وثائق «سرية للغاية» وشهادات «القادة» تكشف أخطر عمليات «البحرية» وقت «الحرب»

لم تبدأ كل فصول حرب السادس من أكتوبر في الثانية ظهراً، ولم تكن كل ساحاتها شرق قناة السويس، ولا كل أهدافها حصون خط بارليف، ولا كل مفاجآتها في السماء التي عبرتها الطائرات المصرية على ارتفاع منخفض في طريقها إلى سيناء؛ ففي أقصى جنوب البحر الأحمر، وعلى مسافة هائلة من ميدان القتال الرئيسي، كانت جبهة أخرى قد أُعدت قبل الحرب بأسابيع، وكانت قطع من البحرية المصرية في المكان الذي ينبغي أن تكون فيه قبل أن تعرف إسرائيل أن ساعة الصفر قد اقتربت.

هناك، في الطريق إلى «باب المندب»، تكشف وثائق عسكرية مصرية تحمل تصنيف «سري للغاية»، أفصحت عنها القوات المسلحة المصرية على الموقع الرسمي لوزارة الدفاع والإنتاج الحربي، رسمياً، كيف درست القيادة البحرية شريان إسرائيل الجنوبي، وسجلت بصورة صريحة اعتمادها على ناقلات تجارية تحمل البترول والبضائع عبر البحر الأحمر، ثم دفعت المدمرتين «الفاتح» و«الظافر» إلى عدن قبل الحرب، قبل أن يتحول التمركز يوم «6 أكتوبر» إلى مهمة قتالية، هدفها المعلن هو التعرض لخطوط المواصلات البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر حتى باب المندب.

معلومات استخباراتية قبل «الحرب»: «تل أبيب» تعتمد على «البحر الأحمر» للحصول على «النفط والبضائع»

القصة لا تستند هذه المرة إلى ذاكرة قائد كتب مذكراته بعد سنوات فحسب، وإنما إلى أوامر عمليات أصلية، بأرقامها وتواريخها ومتلقيها، وإلى تعليمات تحدد درجة الاستعداد، ونظم الاتصال، والحالات الواجب الإبلاغ عنها، وسلطة القيادة، بل وحتى كيفية التفرقة بين السفن الإسرائيلية والسفن التجارية المحايدة.

التوجيه: «استهداف خطوط مواصلاتها البحرية حتى باب المندب»

وعندما توضع تلك الأوراق إلى جوار شهادات رجال كانوا داخل غرف العمليات، وإلى جوار ما أعلنه الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة إبان الحرب، في خضم أزمة ما بعد وقف إطلاق النار، تظهر صورة أوسع بكثير؛ فمصر لم تغلق طريقاً بحرياً فحسب، وإنما أنشأت قبل الحرب أداة ضغط استراتيجية امتد أثرها من باب المندب إلى طاولة المفاوضات عند الكيلو 101، عقب وقف إطلاق النار خلال الحرب.

سرية كاملة في التحركات.. «أوامر أغسطس»: إعادة التمركز في ميناء عدن.. و«1 أكتوبر»: قطع خطوط مواصلات إسرائيل «جنوب خط العرض 16» حتى «باب المندب»

البداية أقدم من الوثيقة؛ فقبل أن يصدر «أمر أغسطس»، كانت الفكرة قد مرت بالفعل بمرحلة التخطيط، وهو ما رواه لاحقاً اللواء صلاح فهمي نحلة، أحد ضباط هيئة العمليات المشاركين في تخطيط حرب أكتوبر؛ حيث شارك منذ عام 1971 ضمن مجموعة ضمت ممثلين عن هيئة العمليات والقوات الجوية والدفاع الجوي والبحرية والمخابرات للتخطيط لإغلاق باب المندب، وفي مايو 1973 عادت المجموعة لتنسيق العمل بين الغواصات والمدمرات، وانتقلت إلى اليمن وعاينت المنطقة والجزر، في تعاون «مصري يمني» سبق الحرب بأشهر.

إذاً، عندما تصل الوثيقة الأولى إلى مكتب قائد مجموعة مدمرات البحر الأحمر في أغسطس، لم تكن مصر تبدأ التفكير، وإنما كانت تنتقل من «الفكرة الاستراتيجية» إلى «الفتح العملياتي الفعلي للقوة».

