على ضوء القرار المصرى الحاسم، ببدء العمل على كافة المستويات «لإزالة آثار العدوان الإسرائيلى»، وتحرير كافة الأراضي المصرية المحتلة.

دخلت القيادة السياسية والعسكرية المصرية عقب نكسة 1967، في خضم جهد مضنى للعمل على إعادة تجهيز وحدات الجيش المصري المختلفة، لتحقيق هذا الهدف، وهو جهد كان يسير قدمًا وسط ظروف داخلية وإقليمية ودولية صعبة، وطبقاً لمحددات أساسية ترتبط بضرورة ان تسير جهود إعادة التجهيز هذه، جنباً إلى جنب مع جهود الحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية– خاصة على المستوى الاقتصادى– وفي نفس الوقت مواجهة الخروقات الإسرائيلية على المستوى الميدانى.

وحقيقة الأمر أن هذه الجهود مثلت تطبيقاً مثالياً لنظرية «الاستراتيجية العليا» التى وردت فى كتاب «الاستراتيجية» للمؤرخ العسكرى البريطانى الأشهر «ليدل هارت»، ومفادها أن الدور الأساسى للاستراتيجية العليا، يتمثل فى «تنسيق وتوجيه كل موارد الأمة، أو مجموعة من الأمم، نحو تحقيق الهدف السياسى للحرب»، بحيث يتم تطوّير الموارد الاقتصادية والقوى البشرية للأمة، من أجل دعم القوات المقاتلة، بحيث يتم تنظيم توزيع القوة بين الأفرع العسكرية المختلفة، وبين الخدمات العسكرية والقطاع الصناعى، ما ينعكس إيجاباً على الروح المعنوية والإرادة الشعبية. بمعنى آخر ضرورة أن تتجاوز الجهود المبذولة فى وقت الحرب، إطار الهدف الضيق للعمليات العسكرية، لتشمل المراعاة الكاملة للظروف والأهداف المرجوة من مرحلة ما بعد الحرب.

- الموقف العام عقب النكسة مباشرة:

شكّل تعيين الفريق أول محمد فوزى قائدًا عامًا للقوات المسلحة، خلفًا للمشير عبد الحكيم عامر، أولى خطوات إعادة بناء الهيكل القيادى فى الجيش المصرى عقب نكسة ١٩٦٧. وشملت التعيينات الجديدة الفريق عبد المنعم رياض رئيسًا لهيئة الأركان، والفريق طيار مذكور أبو العز قائدًا للقوات الجوية، والفريق صلاح محسن مساعدًا لشؤون التدريب. وفى لقاء عقده فوزى مع الرئيس جمال عبد الناصر فى الحادى عشر من يونيو ١٩٦٧، قُدّرت خسائر التسليح بنحو خمسة وثمانين فى المائة فى القوات البرية والجوية والدفاع الجوى، فى حين نجت البحرية نسبيًا. وبدأت عمليات التعويض فورًا بوصول نحو مائتى طائرة مقاتلة، منها أربعون قدمتها الجزائر والباقى من الاتحاد السوفيتى، إضافة إلى إحدى وخمسين قاذفة من طراز سوخوي-٧.

على مستوى التشكيلات المصرية، أصدر الفريق فوزى نداءات لعناصر القوات المسلحة الذين عادوا من سيناء، للبدء فى إعادة التجميع فى مناطق محددة، بهدف إعادة هيكلة الفرق القتالية الرئيسية، وهى فرق المشاة ٢ و٣ و٦، والفرقة الرابعة المدرعة، بهدف أساس وهو إنشاء خط دفاعى بشكل عاجل غرب القناة، كخطوة اول ضمن مسار طويل حدده الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، يقتضى الانتهاء من إعداد القوات المسلحة لمعركة تحرير الأراضى المحتلة، بمدى زمنى لا يزيد على ٣ سنوات، للحيلولة دون قيام إسرائيل بإجراءات تمس بهوية سيناء وديموجرافيتها، بالشكل الذى يؤثر على مستقبلها كأرض مصرية.

