يشهد التمكين السياسى والمجتمعى للمرأة فى الدول العربية، بدرجات مختلفة وأشكال متباينة، فى عام ٢٠٢٦؛ جهودًا مستمرة فى اتجاه الاحتفاء بدورها فى دعم مسيرة التنمية الوطنية، والارتقاء بحضورها فى المجال العام، وزيادة التمثيل العددى للنساء فى المجالس النيابية عبر نظام الحصص «الكوتا»، والالتحاق بالتوظيف فى المؤسسة العسكرية؛ وهو ما يسهم فى مشاركتها الفعلية فى صنع القرار من جهة، وتمكينها من المشاركة الفاعلة فى تحقيق التنمية الوطنية المستدامة من جهة أخرى.

أبعاد دالة:

تعددت المؤشرات الدالة على زيادة التوجه الرامى إلى تمكين المرأة فى العديد من الدول العربية خلال عام ٢٠٢٦، على النحو التالى:

١- مد الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية لمدة شهر كامل: لأول مرة فى تاريخ الدولة، يمتد الاحتفاء بيوم المرأة الإماراتية لعام ٢٠٢٦ ليصبح شهرًا كاملًا، وذلك بتوجيهات من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائى العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، ليقام فى الفترة من ٢٨ أغسطس وحتى ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ تحت شعار «بنظهر الأقوى والأفضل»، الذى يعكس عدة معانٍ، أبرزها القوة الجماعية والإنجازات المستمرة للمرأة الإماراتية ودورها المحورى فى صياغة المستقبل. وتتمثل الأهداف الحاكمة لهذه المبادرة فى إبراز النماذج النسائية الملهمة فى مختلف القطاعات الاستراتيجية، ومن بينها الذكاء الاصطناعى والفضاء والعلوم والدبلوماسية، إضافة إلى تسليط الضوء على دور المرأة الأساسى فى تماسك الأسرة وبناء المجتمع وترسيخ الهوية الوطنية. وقد تحقق ذلك عبر تنظيم ندوات وجلسات حوارية، وإطلاق مجالس ومبادرات داعمة للمرأة فى مختلف الدوائر الحكومية والمؤسسات الوطنية بالدولة على مدار الأسابيع الأربعة.

وتتبوأ المرأة الإماراتية فى المرحلة الحالية مواقع متقدمة فى مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار؛ إذ تشغل النساء ٥٠٪ من مقاعد المجلس الوطنى الاتحادى، وحلت دولة الإمارات فى المرتبة الثانية عالمياً فى مؤشر تمثيل المرأة فى البرلمان، وفق تقرير التنافسية العالمية لعام ٢٠٢٦ الصادر عن مركز التنافسية العالمى التابع للمعهد الدولى للتنمية الإدارية فى لوزان بسويسرا. كما تمثل المرأة الإماراتية نسبة وازنة من أعضاء مجلس الوزراء، فيما تشغل نحو ٦٣٪ من المناصب القيادية فى القطاع الحكومى. وتُعد دولة الإمارات نموذجاً عالمياً رائداً فى حماية حقوق المرأة، بفضل البيئة التشريعية الداعمة لها، والمتمثلة فى الدستور وسلسلة القوانين الاتحادية والقرارات الوزارية والمحلية.

٢- تخصيص «كوتا نسائية» فى مجلس الشورى العُمانى: صدرت أوامر سلطانية، فى ١٥ يونيو ٢٠٢٦، بتخصيص ١١ مقعداً إضافياً للمرأة فى مجلس الشورى العُمانى المكون من ٩٠ عضواً يمثلون جميع ولايات سلطنة عُمان؛ موزعة بواقع مقعد واحد لكل محافظة، مع الإبقاء على ترشح المرأة عن ولايتها وفقاً للمنظومة الحالية حسبما حدده قانون الانتخابات. ومن شأن تخصيص المقاعد الإضافية زيادة فرص تمثيل المرأة داخل مجلس الشورى، ولا سيّما مع استمرار إمكانية فوز المرشحات بالمقاعد الاعتيادية خارج هذا النظام، إلى جانب تعيين الكفاءات النسائية من قِبل السلطان هيثم بن طارق فى مجلس الدولة (الغرفة الثانية لبرلمان عُمان). ويسهم ذلك التطور التصاعدى فى التحول والانتقال من التمثيل المحدود إلى التمثيل المؤسسى المستدام للمرأة العُمانية.