أما صاحب الفكرة البحرية كما ترويه شهادات قادة البحرية، فهو الفريق فخري أشرف محمد رفعت، الذي كان خلال حرب أكتوبر رئيس شعبة عمليات القوات البحرية، والذي عزا لحظة ميلاد «التصور الذي خنق إسرائيل» إلى اجتماع بالقاهرة كان يحضره مع قائد القوات البحرية حينها المشير فخري/ فؤاد ذكرى، عندما نقل المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية وقتها، تحذيراً جوهرياً له، حين قال له: «هنحارب بدون غطاء جوي».

فكّر «رفعت»، بحسب شهادته، في إبعاد القطع البحرية عن المدى الفعال للطيران الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تحقيق المهمة الأصلية للقوات البحرية، وهي حرمان العدو من حرية استخدام البحر، وهكذا لم يعد التفكير في اعتراض إسرائيل من جزر البحر الأحمر؛ حيث تستطيع قواتها الجوية التدخل بسرعة، وإنما في باب المندب البعيد.

الهدف الاقتصادي كان حاضراً من البداية؛ فيقول «رفعت» إن إسرائيل كانت تتلقى النفط القادم من إيران عبر البحر الأحمر، إلى جانب البترول القادم من الآبار التي استولت عليها في خليج السويس، ولذلك صُممت المنظومة البحرية المصرية لضرب مصدرَي الإمداد، عبر زرع ألغام في مدخل خليج السويس، ونشر غواصات في البحر الأحمر، ومدمرات عند «باب المندب».

بعد ذلك تأتي «وثيقة الأوامر»، والتي هي بطل تقريرنا؛ ففي يوم 13 أغسطس 1973، أي قبل حرب أكتوبر المجيدة بـ54 يوماً كاملة، أصدر قسم العمليات في قاعدة البحر الأحمر البحرية، أمر عمليات يظهر في أعلى الورقة عبارة «سري للغاية»، والتي حملت أمر مهمة رقم (31/73).

أما متلقي الأمر؛ فكان عقيد بحري أركان حرب مصطفى كمال منصور، قائد مجموعة مدمرات البحر الأحمر، وهو الاسم نفسه الذي تذكره شهادات لاحقة بوصفه قائد عملية حصار باب المندب.

ويروي اللواء دكتور سمير فرج، أحد ضباط هيئة عمليات القوات المسلحة إبان حرب أكتوبر المجيدة، أن «منصور»، تحرك بالقطع البحرية في أغسطس 1973 إلى عدن تحت غطاء الرحلة المعتادة نحو «كراتشي» في باكستان لأعمال العَمرة للسفن، دون أن يكون الإسرائيليون قد اكتشفوا الغرض الحقيقي للتحرك.

ثم تبدأ الوثيقة بعنوان لا يحتمل التأويل، وهو «العدو»، ويسجل بندها الأول أن للعدو بعض الوحدات في البحر الأحمر يتمركز بعضها في شرم الشيخ، والبند الثاني هو ربما أهم سطر استخباراتي في الورقة كلها، وهو أن العدو يستخدم ناقلات تجارية بالبحر الأحمر لنقل البترول والبضائع.

أما البند الثالث، من الوثيقة؛ فيسجل قيام «العدو» من آن إلى آخر بنشاط جوي، في مناطق سفاجا، والغردقة، وبرنيس، وهذه ليست «معلومات حشو» داخل أمر عسكري، ولكنها شرح مختصر للمنطق الذي بُنيت عليه العملية كلها، وهي أن «العدو» موجود في البحر الأحمر، لديه نقاط ارتكاز، لكن الأهم أنه يستخدم البحر كشريان اقتصادي ولوجيستي.

ثم يأتي عنوان «الوحدات المشتركة»؛ حيث حددتها الوثيقة السرية للغاية بأنها سفن «الفاتح»، و«الظافر»، وهما مدمرتان ستتكرر أسماؤهما في الوثيقة الثانية بعد سبعة أسابيع.

بعد ذلك تظهر «المهمة» في البند الخامس، في أربع كلمات تقريباً تختصر المرحلة الأولى بأكملها، وهي «إعادة التمركز بميناء عدن»، ولا تذكر الوثيقة هنا «إغلاق باب المندب»، ولا تقول إن الحرب ستبدأ في أكتوبر، ولا تشرح حتى الغرض النهائي من تمركز المدمرتين في «عدن».