- تجهيز الأرضية المشتركة للتعاون التسليحى مع موسكو:

كان الاتحاد السوفيتى البوابة الأساسية للتسلح المصرى فى تلك المرحلة. وبدأ فى التاسع من يونيو ١٩٦٧ جسر جوى وبحرى شمل خمسمائة وخمسين رحلة جوية ومائة وخمسين رحلة بحرية نقلت ثمانية وأربعين ألف طن من المعدات. وعُقدت بين عامى ١٩٦٧ و١٩٧٠ خمسة لقاءات قمة رسّخت التعاون، بدأت باستجابة سريعة لطلبات مصر شملت أربعين طائرة ميج-٢١ وألفًا ومائتى مستشار، ثم صفقة بقيمة مائتى مليون دولار وزيادة عدد المستشارين، فتعهدات بتدريب الطيارين وإرسال صواريخ سام-٣، ثم أكبر صفقة حتى ذلك الحين وتضمنت اثنتين وثلاثين كتيبة سام-٣ وخمسًا وثمانين طائرة ميج-٢١ وخمسين قاذفة سوخوي-٩، وانتهت باتفاق على أجهزة حرب إلكترونية ولواء سام-٦ وطائرات ميج-٢٥ وفرقاطات ومعدات عبور. وامتد التعاون إلى يوغسلافيا وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا، ثم أُبرمت صفقات لاحقة فى عهدى الفريق محمد أحمد صادق والفريق أحمد إسماعيل على شملت دبابات تي-٦٢ وناقلات بى إم بي-١ وصواريخ سكود وسام-٦ وطائرات سوخوى وميج-٢٣.

- إعادة ترتيب الهيكل القيادى والإدارى للقوات المسلحة المصرية:

ارتكزت الاستراتيجية المصرية فى هذا الصدد، على أربع مهام متوازية: ضبط العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية، ورفع القدرة القتالية بمعدلات تقييم دورية، ووضع خطط التحرير، وإعداد مسرح العمليات والجبهة الداخلية. وصدر قانون رقم ٤ لسنة ١٩٦٨ كأول تشريع ملزم ينظم شؤون الدفاع والقيادة والسيطرة، مؤكدًا صلاحيات رئيس الجمهورية قائدًا أعلى، ومانعًا للازدواجية، ومرسيًا مبدأ القرارات الجماعية. ووُحّدت قمة القيادة العامة بإلغاء مكتبى القيادة العليا ورئيس الأركان، ودُفعت أعداد كبيرة من ضباط أركان الحرب إلى الهيئات، وحُددت مسؤوليات قادة الأفرع وهيئات العمليات والتنظيم والتسليح والتدريب والتفتيش والإمداد والشؤون الفنية والمالية.

تحملت إدارة المهندسين العسكريين العبء الأكبر فى إعداد مسرح العمليات. فصممت للقوات الجوية «الدشمة المصرية» المقاومة لقنبلة وزنها خمسمائة رطل، وأنشئ أكثر من خمسمائة دشمة مع تحصينات تحت الأرض وممرات جديدة ومخازن محصنة. أما الدفاع الجوى فقد جُهزت مواقعه فى شهر واحد فقط بنظام عمل ثلاثى الدورات، مع إنشاء ثلاثمائة ملجأ أسمنتى ومائة وخمسين دشمة أصلية ومثلها تبادلية، إضافة إلى مواقع خداعية. وعلى خط الجبهة مُدت خطوط مواسير مياه جديدة، وحُوّلت أنابيب بترول إلى مسارات مياه، وأُعيد تشغيل السكك الحديدية، وأُقيمت مخازن استراتيجية وجسور وكابل محورى للاتصالات، إلى جانب ثمانين وحدة جسور ومعديات للعبور، مع تطوير مضخات دفع المياه لفتح الثغرات فى الساتر الترابى.

- تجهيز العنصر البشرى فى المنظومة العسكرية المصرية:

شهد منتصف عام ١٩٦٩ تحولًا تدريجيًا لصالح مصر مع استقرار الجيش الإسرائيلى فى مواقعه وبدء خسائره اليومية، فى حين دعمت ثورتا السودان وليبيا العمق الاستراتيجى المصرى. ونُقلت مراكز تدريب وكليات إلى الصعيد والسودان وليبيا، وانتشرت القطع البحرية غير المشاركة فى موانئ ليبية وسودانية. وأُدخل تعديل جذرى على نظام التجنيد برفع نسبة خريجى الجامعات والمؤهلات العليا إلى ما بين خمسة وستين وسبعين فى المائة من المجندين، مقابل نحو ثلاثة فى المائة سابقًا، فأحدث ذلك نقلة نوعية فى تشغيل المنظومات المعقدة. ومُنح التدريب أولوية قصوى تحت إشراف ميدانى مباشر، مع ضرب النار الحى فى نطاق الجبهة، ومضاعفة استهلاك الذخيرة والوقود أكثر من عشرين مرة، ومضاعفة ساعات الطيران والإبحار ثلاث مرات. وأصبح عبور القناة تدريبًا إلزاميًا متكررًا أطلق عليه الجنود «طابور العبور»، حتى جرى تنفيذه معصوب الأعين، وارتفعت المشروعات العملية إلى نحو أربعمائة مشروع سنويًا على مستوى الفرقة. ورُفعت طاقة تخريج الطيارين إلى ما بين ثلاثمائة وأربعمائة طيار سنويًا، وأُنشئت مراكز تدريب إضافية للدفاع الجوى والبحرية، وشُكل الجيش الشعبى منتصف عام ١٩٦٨ من أهالى المناطق لحماية نحو أربعة آلاف هدف حيوى.