وقد دأبت المرأة العُمانية على خوض انتخابات مجلس الشورى، وحققت حضوراً متفاوتاً عبر الدورات الانتخابية السابقة؛ إذ فازت امرأتان بعضوية المجلس فى انتخابات عام ٢٠١٩، فى حين لم تفز أى امرأة بمقعد فى آخر انتخابات شهدتها السلطنة عام ٢٠٢٣. ويعتمد نظام «الكوتا» على تخصيص نسبة أو عدد محدد من المقاعد للنساء فى الهيئات التشريعية، بما يضمن حداً أدنى من وصولهن إلى مواقع صنع القرار.

وتمثل هذه التوجيهات السلطانية خطوة مهمة نحو تعزيز المشاركة الفاعلة للمرأة فى مسيرة التنمية الوطنية من جهة، وتعزيز أدوار مجلس الشورى المستقبلية من خلال توسيع نطاق التمثيل والمشاركة النسائية على المستويين المحلى والخارجى من جهة أخرى. وهو هدف يتوافق مع مستهدفات «رؤية عُمان ٢٠٤٠» التى تتطلب مساهمة كل الفئات وخاصة المرأة والشباب والفئات الأخرى.

٣- تحسن تمثيل المرأة فى مجلس النواب المغربى ورئاستها للحكومة: يتألف مجلس النواب المغربى من ٣٩٥ مقعداً؛ ٣٠٥ منها للدوائر الانتخابية المحلية و٩٠ للدوائر الانتخابية الجهوية. وفى الانتخابات التى أُجريت فى ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦، أصبحت لوائح الدوائر الجهوية مخصصة حصرياً للنساء؛ أى أن مقاعدها الـ٩٠ تنافست عليها مرشحات فقط.

وأظهرت نتائج هذه الانتخابات تحسناً ملحوظاً فى تمثيل المرأة داخل مجلس النواب؛ حيث ارتفع عدد النساء الفائزات بالمقاعد المحلية من ٦ نساء فى انتخابات ٢٠٢١ إلى ١٧ امرأة فى انتخابات سبتمبر ٢٠٢٦. ومع إضافة المقاعد الجهوية الـ٩٠، بلغ إجمالى عدد النساء فى مجلس النواب الحالى ١٠٧ من إجمالى ٣٩٥ نائباً، وبما يعادل نحو ٢٧.١٪ من أعضاء المجلس، مقابل ٩٦ نائبة بنسبة ٢٤.٣٪ فى المجلس السابق.

وتجدر الإشارة إلى أن المغرب طبّق للمرة الأولى فى عام ٢٠٠٢ نظام الحصص «كوتا»؛ حيث خصّص عبره ٣٠ مقعداً للنساء فى مجلس النواب، وواصل ذلك حتى عام ٢٠١١ حين ضاعف عدد مقاعدهن إلى ٦٠ مقعداً؛ بوصفه إجراءً يهدف إلى تعزيز تمثيلهن داخل البرلمان وانخراطهن فى صناعة السياسات العامة وتوجيهها. وفى انتخابات عام ٢٠٢١، حلت الدوائر الانتخابية الجهوية محل اللائحة الوطنية، وشملت ٩٠ مقعداً، قبل أن تعزز تعديلات ٢٠٢٦ الطابع النسائى لهذه الدوائر بقصر الترشيح فيها حصرياً على النساء؛ ومن ثم فإن تطور آلية «التمييز الإيجابى» (Positive Discrimination) أسهم فى رفع مستوى الحضور العددى للمرأة فى البرلمان المغربى، فى حين أظهرت نتائج ٢٠٢٦ مؤشراً إضافياً يتمثل فى ارتفاع قدرتها على الفوز خارج المقاعد المخصصة لها. كما أدت نتائج هذه الانتخابات إلى تعيين فاطمة الزهراء المنصورى، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة المغربية، فى ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب فى تاريخ البلاد.

٤- تعديل قانون الانتخابات الفلسطينى لتعزيز التمثيل النسائى: أصدر الرئيس الفلسطينى محمود عباس تعديلات على قانون الانتخابات العامة فى يونيو ٢٠٢٦، وتلتها تعديلات أخرى فى أغسطس ٢٠٢٦؛ بحيث يتعين على كل قائمة انتخابية أن تضم امرأة واحدة على الأقل من بين كل ثلاثة مرشحين. وقد ألغى تعديل أغسطس التعديل الصادر فى يونيو، وأعاد عدد أعضاء المجلس التشريعى إلى ١٣٢ عضواً بدلاً من ٢٠٠، مع الإبقاء على تعزيز تمثيل المرأة فى القوائم الانتخابية من خلال «كوتا» نسبتها ٣٣٪.