وهذه في حد ذاتها إحدى سمات التخطيط العسكري؛ فالأمر في هذه المرحلة يقول للوحدة ما ينبغي فعله في هذه المرحلة، وهو التوجه من «سفاجا» إلى «عدن».

وتحت عنوان «طريقة التنفيذ»، يحدد البند السادس مغادرة وحدات المجموعة، أي «الفاتح» و«الظافر»، ميناء سفاجا في 13 أغسطس 1973، أما البند السابع فيأمر بتنفيذ مخطط إبحار معين لـ«المجموعة»، والبند الثامن يقول إنه بعد الوصول إلى ميناء عدن تعمل المجموعة طبقاً لتعليمات شعبة العمليات البحرية.

وهو تفصيل مهم للغاية من ناحية القيادة والسيطرة؛ فالوصول إلى عدن لم يكن إنهاءً للمأمورية، ولكن كان نقل القوة إلى موضع تنتظر فيه تعليمات المرحلة التالية.

تساند شهادة العميد بحري أركان حرب عدلي محمد عبدالرحمن عطية، هذا التفسير من داخل لواء المدمرات نفسه؛ فـ«عطية» كان في 1973 رئيس عمليات وتدريب ورئيس أركان لواء المدمرات بالإنابة، وذكر أن المدمرات المصرية كانت موزعة جنوباً عند باب المندب وغرباً قرب الدول العربية في المتوسط لقطع خطوط مواصلات العدو، وأن وجود وحدات البحر الأحمر في عدن منحها عمقاً بعيداً عن تأثير الطيران الإسرائيلي.

التخطيط بدأ في «1971» بأوامر التجهيز لـ«التصدى للسفن بدون غطاء جوى».. ووفد عاين أماكن جزر «المضيق» ونسّق تحركات «المدمرات والغواصات» سراً

كان «عطية» نفسه، هو الرجل الذي أشرف على عُمرة المدمرتين «الفاتح» و«الظافر» في باكستان خلال «1972-1973»، وعلى تمركز وحدات مجموعة مدمرات البحر الأحمر في بورسودان بين «1971 و1973»، أي إن حكاية «العُمرة في باكستان» لم تكن غطاءً مختلقاً بلا أساس، بل كانت نمط تحرك حقيقياً ومألوفاً يمكن أن يوفر للخداع مصداقيته.

وهنا تكتمل إحدى أذكى حلقات الخداع؛ فإذا كانت المدمرات قد اعتادت بالفعل السفر إلى باكستان للصيانة، فإن مرورها بـ«عدن» لا يبدو في ظاهره «نذير حرب».

لكن بقية «أمر 13 أغسطس» تكشف أن الأمر لم يكن مجرد رحلة بحرية روتينية؛ فتحت عنوان «أمن القتال» تأتي سلسلة دقيقة من التعليمات؛ فالبند رقم 9 يتضمن تنفيذ جميع احتياطات الأمن واتخاذ الإجراءات اللازمة ضد الكمائن البحرية، والبنود التالية تتضمن تنفيذ قواعد العمل بسفن القوات البحرية، وتنفيذ قواعد قتال المدمرات، وتنفيذ القواعد الدولية لمنع الحوادث أثناء تنفيذ المهمة، ومراعاة أخبار الملاحة أولاً بأول، وتنظيم وتشديد المراقبة الفنية والبصرية طوال فترة الإبحار.

الجيش الإسرائيلي توقع التصدي للسفن من «مدخل خليج العقبة».. والتنفيذ في «باب المندب» منعه من استخدام «الطيران» لحماية السفن

أوامر القتال فرّقت بين السفن الإسرائيلية والمحايدة: تدمير السفن المعادية ومنع السفن المتجهة لـ«إيلات» وعدم التعرض للملاحة التجارية المحايدة

الصفحة الثانية من «أمر العمليات»، وتحمل كذلك تصنيف «سري للغاية»، تتضمن النص على تنظيم جميع أنواع الدفاعات طبقاً لتعليمات قتال المدمرات، وأن تكون «المجموعة» في درجة «الاستعداد الثانية» طوال فترة الإبحار، على أن ترفع إلى «الدرجة الأولى» بمجرد اكتشاف وحدات معادية.