وقد تجنبت الوحدات المدرعة المصرية – فى تدريباتها للتجهيز لحرب أكتوبر – التركيز على تكتيكات المواجهة المباشرة «دبابة ضد دبابة»، وبدلاً من ذلك تم العمل على تخصيص الدبابات المصرية لتعمل كمدفعية مضادة للدبابات مرتبطة بالأرض. وسُلحت قوات المشاة بصواريخ مالوتيكا بمدى أربعة آلاف متر، وبمدافع عديمة الارتداد وقاذف آر بى جي-٧، وطُورت استراتيجية «كمائن اصطياد الدبابات» بدفع فرق مشاة مسلحة بهذه الصواريخ إلى أجناب تقدم الدروع الإسرائيلية. كما أظهرت إدارة البحوث العسكرية، ابتكارات محلية شملت تعديل الطائرات لزيادة المدى والحمولة وتطوير معدات العبور.

- إعادة بناء الدفاع الجوى المصرى:

مواقع تقريبية لانتشار الدفاعات الجوية المصرية بتاريخ ٥ أكتوبر- ١٩٧٣

تأسست قوات الدفاع الجوى كقوة رابعة مستقلة فى الثالث والعشرين من يونيو ١٩٦٩ بقيادة اللواء أركان حرب محمد على فهمى، بعد أن كانت جزءًا من المدفعية ودُمرت بنسبة خمسة وثمانين فى المائة. وحددت الاستراتيجية الجديدة هدف «حرمان العدو من التفوق الجوى» عبر شبكة قادرة على التعامل مع الأهداف متعددة الاتجاهات والمنخفضة، والتكيف مع التشويش الإلكترونى، بدعم رادارى متكامل، وموازنة الكم والنوع، وتحصينات وتمويه ومناورة، ومركز قيادة مستمر، ودعم لوجستى سريع، وتدريب عالٍ.

ومع بداية عام ١٩٧٣ وصلت شبكة حائط الصواريخ المصرية إلى صورتها النهائية بـ٣٨ كتيبة فى خطوط متداخلة ومتكاملة من منظومات سام-٢ العادية والمعدلة وسام-٣، لتغطية كامل الجيشين الثانى والثالث من بحيرة المنزلة حتى جبل عتاقة، مع تدعيم الأجناب بمنظومات سام-٧ الكتفية لتفادى الهجمات المنخفضة. شملت الأنظمة سام-٢ للارتفاعات العالية (٣-٢٢ كم)، وسام-٣ للمتوسط والمنخفض، وسام-٦ المتحرك لمرافقة القوات البرية، وسام-٧ الكتفى، بالإضافة إلى مدفعية الشيلكا، مع الاعتماد على شبكات متكاملة لتعويض ضعف الاشتباك مع أكثر من هدف فى وقت واحد.

وتُعد عملية بناء الدفاع الجوى تجسيداً للعبقرية المصرية، إذ جرى البناء التدريجى للشبكة الفعالة بالتوازى مع استمرار المعارك ضد سلاح الجو الإسرائيلى المتفوق. اعتمدت الاستراتيجية على دراسة مستمرة لأساليب الخصم وتحديد نقاط ضعفه، والتكامل بين المنظومات، والمرونة والحركة مع الخداع والتمويه وتغيير المواقع، والتكيف مع الأسلحة الجديدة والتشويش الإلكترونى، وأخيراً التدريب المكثف للكوادر البشرية، مما مكن الدفاع الجوى من إفشال كل محاولات إحباط البناء والمساهمة فى النصر.

- إعادة بناء القوات الجوية المصرية:

خسرت القوات الجوية المصرية، نحو خمسة وثمانين فى المائة من قوتها الضاربة فى الخامس من يونيو ١٩٦٧، فبدأت فورًا إصلاح المطارات، وشرعت القيادة السياسية المصرية بتقديم طلب مباشر إلى الاتحاد السوفيتى لتعويض خسائر الطائرات، فوافق السوفييت وبدأوا عملية «القوقاز» بجسر جوى ضخم قوامه ٢٠٠ طائرة شحن أنتونوف-١٢ لنقل مقاتلات تُركَّب فى مصر. غير أنهم رفضوا إمداد مصر بأى قاذفات قنابل متوسطة أو بعيدة المدى، واكتفوا بالمقاتلات الاعتراضية والمستشارين، ثم أرسلوا ستة أسراب ميغ-٢١ بطياريها الروس إلى جانب طائرات استطلاع متنوعة.

