دائما ما ينتظر جمهور السينما الأفلام المأخوذة عن الروايات الشهيرة والأكثر مبيعا عالميا ولديه آمال تصل إلى السماء فى أن يقارب العمل المرئى جودة الكتاب أو يفوقها ويضيف إليه، بل إنه قد يقبل بأن تبتعد المعالجة السينمائية عن النص الأصلى بعض الشيء ما دام حصل كمشاهد فى النهاية على روح الكتاب الذى سبق وأحبه.

ومنذ عدة أشهر بدأت الحملة الترويجية لفيلم Verity للمخرج مايكل شوالتر والمأخوذ عن رواية كولين هوفر التى تحمل نفس الاسم، وهى الحملة التى وجدت تفاعلا كبيرا من عشاق السينما والأدب؛ فهى لا تقدم للشاشة واحدة من الروايات الهامة والتى كانت سببا فى نقلة فنية لمؤلفتها الأمريكية فحسب، لكن أيضا فيلما جديدا للنجمة آن هاثاواى ومعها داكوتا جونسون وهو ما كان سببا آخر لتوقعات بجمهور السينما والأدب بمشاهدة فيلم مميز آخر فى الأشهر الأخيرة من ٢٠٢٦.

تدور قصة الفيلم- والرواية- والذى بدأ عرضه منذ أيام حول لوين آشلى «داكوتا جونسون» وهى كاتبة تكافح فى مسيرتها المهنية- وتوفيت والدتها منذ أسابيع- تتلقى عرضا غامضا من فريق قانونى يمثل فيريتى كروفورد «آن هاثاواى» المؤلفة الشهيرة والتى تحقق رواياتها مبيعات هائلة، لكنها تعرضت لحادث منعها بشكل مؤقت من إكمال سلسلة رواياتها المربحة للغاية، يطلب فريق فيرتى من لوين أن تتولى كتابة الأجزاء المتبقية من روايات «فيريتى» التى تتسم بطابعها المثير والمظلم والمشوق، توافق لوين على العرض باعتبارها ستكون كاتبا مشاركا لفيرتى إلى جانب انجذابها لجيرمى زوج فيريتى «جوش هارتنت» لكن عندما تنتقل لوين للإقامة فى منزلهما الفاخر فى ولاية فيرمونت، تفاجأ بأن فيرتى عاجزة عن الحركة تماما وحتى عن الكلام لذلك سيكون عليها كتابة الرواية بمفردها تماما فتتبدأ فى البحث داخل مكتب فيرتى للعثور على ملاحظات أو مسودات سابقة لكنها بدلا من ذلك تعثر على مخطوطة So Be It «فليكن» وهى مذكرات فيرتى الشخصية فتبدأ الحدود بين الكتابة والحقيقة، وبين الخيال والواقع فى الانهيار.

تبدو أغلب الأحداث المتعلقة بشخصية لوين متوقعة سواء فى الفيلم أو الرواية؛ فالشخصية التى لها صوت الراوى تبدو واضحة ومتوقعة بدرجة كبيرة، على عكس شخصية فيرتى وعالمها الغامض وشخصيتها شديدة الثراء، وتبدو المفارقة الأساسية فى أن كلمة فيرتى تعنى باللغة الإنجليزية «الحقيقة»، وهى التيمة الأساسية للعمل؛ إذ يقدم الوجوه المتعددة للحقيقة والتى لا يستطيع لا الكاتب ولا القارئ الإمساك بها ومن هنا تم تصنيف الفيلم باعتباره إثارة نفسية ورومانسية مظلمة؛ فالاعترافات التى تكتبها فيرتى فى مذكراتها تجعلنا نغوص فى أعمق المشاعر الإنسانية المظلمة والتى لا يمكن توقعها أو تصور أن يكتبها شخص عن نفسه وهو ما جعلها فى بداية المذكرات تقر بأنه «لا أحد محبوب عندما ينكشف ما بداخله».

يأخذنا الفيلم- والرواية- إلى عالم الكتاب خاصة مؤلفى الروايات ليكشف عن الأساليب المختلفة للكتابة والكثير مما يدور فى أذهانهم ورؤية الآخرين لهم؛ ففى الوقت الذى يربط فيه القراء بين شخصيات الكاتب وحياته الخاصة أو التجارب التى مر بها شخصيا ودفعته للكتابة عن موضوع معين نجد فيرتى تقول فى مذكراتها «ينبغى لكلمات الكاتب أن تكون صادقة، ودموية، ومخيفة بعض الشىء.. لا أستطيع أن اشرح لك ما يدور فى عقل الكاتب؛ نحن قادرون على فصل واقعنا عن الخيال بطريقة تجعلنا كأننا نعيش فى كلا العالمين. لكن لا لا نبقى فيهما فى الوقت ذاته»، وهى الجمل التى ستظل عالقة فى ذهن المشاهد عندما يفاجأ باختفاء الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال لتبقى نهاية العمل مفتوحة وتحتمل أكثر من تفسير؛ لذلك لم تكن النهاية المفتوحة تتعلق بالأحداث فحسب، لكن أيضا فى الحكم على الشخصيات؛ ففى الوقت الذى يتشكل فيه لدى المشاهد حكما أخلاقيا وانجذابا أو نفورا نحو الشخصيات تفاجئنا الأحداث بانقلابها لدرجة تمنعنا من الحكم بشكل قاطع على الأبطال الثلاثة لأن الحقيقة تظل غير واضحة.