أما البند 18 فيعطي المرتبة الأولى لأمن وسلامة وحدات المجموعة والأفراد، وهذا وحده يكفي لنفي فكرة أن المدمرتين كانتا في انتقال إداري لا علاقة له باحتمال الاشتباك.

وبعد «أمن القتال» أتت «تعليمات الإشارة»؛ فـ«البند 19»، تضمن تنفيذ تعليمات مواصلات مرفقة، ثم البند 20 يحدد المواقف التي يتعين الإبلاغ عنها أثناء المهمة، وهي ثلاثة أنواع ذات دلالة شديدة، وهي تمام المغادرة والوصول، وكل الأعطال والحوادث التي تؤثر على تنفيذ المهمة، وأخيراً الاكتشاف أو الاشتباك مع أهداف معادية.

أي إن القيادة كانت تريد، لحظة بلحظة، معرفة هل خرجت القوة؟ هل وصلت؟ هل أصابها ما يعطل المهمة؟ وهل اكتُشفت أو اشتبكت مع العدو؟، ومن يتحكم في المدمرتين؟

وحتى «منظومة القيادة» حُددت بنصوص منفصلة؛ ففي «البند 21»، تكون السيطرة مركزية لقائد القاعدة من مركز القيادة بميناء سفاجا في نطاق عمليات القاعدة وخلال الوجود في الجمهورية، ثم تصبح السيطرة مركزية لقائد القوات البحرية من مركز القيادة الرئيسي «الدائم» خارج نطاق عمليات القاعدة، والقيادة بالبحر لقائد مجموعة المدمرات من على سفينة القيادة.

وهنا نرى بوضوح ثلاثة مستويات، وهي قاعدة البحر الأحمر، القيادة الرئيسية للقوات البحرية، وقائد القوة الموجودة بالفعل في البحر.

ثم تأتي أسماء ضباط لا ينبغي إسقاطها من الرواية؛ فيظهر من الجانب الأيمن للوثيقة، توقيع العميد بحري أركان حرب محمد حسين أحمد حسين، بصفته رئيس قسم العمليات، وفي الجانب الآخر يظهر توقيع قائد قاعدة البحر الأحمر البحرية، وهو العميد أركان حرب محمود توفيق جمعة.

ولا تنتهي قيمة الورقة عند التوقيعات؛ فأسفلها جدول توزيع يكشف إلى أين ذهبت صور الأمر، وهي قيادة مجموعة مدمرات البحر الأحمر، وشعبة العمليات البحرية، وإلى «مركز الاتصال 155»، والحفظ، وهي حلقات القيادة والتنفيذ والاتصال في تلك «العملية».

ثم يمر أغسطس، ويمر سبتمبر، وتظل القوة في الجنوب، حتى تأتي ورقة أخرى؛ ففي «1 أكتوبر 1973» تغيرت اللغة، لتظهر وثيقة أمر عمليات ثانية مختلفة شكلاً ومضموناً؛ فالوثيقة كتبت بخط اليد، من شعبة العمليات البحرية في قيادة القوات البحرية، صادرة قبل حرب أكتوبر المجيدة بـ5 أيام، وتحمل «أمر مهمة» رقم «8/73».

ويظهر توجيهها إلى العميد بحري أركان حرب مصطفى منصور، قائد تشكيل المدمرات، كما تظهر خريطة بحرية وغيرها، وتشير إلى أنه لا تغيير في معلومات استخدام العدو للبحر الأحمر وفق آخر تقارير الاستطلاع.

لكن المهمة نفسها واضحة بصورة استثنائية في «الوثيقة»؛ فلم تعد العبارة «إعادة التمركز في عدن»، ولكن أصبحت: «التعرض لخطوط مواصلات العدو البحرية جنوب خط العرض 16 حتى باب المندب باستخدام عدد 2 مدمرة».

هنا سقط الغطاء الإداري، وأصبح الهدف هو خط المواصلات البحرية الإسرائيلي نفسه، وتشرح الفقرة التالية، «فكرة التنفيذ»، أن المدمرتين «الظافر» و«الفاتح» تتحركان أو تمران على خطوط مرور بما يجعل السفن التجارية تقع داخل نطاق يسمح بتمييز جنسيتها.

وهذه نقطة مركزية في العملية؛ فلم يكن المطلوب إطلاق النار على كل ما يعبر، ولكن المطلوب كان معرفة: مَن هذه السفينة؟ تحت أي علم تبحر؟ وإلى أين تتجه؟، ثم تأتي «طريقة التنفيذ».

الأمر يحدد مغادرة «الفاتح» و«الظافر» ميناء عدن في 6 أكتوبر، بشرط ألا يتأخر التحرك عن الساعة 12 ظهراً، ثم العبارة الأهم: «يبدأ تنفيذ المهمة الساعة 4 عصر اليوم نفسه»، أي إن الورقة المكتوبة في 1 أكتوبر كانت تحمل داخلها بالفعل تاريخ 6 أكتوبر، وتربط القوة البحرية مسبقاً بيوم العمليات، لكن اللواء سمير فرج، يروي أن الأوامر تغيرت، وأن السفن بدأت مهامها في تمام الساعة الثانية والربع ظهراً، بدلاً من الرابعة عصراً، بعد ورود تعليمات لها بهذا الصدد.

وهذه واحدة من أثمن ما تكشفه الوثيقة؛ فهي لا تقول بعد وقوع الحرب إن البحرية تحركت إلى باب المندب، وإنما تقول قبل الحرب بخمسة أيام: في السادس من أكتوبر، عند هذا الموعد، ينبغي أن تكون المدمرتان قد غادرتا عدن، ثم يبدأ تنفيذ المهمة.

بعد ذلك تحدد الورقة قواعد التعامل؛ فتنص على تدمير السفن التي تحمل أو ترفع العلم الإسرائيلي، في البحر الأحمر، ويشير النص إلى تلك الداخلة إلى البحر الأحمر أو الخارجة منه.

ثم يأتي قيد مختلف تماماً تجاه الطرف الآخر، وهو: «لا يتم التعرض للسفن التجارية المحايدة المتجهة جنوباً»، أي الخارجة من البحر الأحمر، وهذا السطر ليس هامشياً، وإنما يعكس المعضلة القانونية التي تعاملت معها مصر باحترافية.

«متولي»: العملية استمرت 8 أشهر.. و«فرج»: «العدو» طلب فتح «باب المندب» أكثر من مرة

ويصف عميد بحري متقاعد محمود متولي، مؤسس الصالون البحري المصري، ما حدث بأن القوات البحرية سيطرت على «باب المندب»، ومارست حق الزيارة والتفتيش واعترضت السفن التجارية لمنع وصولها إلى إيلات، بينما استمرت في حماية خطوط الملاحة والموانئ المصرية، موضحاً أن العملية استمرت 8 أشهر كاملة بعد بدء تنفيذها.

وبعد وقف إطلاق النار، أصبح «باب المندب» ورقة سياسية ظاهرة، وفي مؤتمر صحفي للرئيس الراحل محمد أنور السادات مع ممثلي الصحافة العالمية في القاهرة، نُشرت وقائعه في 1 نوفمبر 1973، تحدث الرئيس بنفسه عن رسالة وصلت إليه عبر الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف من رئيس الوزراء البريطاني إدوارد هيث، وفحوى الرسالة كما رواه السادات كان: «أنت محاصر لنا، باب المندب والبحر الأحمر»، مقابل طرح يتعلق بالعمليات في نطاق الجيش الثالث الميداني إبان الحرب.

والأهم هو رد السادات، وهو رفض التعامل مع «باب المندب» باعتباره تنازلاً منفصلاً، وقال إن بحثه يكون عند الانتقال إلى فصل القوات المتحاربة.

وهنا يتغير وزن العملية تماماً؛ فالسفينتان اللتان تحركتا من سفاجا في أغسطس تحت أمر «إعادة التمركز»، أصبحتا بعد أقل من ثلاثة أشهر جزءاً من «ورقة تفاوض» على أعلى مستوى تتصل بوقف إطلاق النار، ووضع الجيش الثالث، وفصل القوات.

«الجمسي»: «العملية وجعتهم أوي»

هذه النتيجة تظهر بصورة أكثر درامية في شهادة اللواء أركان حرب سمير فرج، والذي كان موجوداً في «مركز العمليات» خلال الحرب، وروى لاحقاً مشهد عودة الفريق محمد عبدالغني الجمسي من مباحثات الكيلو 101 مع الجانب الإسرائيلي، والذي دخل لإطلاع المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية حينها، على ما حدث، وكان تعليقه قبل إغلاق الباب: «موضوع قفل باب المندب وجعهم قوي».

ثم شرح أن الطلب الإسرائيلي بفتح المضيق كان يتكرر خلال المباحثات، وأن الجنرال أهارون ياريف أعاد تذكير الجمسي بالموضوع حتى عند مغادرته.

ويعطي اللواء بحري محمود متولي تفسيراً عسكرياً أكثر منهجية؛ فيقول إن العملية لها مستويان، الأول هو الضغط على الاقتصاد الإسرائيلي من خلال حرمان إسرائيل من إمدادات البترول المنقولة بحراً، والثاني تعبوي، وهو مساندة القوات البرية القريبة من الساحل بالنيران، وقصف الأهداف الحيوية، وتأمين نطاق عمل البحرية وموانئ مصر ومراسيها.

ويقول «متولي» إن السيطرة على باب المندب وحق الزيارة والتفتيش ومنع السفن من الوصول إلى «إيلات»، أفقد الميناء قيمته التشغيلية، وأفقد إسرائيل منفذها الوحيد على البحر الأحمر، فيما بقيت الموانئ المصرية تعمل، كما يذكر أن إيلات أصبح مغلقاً أمام النقل البحري الإسرائيلي اعتباراً من 8 أكتوبر بحسب روايته.

وهذا التفصيل يسمح بفهم أن الحصار لم يكن «معركة بحرية» بالمفهوم السينمائي؛ ففي الحقيقة، نجاحه كان في أن يمنع المعركة أحياناً؛ فإذا علمت شركات النقل وقباطنة السفن وشركات التأمين أن الطريق إلى إيلات أصبح معرضاً للاعتراض والتفتيش والخطر، فقد يتوقفون من تلقاء أنفسهم عن استخدامه.

الفريق فخري أشرف رفعت، رئيس شعبة العمليات إبان «التنفيذ»، قال في شهادته، إن القوات أوقفت 197 سفينة متجهة إلى إسرائيل خلال «العملية».

ومن هنا تصبح الوثيقتان معاً أهم من كل واحدة منفردة؛ فالأولى تشرح كيف وصلت القوة قبل الحرب، والثانية تشرح لماذا كانت هناك وماذا ستفعل في السادس من أكتوبر؛ في حرب جرى التحضير لها بالصمت.

ووصف «سمير فرج»، العملية بأنها «الحصار البحري عن بُعد»، ويقول إن الفكر الإسرائيلي كان يتوقع إذا حاولت مصر عرقلة ملاحة إسرائيل في البحر الأحمر أن يكون ذلك حول مدخل خليج العقبة، أي داخل نطاق يمكن للطيران الإسرائيلي التعامل معه، لكن باب المندب «قلب المعادلة»؛ فأصبح على إسرائيل أن تتعامل مع تهديد بعيد جغرافياً عن مركز قوتها، عند نقطة إذا أُغلقت في وجهها فقدت إيلات اتصالها الطبيعي بالجنوب.

والنتيجة كانت أن حرب أكتوبر لم تجعل سيناء وحدها ميداناً للمواجهة؛ فلقد امتد المسرح من قناة السويس إلى مدخل البحر الأحمر؛ فعندما كانت القوات المصرية تقتحم الساتر الترابي شرق القناة، كان على بعد مئات الأميال رجال آخرون ينفذون جزءاً مختلفاً من المعركة: لا يستولون على أرض، وإنما ينتزعون من إسرائيل حرية استخدام البحر.

وحين انتهى إطلاق النار، بقيت قيمة ما فعلوه واضحة في مكان آخر تماماً على طاولة المفاوضات؛ فمن أمر «سري للغاية» في أغسطس، إلى ورقة مكتوبة بخط اليد في الأول من أكتوبر، إلى مفاوضات الكيلو 101، ظلت الفكرة واحدة، والوصول إلى شريان إسرائيل قبل أن تبدأ الحرب.. ثم إغلاقه عندما تأتي ساعة الصفر.

1 مصدر الصورة 2 مصدر الصورة 3 مصدر الصورة


*
*