أما قيادة سلاح الجو المصرى فقد حددت أربعة أهداف رئيسية: استعادة الروح المعنوية سريعاً عبر هجمات مبكرة على مواقع العدو شرق القناة أسقطت ثلاث مقاتلات إسرائيلية، وتطوير أساليب الانتشار الدفاعى بساعات عمل طويلة ثم مظلات تبادلية بين القواعد لتمكين التدريب القتالى، وتعديل التكتيكات نحو هجمات خاطفة منخفضة الارتفاع بأقل من ٣٠ متراً مع تعدد الاتجاهات ومهاجمة الرادارات، وأخيراً تطويع المعدات مثل تركيب كاميرات إنجليزية أدق على السوخوى-٧ وزيادة حمولة الذخائر من الصواريخ حرة التوجيه والقنابل الجوية.

- القوات البحرية المصرية وتعديل المقاربة الأستراتيجية:

تضمنت خطة إعادة تنظيم القوات المسلحة بعد ١٩٦٧ تعديلات محدودة لكنها جوهرية على القوات البحرية، نظراً لعدم تعرضها لخسائر كبيرة مقارنة بالقوات الأخرى. شملت هذه التعديلات نقل تبعية قيادة ووحدات المدفعية الساحلية من إدارة مدفعية الميدان إلى قيادة القوات البحرية، لتوحيد المهام وجعلها فرعاً أساسياً مكملاً لواجبات البحرية، مع تولى القيادة وضع خطط التدريب وتطوير الأسلحة والمعدات ومشاركتها فى العمليات المشتركة. ولعلاج النقص فى أجهزة الاستطلاع البحرى والكشف الرادارى والأسلحة المضادة للطائرات، جرى تعديل عقود سوفيتية سابقة بقيمة نحو ٥٠ مليون جنيه كانت مخصصة لتوريد قطع جديدة، وتوجيهها لتوفير الأجهزة والمساعدات اللازمة لرفع كفاءة القطع الموجودة دون زيادة عددها.

على المستوى التسليحى، عانت البحرية المصرية فى المرحلة السابقة لعام ١٩٦٧، من عدم توازن فى عناصر القتال، حيث غلبت المدمرات والفرقاطات المتنوعة المنشأ، مع كثرة الغواصات الشرقية المحدودة القدرات، وغياب الزوارق السريعة المسلحة بالمدفعية، والاعتماد على عدد محدود من زوارق الطوربيد وكاسحات الألغام. ونظراً لأن التطوير الشامل كان يتطلب وقتاً يتجاوز فترة الاستعداد لمعركة التحرير، تركز الجهد على رفع الكفاءة القتالية للأفراد وصيانة وتطوير المعدات القائمة، مدعوماً بالمساعدات الفنية والتدريبية للمجموعة البحرية السوفيتية الخامسة فى المتوسط، وإنشاء حوض جاف بميناء الإسكندرية، واستقدام أطقم إصلاح متخصصة، مما أسهم بشكل حاسم فى رفع جاهزية القطع البحرية.

فى الختام، يمكن القول إن الفترة الممتدة من يونيو ١٩٦٧ إلى أكتوبر ١٩٧٣ مثلت واحدة من أكثر عمليات إعادة بناء القوة العسكرية شمولاً فى التاريخ العسكرى المصرى الحديث. فقد انتقلت القوات المسلحة خلال ست سنوات من حالة اتسمت بالخسائر الواسعة واختلال القيادة ونقص المعدات والقصور فى الدفاع الجوى إلى مؤسسة عسكرية أعادت بناء هياكلها القيادية، وطورت منظومات تسليحها، ورفعت مستوى تدريبها، وأعادت تنظيم مواردها البشرية، وأعدت مسرح عملياتها، وطورت قدرتها على العمل المشترك بين الأفرع والأسلحة.

وقد أظهرت الخطة المصرية لإعادة التسلح بعد نكسة ١٩٦٧، أن قيمة منظومة التسليح لا تتحدد فقط بخصائصها الفنية الأصلية، وإنما بقدرة المستخدم على فهمها وتكييفها مع متطلبات المعركة. كما أنه لا يمكن الاعتماد بشكل حصرى على المعدات الحديثة لتغيير القدرة القتالية، ولذلك كانت التوجهات المصرية لإعادة بناء العنصر البشرى بالتوازى مع إعادة التسليح، حاسمة فى تحقيق نتائج مبهرة عام ١٩٧٣. كذلك كشفت هذه التجربة أن إعادة بناء القيادة والسيطرة فى حالات الهزيمة العسكرية، يجب أن تكون موازية لإعادة بناء القوة النارية. فإزالة ازدواجية القيادة، وتحديد المسؤوليات، وتنظيم العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية، ودمج الأفرع فى هيئات القيادة العامة، كلها إجراءات هدفت إلى ضمان أن تصل الموارد الجديدة إلى الوحدات وأن تُستخدم بصورة متكاملة. وبالتالى، فإن القوة العسكرية لا تنتج من السلاح وحده، وإنما من المؤسسة القادرة على إدارة السلاح.

كذلك تميزت المرحلة السابقة لحرب أكتوبر بإعادة تعريف وظيفة التدريب، فلم يعد الهدف مجرد إكساب الفرد مهارة استخدام السلاح، وإنما بناء القدرة على تنفيذ المهمة فى الظروف التى يُتوقع أن تجرى فيها الحرب. لذلك تكررت تدريبات العبور، والمناورات المشتركة، وضرب النار، ومحاكاة خطط الحرب، والتدريب على مسرح مشابه لمسرح العمليات. وهذه النقلة أسهمت فى تقليص الفجوة بين التدريب والقتال الحقيقى. يضاف إلى ذلك تمكن القيادة المصرية من تحويل دروس الهجمات الإسرائيلية المتتالية إلى عملية تطوير مستمرة لمنظومة الدفاع الجوى. فقد انتقلت من الدفاع الخطى إلى الدفاع المتداخل، ومن الثبات إلى الحركة، ومن الاعتماد على منظومة منفردة إلى التكامل بين الصواريخ والمدفعية والرادارات والتمويه والخداع. وبذلك أصبح الدفاع الجوى نموذجاً واضحاً لقدرة المؤسسة العسكرية على التعلم من الخصم وتعديل العقيدة أثناء استمرار الصراع.

والأهم من ذلك أن التجربة لم تقم على افتراض إمكانية إزالة التفوق الإسرائيلى بمجرد امتلاك معدات مماثلة، وإنما على إعادة تعريف مفهوم القوة العسكرية المصرية. فقد أصبح التفوق المطلوب تفوقاً فى القدرة على توظيف الموارد المتاحة، واستيعاب التكنولوجيا، وتكييفها، والتعلم من الخصم، وإدارة المعركة ضمن إطار عملياتى محدد. ولذلك تحولت نقاط الضعف التى كشفتها حرب ١٩٦٧ إلى برامج لإعادة البناء، وتحولت الخبرة القتالية لحرب الاستنزاف إلى مصدر مستمر للتعلم والتطوير.

وعليه، فإن الدرس الاستراتيجى الأوسع الذى يمكن استخلاصه من تجربة مصر بين ١٩٦٧ و١٩٧٣ يتمثل فى أن إعادة بناء القوة العسكرية بعد الهزيمة لا تتحقق بإعادة إنتاج الجيش الذى خسر الحرب، وإنما ببناء جيش يتعلم من أسباب الهزيمة ويغير تنظيمه وعقيدته وتدريبه وتسليحه وأساليب استخدامه للقوة. وهذا تحديداً هو ما أعطى لعملية إعادة البناء المصرية معناها الاستراتيجى؛ إذ لم تكن مجرد استعادة لما فقدته القوات المسلحة فى يونيو ١٩٦٧، بل كانت عملية تحول مؤسسى وعقائدى وعملياتى هيأت المؤسسة العسكرية لخوض حرب مختلفة فى أكتوبر ١٩٧٣.

وأخيراً، فإن تجربة إعادة بناء القوات المسلحة المصرية تؤكد أن الزمن نفسه يمكن أن يتحول إلى مورد استراتيجى إذا جرى توظيفه فى التعلم والتدريب والإعداد المتدرج. فقد استُثمرت السنوات الست فى إعادة تنظيم المؤسسة، وتعويض المعدات، وبناء الدفاع الجوى، وإعداد الطيارين، وتدريب القوات البرية، وتطوير وسائل العبور، وتحسين القيادة والسيطرة، واختبار التكتيكات فى ظروف حرب الاستنزاف. وبذلك لم يكن انتصار أكتوبر نتاج قرار عسكرى منفرد عشية الحرب، وإنما ثمرة مسار تراكمى طويل من التعلم المؤسسى وإعادة البناء والتكيف الاستراتيجى بدأ مباشرة بعد نكسة يونيو ١٩٦٧.