأهل كرواتيا للمربع الذهبي على حساب أصحاب الأرض.
ورغم أن المغرب لم يستضف مونديال 2022، كانت الأجواء في قطر كانت تبدو وكأنها في الرباط أو الدار البيضاء عندما واجه أسود الأطلس منتخب إسبانيا المرشح للقب، وبعد 120 دقيقة من القتال الشرس انتهى اللقاء بالتعادل السلبي، لتهدر إسبانيا أول ثلاث ركلات ترجيح، بينما سجل للمغرب عبد الحميد صابيري وحكيم زياش، قبل أن تقع الركلة الحاسمة على عاتق أشرف حكيمي المولود في مدريد، ليسدد كرة ساقطة على طريقة بانينكا في شباك الإسبان، معلناً تأهل أسود الأطلس إلى دور الثمانية للمرة الأولى في تاريخهم.
وجاءت نسخة مونديال 2026 وتشهد كتابة تاريخ جديد بواسطة منتخب شمال أفريقي آخر، فبعد تعادل مثير مع أستراليا، حسمت ركلات الترجيح هوية المتأهل إلى الدور التالي للمرة الأولى في تاريخ المواجهات الإقصائية للفراعنة، وضمن إهدار هاري سوتار تقدم مصر، لتصبح الركلة الثالثة فرصة لوضع الفراعنة على أعتاب الفوز، وجاءت تلك اللحظة الحاسمة لتضع الأيقونة صلاح في مواجهة المرمى، لينطلق بركضته الشهيرة المعتادة قبل أن يبطئ حركته ويغمز الكرة برفق تام لتتجاوز الحارس المستسلم ماثيو رايان وتتهادى داخل الشباك معلنة فصلاً جديداً من الإبداع الكروي في تاريخ المونديال.
المصدر:
الشروق