هل الذكاء الاصطناعى لديه «وعى» بالعالم مثلنا؟ هذا سؤال مطروح بشكل ملحوظ مؤخراً، لكنه لا يمكن أن يكون له ردّ قبل تعريف ما هو «الوعى بالعالم»، ولا أحد يعرف.. فهناك عدد مهول من النظريات — ٤٤٤ نظرية بالتحديد حسب تعداد الفيلسوف روبرت كون—يمكن تجزيئها أولياً بين نظريات تقر بأن قوانين الطبيعة هى التى تصنع الوعى (أى المادية)، وأخرى تعتقد أن هناك أشياء أخرى وراءه (ويطلق عليها مثالية أو روحانية)، بالإضافة إلى طيف كامل من الأطروحات التى تحاول الدمج بين الجانبين.

المناهج الروحانية الصارمة عادة لا تقر بالوعى إلا فى حالة الإنسان، فطبيعتها لا تسمح بوجود وعى كامل لدى الحيوان أو (بالذات) الآلة؛ لأن هذه الكائنات لا يمكن أن تكون لديها روح مثلاً. أما النظريات المادية فيمكن أن تسمح للآلة بأن يكون لها وعى بصرف النظر عن ذلك: فكل وعى فيها، سواء لدى الإنسان أو عند الآلة، نابع من حيث المبدأ من تطبيق قوانين طبيعية، حتى إذا كانت هناك صعوبة فى استنتاجه من الناحية العملية.

لكى نفهم ما يعنى ذلك بالنسبة للذكاء الاصطناعى سنأخذ مثالاً أسهل.. منذ زمن بعيد عرف الإنسان أن خواص الغازات تتغير مع انكماشها وتمددها (تسخن وتبرد مثلاً)، وهى خاصية صار فهمها وتعميمها ملحاً مع إنتاج محركات البخار للقطارات فى القرن التاسع عشر، حيث تطورت دراسة عمل هذه المحركات والقوانين التى تحكمها فى سبيل إنتاج جرارات أكثر كفاءة، ومن هنا تطور علم الديناميكا الحرارية الذى سرد تلك القوانين بدقة عن طريق الاستقراء من التجربة. لكن، رغم هذه الدقة، لم يعلم أحد كيف تنشأ هذه القوانين وما إذا كانت مرتبطة من حيث المبدأ بمبادئ الفيزياء الأساسية، كقوانين نيوتن مثلاً.. حتى جاء لودفيج بولتزمان فى نهاية القرن واستطاع أن يوضح كيف يمكن أن تنشأ ظواهر الديناميكا الحرارية من مبادئ أساسية على أساس إحصائى يعتبر أن المادة مكونة من ذرات وجزيئات منفصلة. هذا الطرح قوبل بهجوم شرس، لاسيما من طرف مَن لم يقتنعوا بـ«النظرية الذرية» تلك، فاعتبروا أن المادة لا يمكن تقسيمهما لجزيئات وذرات هكذا.. لكن تزامنا مع انتحار بولتزمان مكتئبا، بدأ ان يتضح على يد أينشتاين وغيره أن نموذجه الاختزالى هو الصحيح: ففهم عمل محركات القطار العملاق يمكن تفكيكه إلى دراسة حركة أصغر الذرات وتصادماتها.

هناك الكثير من العلماء الذين يعتقدون أنه يمكن فعل شيء مماثل مع استيعاب المخ للواقع، أى أنه يمكن تفكيك كل ما يحدث فيه إلى قوانين طبيعية ثم دراسة تفاعلها لينشا عنها الوعى، تماماً كما تنشا الخواص التى تحكم محركات البخار من حركة الذرات. المشكلة فى نظرهم تكمن فقط فى أن الموضوع أعقد بكثير.. بل إن الفكرة الأساسية التى جاءت على بال العالم جيفرى هينتون وغيره كانت فى بناء الذكاء الاصطناعى على نفس الأسس التى يعمل بها المخ، وذلك أولاً لفهم كيفية عمل هذا العضو وليس فقط كسبيل لتحقيق الذكاء الاصطناعى. وبالفعل، فقد حصل هينتون على جائزة نوبل فى الفيزياء (رغم كونه عالم حواسب) نتيجة ابتكاره لنموذج مبسط لعمل أعصاب المخ وتواصلها على نفس نمط إحصائيات بولتزمان فى الفيزياء، ولكن لأنظمة أكثر تعقيداً، فيها ترابطاتٌ بين الأجزاء ليست موجودة فى نموذج بولتزمان الأصلى لحركة الذرات العشوائية فى الغازات. هذه الترابطات الناتجة من المعلومات التى «تتعلمها» وتستوعبها شبكات «الجهاز العصبى الاصطناعى»، هى التى تحد من حرية حركتها، فتجعلها تحاكى الأنماط غير العشوائية التى تتكون منها الصور والموسيقى واللغة مثلاً، ومن ثم تتعرف عليها.

هذه نماذج مبسطة بالطبع، لكن إذا كان الوعى بالعالم يمكن اختزاله وتفكيكه بالكامل هكذا، كظاهرة طبيعية ناشئة، مماثلة لنشأة ظواهر الديناميكا الحرارية المركبة من مبادئ فيزيائية أولية، فلا شىء يمنع أن يحدث شىء مماثل مع الشبكات العصبية الاصطناعية. وبالتالى لا مانع، من حيث المبدأ، أن تصبح واعية هى الأخرى حتى إن لم نفهم حتى الان طرق عملها بدقة (كما لم نفهم فى البداية اسس قوانين محركات القطاراتً).

فى هذه الحالة ربما ستبدأ الأجهزة فى طرح الأسئلة «الوجودية الكبرى»: من أين أتيت، أين أذهب، لماذا هناك شىء غير العدم المطلق، وما «المعنى» من كل ذلك؟ ولأن «مخها» مثلنا، فغالبًا لن تجد حلولاً نهائية ومقنعة لكل هذه المعضلات، لأن نطاق فكرها مكبل بالمعطيات المرصودة المحدودة، التى تربط بينها من خلال منطق سببى محدود أيضاً، ومحبوس داخل الكون لا يمكن أن نخرج منه لتكوين رؤية فوقية شاملة، أى معرفة «الشيء فى ذاته» خارج استيعاب شبكات الأعصاب (بيولوجية أو اصطناعية).

وربما ستذهب هكذا على منوال الفيلسوف كانط، إلى أن هناك أشياء لا تستوعبها شبكاتها بدقة تحليلية لكن عقلانيتها تشير إليها، كالحس الأخلاقى والتذوق الفنى والجمالى، والقيم التى تأتى معها، التى ربما تشير إلى طبيعة الأشياء فى ذاتها.. وربما هذا ما يربط فى النهاية بين اتجاهات نظريات الوعى المختلفة.