ولعل رفع الحد الأدنى لتمثيل المرأة فى القوائم الانتخابية يمثل اعترافاً جوهرياً بدور المرأة الفلسطينية فى المجتمع ومواجهة الظروف الصعبة. ولذا، خصت منظمة العمل العربية، فى بيانها الصادر بتاريخ ٧ مارس ٢٠٢٦ بمناسبة اليوم العالمى للمرأة؛ بالتحية المرأة العاملة الفلسطينية؛ مشيرة إلى أنها تقف فى قلب المعاناة وتتعرض لأشكال متعددة من التهميش والعنف، وتواصل الدفاع عن حقوقها، وأولها حقها فى الحياة والعدالة والعمل اللائق.

٥- تخريج أول دفعة من الضابطات الكويتيات من المؤسسة العسكرية: شهد الجيش الكويتى فى ١٦ يونيو ٢٠٢٦ محطة تاريخية بتخريج أول دفعة من الضابطات الكويتيات من حملة الشهادات الجامعية برتبة ملازم؛ حيث بلغ عددهن ٥٩ ضابطة، وذلك بحضور وزير الدفاع الشيخ عبدالله على عبدالله السالم الصباح. ويأتى هذا التخرج تتويجاً للقرار الذى صدر فى أكتوبر ٢٠٢١، والقاضى بالسماح للمرأة الكويتية بالالتحاق بالخدمة العسكرية فى الجيش الكويتى، وهو القرار الأول من نوعه فى تاريخ الكويت؛ ما يُعد إيذاناً بدخول مرحلة جديدة من مشاركة المرأة فى المنظومة الدفاعية الوطنية.

وعلى الرغم من أن هذا القرار اقتصر فى بدايته على السماح للنساء بالعمل فى التخصصات المدنية؛ حيث نص على عملهن فى مجال الخدمات الطبية والخدمات العسكرية المساندة؛ فإنه أثار نقاشاً سياسياً وبرلمانياً حول طبيعة مشاركة المرأة فى المؤسسة العسكرية.

وفى السنوات التالية، بدأت الكويت فعلياً اتخاذ خطوات عملية لإدماج العنصر النسائى فى السلك العسكرى، من بينها فتح باب التطوع للنساء للالتحاق بالخدمة العسكرية، وصولاً إلى تخريج أول دفعة من الضابطات فى يونيو ٢٠٢٦. كما أعلنت رئاسة الأركان العامة للجيش الكويتى فى يوليو ٢٠٢٦ فتح باب التطوع مجدداً أمام العنصر النسائى للالتحاق بالخدمة العسكرية، من حملة الشهادات الجامعية والدبلوم والثانوية العامة وما يعادلها، إضافة إلى الحاصلات على الصف الحادى عشر وما دونه، على أن يتراوح عمر المتقدمة بين ٢١ و٢٦ عاماً، مع اجتياز شروط اللياقة الصحية، وغيرها من الشروط العامة. ويعكس ذلك استمرار التوسع التدريجى فى مشاركة المرأة داخل المؤسسة العسكرية الكويتية.

دعم مؤسسى:

خلاصة القول، إن ثمة جهوداً واستراتيجيات متزايدة لدعم التمكين المؤسسى للمرأة فى المنطقة العربية، إضافة إلى الدور الذى تقوم به منظمات متخصصة، مثل منظمة المرأة العربية، فى بناء قدرات البرلمانيات، وتوفير الثقافة السياسية اللازمة للمرشحات للاستحقاقات الانتخابية، وتطوير الأطر التنظيمية والتشريعية لدعم تكافؤ الفرص وتقليص الفجوات بين الجنسين، وتنفيذ خطط واضحة عبر الاستراتيجيات الوطنية للتمكين السياسى والقيادى فى هذه الدولة العربية أو تلك، ورفع الوعى المجتمعى بأهمية دور المرأة كشريك فى التنمية. إضافة إلى العمل على تسريع مشاركة المرأة فى مجالات الذكاء الاصطناعى والحكومة الرقمية والأمن السيبرانى وصناعات المستقبل.

* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مصدر الصورة

ينشر بالتعاون مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة