ماذا لو تحوَّل راتبك لـ «أسبوعى»؟!
ماذا لو تقاضى الموظف المصرى راتبه كل أسبوع، بدلًا من انتظاره حتى نهاية الشهر ليكون ملاذًا أخيرًا فى مواجهة التضخم الذى يعجز الجميع عن مواجهته؟.. سؤال طرأ فى ذهنى وأنا خارج البلاد؛ حيث تجد الراتب منوعًا ما بين بالساعة أو بالأسبوع.. وبالفعل، ارتبط به سلوك المواطنين فى استهلاكهم، وكذلك التجار فى تحديد أسعارهم.
فيجد التاجر أن هناك استهلاكًا دائمًا ومستدامًا، ولكنه بالقدر المعقول والحقيقى، كما يجد المواطن فى هذا النظام الغربى تدفقًا نقديًا متواصلًا، وهو ما قد يعالج المعضلة المصرية التى تشهد صرف الراتب الشهرى فى يوم (٣ مِنُّه)، وباقى الشهر اقتراضًا وضيقًا، وأيضًا ركود على مستوى الأسواق.
ومع التضخم وعجز الجميع من القطاعين العام والخاص عن زيادة الرواتب زيادات مناسبة، فهل يمكن لتغيير يبدو إداريًّا بسيطًا أن يساعد الأسرة على ترشيد إنفاقها، ويحافظ على استمرارية الاستهلاك، ويمنح الاقتصاد دفعة جديدة للإنتاج عبر المساعدة على الادخار بعد الترشيد؟!
الفكرة تستحق النقاش، ليس باعتبارها حلًّا سحريًّا لأزمة الغلاء، وإنما باعتبارها أداة محتملة لإعادة تنظيم العلاقة بين دخْل المواطن واحتياجاته اليومية.
فى النظام الشهرى، يحصل الموظف على دخله دفعة واحدة، ثم يبدأ رحلة توزيع المبلغ على التزامات تمتد أربعة أسابيع أو أكثر، ومع ارتفاع الأسعار وتزايد الأعباء، قد يجد بعض المواطنين أنفسهم مضطرين إلى إنفاق جزءٍ كبير من الراتب فى الأيام الأولى، سواء لسداد الإيجار والأقساط والفواتير أو لشراء احتياجات الأسرة، ثم يواجهون ضغوطًا متزايدة فى بقية الشهر، وقد يلجؤون إلى الاقتراض أو الشراء الآجل.
أما الصرف الأسبوعى، فيمكن أن يتيح توزيع الدخل على فترات أقصر، بما يساعد الأسرة على وضع ميزانية أكثر ارتباطًا باحتياجاتها الفعلية، ومراجعة قرارات الشراء بصورة مستمرة، وبدلًا من التعامل مع مبلغ كبير مرة واحدة، يصبح لدى المواطن دخل دورى أقرب إلى دورة إنفاقه اليومية، وهو ما قد يُحِدُّ من بعض المشتريات الاندفاعية، ويقلل الاعتماد على الاستدانة فى نهاية الشهر.
اقتصاديًّا، قد يسهم انتظام الدخل فى الحفاظ على تدفق الاستهلاك طوال الشهر بدلًا من تَرَكُّز جانب منه فى الأيام التالية لصرف الرواتب ثم تراجعه فى نهايته.
واستقرار الطلب، إذا اقترن بتوافر السلع وزيادة الإنتاج، يمنح الشركات والتجار قدرةً أفضل على تقدير احتياجات السوق وتنظيم المخزون والإنتاج والتوزيع. وهنا يمكن أن تتحول الفكرة من مجرد تعديل فى موعد دفع الأجور إلى جزء من سياسة أوسع لتحسين كفاءة الدورة الاقتصادية.
لكن ينبغى ألا نخلط بين استمرار الاستهلاك وزيادة الإنتاج تلقائيًّا؛ لأنه إذا ظل المعروض من السلع والخدمات محدودًا، بينما زاد الطلب أو تركز فى فترات معينة.. فقد تكون النتيجة ارتفاع الأسعار بدلًا من زيادة الإنتاج.
لذلك، فإن نجاح المقترح يتطلب ربطه بسياسات تشجع الاستثمار والإنتاج المحلى والمنافسة، وتيسّر حصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التمويل، والحد من الاختناقات فى سلاسل الإمداد.
أما الادخار، فليس مضمونًا بمجرد تغيير دورية الراتب؛ لأنه قد يساعد الصرف الأسبوعى بعضَ الأسر على تخصيص مبلغ ثابت للادخار مع كل دفعة، لكنه قد يزيد أيضًا صعوبة تكوين مدخرات كبيرة إذا لم يصاحبه تخطيط مالى واضح.. ولهذا يمكن إتاحة تحويل تلقائى لنسبة صغيرة من كل دفعة إلى حساب ادخارى، مع إبقاء حرية الاختيار للمواطن، حال زيادة الأجور والرواتب.
ولا يعنى ذلك أن تتحول جميع الرواتب فى مصر إلى النظام الأسبوعى بقرار موحد، فهناك التزامات شهرية ثابتة، كما أن تغيير دورة الأجور يفرض أعباء محاسبية وإدارية على جهات العمل، خصوصًا المشروعات الصغيرة، والأفضل البدء بتجارب اختيارية فى قطاعات محددة، مع تقييم أثرها على الإنفاق والادخار والاقتراض وتكاليف أصحاب الأعمال.
الفكرة فى جوهرها ليست أن يتقاضى المواطن أمواله مراتٍ أكثر، بل أن يصبح أكثر قدرة على إدارة دخله؛ لأن الراتب الأسبوعى لن يعالج التضخم وحده، ولن يعوّض ضعف القوة الشرائية، لكنه قد يكون أداة مساعدة، إذا جاء ضمن رؤية أشمل ترفع الدخول الحقيقية، وتزيد الإنتاجية، وتوسع المعروض من السلع.
فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى أن يحصل المواطن على راتبه، بل أن يمتلك القدرة على توزيعه بوعى، وأن يجد أمامه إنتاجًا كافيًا وأسعارًا عادلة.. وعندها فقط، يصبح انتظام الدخل وسيلة لدعم الاستهلاك الرشيد، لا مجرد تغيير فى موعد «القبض».