المتصوفون الأوائل.. أفلوطين المصرى وتأثيره فى التصوف الإسلامى
لم يكتب أفلوطين كتبه بشكل منتظم بنفسه، بل قام تلميذه الشهير «فرفوريوس الصورى» بجمع وتنسيق مقالاته ورسائله فى ٥٤ مقالة مقسمة إلى ٦ مجموعات، كل مجموعة تضم ٩ مقالات، وعُرفت باسم «التاسوعات» (The Enneads).
تسللت أفكار أفلوطين إلى الفكر الإسلامى بشكل رئيسى عبر ترجمة أجزاء من التاسوعات (التى عُرفت خطأً بـ «أثولوجيا أرسطو»). فوجد الصوفية المسلمون فى لغته الفلسفية أداة ممتازة للتعبير عن تجاربهم الروحية مثل وحدة الوجود. وتقاطعت أفكار ابن عربى فى مراتب الوجود والفيض الإلهى مع ما اسماه أفلوطين بالهيكل الكونى والذى يجمع بين (الواحد، العقل، النفس)، مع صبغها بالطابع والرموز الإسلامية.
وجه الشبه مع التصوف الإسلامى هو ان أفلوطين يطرح فكرة أن النفس تفقد وعيها بالجسد والمادة للتحد بالواحد، يرى الصوفى (كالجنيد البغدادى أو أبى يزيد البسطامى) أن السالك يفنى عن «أناه» وشهود سواه ليبقى الحق وحده.
ولكن رغم التشابه، هناك اختلافات جوهرية بين تصوف أفلوطين والتصوف الإبراهيمى (الإسلامى والمسيحى)
الفروق الأساسية مع التصوف الإسلامى تكمن فى:
فكرة الواحد: يرى أفلوطين أن المصدر الأول والأعلى لكل ما فى الوجود هو «الواحد» (أو الخير المطلق). الواحد لا يمكن وصفه أو حده بأى تعريف لأنه يتسامى عن الكلمات والصفات.
والفرق الآخر يكمن فى فكرة الفيض: لا يخلق الواحد العالم عبر فعل إرادى مباشر، بل «يفيض» الوجود عنه كما تنبعث الحرارة من النار أو الضوء من الشمس، وذلك على درجات:
وأيضاً هناك اختلاف فى ما سماه «نفس العالم»: وهو الجسر الذى يربط بين العالم العالى المجرّد والعالم المادى. والعالم المادى: هو أدنى درجات الوجود، وهو أبعد نقطة عن نور «الواحد».
يرى أفلوطين أن هدف النفس البشرية هو التطهّر والتسامى للارتقاء مجدداً فوق حدود المادة والجسد للوصول إلى الإشراق والاتحاد الصوفى بالواحد.
عُرِف أفلوطين فى التراث العربى الإسلامى باسم «الشيخ اليونانى». ونُسبت أجزاء من مؤلفاته شهيرة باسم كتاب «أثولوجيا أرسطو» (أو علم اللاهوت)، مما جعل بعض الفلاسفة المسلمين الأوائل (مثل الكندى والفرابى) ينسبون أفكاره بالخطأ إلى أرسطو. كان لفلسفته فى «الفيض والواحد» تأثير كبير على بعض الفلاسفة مثل الفارابى وابن سينا فى صياغة «نظريات الفيض والوجود».
وكان له أثر كبير على أصحاب مدرسة الإشراق (مثل السهروردى) ومفهوم وحدة الوجود والتسامى الروحى.