لا أعرف إن كنت أحن إلى الأشخاص الذين غابوا عن حياتى، أم إلى الأماكن التى كانت تجمعنى بهم، أم إلى الأشجار التى وقفت هناك طويلاً، تحفظ خطواتنا وأصواتنا وارتباك قلوبنا الأولى... كلما مررت بمكان تغير، أبحث بعينى عن شجرة قديمة، عن ظل أعرفه، أو جذع كان يشبه مقعداً نختبئ عنده من العالم.

فى طفولتى، كانت الأشجار جزءاً من العائلة. شجرة فى فناء البيت، وأخرى عند باب المدرسة، وثالثة فى الطريق إلى بيت الجدة. كنا نعرف مواسمها كما نعرف أعيادنا، ننتظر ثمارها، ونراقب أوراقها وهى تصفر، ونشعر أن الشتاء لا يبدأ حتى تتعرى أغصانها.. تحتها كنا نلعب، ونختلف، ثم نتصالح سريعاً.

وفى سنوات المراهقة، أصبح للشجر معنى آخر... تحت شجرة عتيقة تبادلنا رسائل الحب الأولى، ووقفنا طويلاً ننتظر من نحب، نعد الدقائق ونخفى ارتباكنا.. كان الجذع العريض يبدو لنا كأنه صديق أمين، لا يسأل ولا يشى، وربما لهذا كنت أظن أن الأشجار تعرف الحب أكثر منا، فهى تمنح بلا حساب، وتبقى فى مكانها حتى بعد أن يرحل العابرون.

وحين كبرت، بدأت أرى الأشجار بعين مختلفة... لم تعد مجرد ظلال جميلة فى الطرقات، بل أصبحت صفحات حية من تاريخ مصر... فى ظلالها مر الفلاحون، واستراح المسافرون، وتبادل العشاق وعودهم.. كانت الأشجار شاهدة على البيوت التى هدمت، والوجوه التى غابت، والأغانى التى تبدلت، بينما بقيت هى حافظة لذاكرة المكان.

والأجمل أن العلم الحديث يؤكد ما شعرت به قلوبنا منذ زمن بعيد، فقد اكتشف العلماء أن الأشجار لا تعيش منفردة كما نعتقد، بل تتواصل تحت الأرض عبر جذورها وشبكات الفطريات الدقيقة المتصلة بها، تتبادل الغذاء والماء والإشارات، وتحذر بعضها من الحشرات والجفاف والأخطار، كأن الغابة مجتمع خفى، تتعاون فيه الأشجار بصمت، وتعتنى القوية منها بالصغيرة، وتترك فى الأرض رسائل لا نراها.

لهذا أحيى من القلب مبادرة سامية زيتون وجمعية محبى الأشجار لاختيار شجرة الجميز «شجرة وطنية» لمصر، إنها ليست مبادرة لاختيار اسم أو رمز، بل محاولة لاستعادة علاقة قديمة بين الإنسان المصرى وشجرته، وإنقاذ ما تبقى من ذاكرة خضراء تتراجع أمام الأسمنت.

تحية لسامية زيتون، لأنها تفتح لنا باباً إلى الماضى، وتدعونا إلى مستقبل أكثر رحمة. ولعل الجميزة، حين تصبح شجرة مصر الوطنية، لا تحمل لقباً فحسب، بل تحمل صفة مصر- عميقة الجذور، واسعة الظل، سخية العطاء، وصبورة إلى حد الإعجاز، والأكثر أنها تحمل حكاياتنا كلها.. حكايات الطفولة، والحب، والتاريخ، والأشجار التى رحلت، وبقى ظلها فى القلب.