بداية من اسم العمل يعرف الجميع أن «فيرتى» هى الشخصية الرئيسية والبطلة، وفى الرواية بالفعل التركيز الأساسى على فيرتى وقصتها بكل ما تحمله تركيبتها النفسية من تناقضات وظلام؛ لذلك كان من المتوقع أن ينعكس ذلك على الفيلم خاصة مع وجود آن هاثاواى فى دور فيرتى، وربما كان التحدى الأهم بالنسبة للمخرج هو كيفية إظهار شخصية فيرتى الثرية بكل ما تحمله من طاقة وحيوية وتناقضات فى الوقت الذى تعانى فيه من شلل تام، فكان الحل المنطقى بالنسبة إليه هو الاعتماد على الفلاش باك، إلا أن مساحة الدور كانت مخيبة فظهرت فيرتى فى مشاهد لم تنقل إلا قشورا من تركيبتها الثرية والمحورية فى العمل وظهرت هاثاواى فى مشاهد تعطى الإحساس بأنها مبتورة لا تمنح لفيرتى المساحة الكافية للتعبير عن نفسها كما كانت تفعل على الورق فى مذكراتها، وعلى الرغم من أداء هاثاواى المميز لكن كان من الممكن أن يكون دور فيرتى أهم دور لها هذا العام وسط الخمسة أفلام التى قدمتها خلال ٢٠٢٦ بدأتها بفيلم Mother Mary، ثم The Devil Wears Prada ٢، The Odyssey، The End of Oak Street واختتمتها بـ Verity الذى بدأ عرضه هذا الشهر.

على الجانب الآخر أفرد الفيلم مساحة كبيرة لـ«لوين» وإظهار تطور علاقتها بزوج «فيرتى»، ولم تقدم داكوتا جونسون أداء مختلفا عن تجربتها فى الأجزاء الثلاثة لـ Fifty Shades of Grey - والتى كانت سببا فى شهرتها العالمية بسبب جرأة الدور- حتى فى نبرة الصوت الهادئة وتعبيرات الوجه البريئة، ولم تظهر الوجه الآخر للوين إلا فى مشهد أو اثنين؛ ما جعل أداءهما يبدو غريبا على الشخصية الباهتة التى تظهر تبدو عليها أغلب الوقت، ربما الوحيد الذى جاء دوره فى الفيلم مماثلا للرواية هو جيرمى الذى أدى دوره جوش هارتنت فى أداء لا يحمل تميزا كبيرا، لكنه أيضا يقدم مفاجأة فى النهاية.

لم تقدم المعالجة السينمائية لفيرتى اختلافا كبيرا عن الرواية التى حذفت الكثير من التفاصيل المميزة لها، لكن كان الاختلاف الأهم هو عدم وجود الابنة الثالثة لفيرتى والتى كانت علاقتها بها تظهر وجها آخر من شخصية الكاتبة والأم، كما لم تقدم الرواية وصفا كبيرا لمنزل فيرتى فى حين أن تصميم المنزل فى الفيلم خاصة علامات V المتكرر على واجهته كان لها دور فى تأكيد بصمة فيرتى المتوقعة على الأحداث.

إذا كانت فكرة الوجوه المتعددة للحقيقة تجعل من الصعب إصدار حكم على الشخصيات؛ فإن الفيلم أيضا يصعب الحكم عليه فبشكل عام من لم يقرا الرواية سيجده فيلما جيدا يقدم اعترافات صادمة ووجها آخر لـ«آن هاثاواى» لم يعتده الجمهور منها، لكن لمن قرأ الرواية فسيجده مخيبا للآمال خاصة أن الرواية التى نشرتها كولين هوفر ذاتيا عام ٢٠١٨، ومع انتشار تطبيق تيك توك حققت نجاحا كبيرا بفضل مراجعات مستخدمى التطبيق المهتمين بالروايات لتبع أكثر من ٢ مليون نسخة فى الولايات المتحدة عام ٢٠٢٢ وتظل على قائمة نيويورك تايمز للأفضل مبيعا لأشهر كما صدرت لها عدة ترجمات منها العربية وهو ما خلق حالة من الترقب لدى الجمهور للفيلم رغم أن هوفر- والتى اختارتها مجلة «تايم» عام ٢٠٢٣ ضمن قائمة أكثر ١٠٠ شخصية تأثيرا فى العالم سبق وتحولت لها ثلاث روايات إلى السينما هم: «It Ends With Us» و«Regretting You» و«Reminders of Him»، لكن كان «Verity» الفيلم الرابع هو الأهم مع وجود أسماء شهيرة لبطولته مثل آنا هاثاواى وداكوتا جونسون.