«هند رجب» .. شاهد على الإبادة.. «وجع صغيرة غزة لا يزول»
لم ترَ جدة الطفلة هند رجب فى الاعتراف الإسرائيلى بإطلاق النار على السيارة التى كانت تقل حفيدتها وأفرادًا من عائلتها ما يبدد ما عاشته الأسرة طوال أكثر من عامين، معتبرة أن ما صدر لا يتجاوز، من وجهة نظرها، محاولة لتبرير ما حدث وتقديم رواية تخدم المحتل أمام العالم. وبالنسبة لها، لا تحتاج العائلة إلى بيان جديد لتعرف ما جرى؛ فهى كانت على الطرف الآخر من الهاتف عندما كانت حفيدتها تطلب النجدة، وظلت تتابع محاولات إنقاذها حتى انقطع الاتصال بها.
فبينما عاد اسم هند رجب إلى الواجهة بعد إقرار جيش الاحتلال الإسرائيلى بإطلاق النار على السيارة وفتح تحقيق جنائى فى الواقعة، تتحدث جدتها، التى تحمل الاسم نفسه، عن الساعات الأخيرة فى حياة حفيدتها، وعن رحلة البحث عنها التى استمرت ١٢ يومًا قبل أن تعود العائلة إلى المكان وتعثر على جثامين من كانوا داخل السيارة.
فى حديثها لـ«المصرى اليوم»، تستعيد جدة هند تفاصيل ذلك اليوم، منذ خروج العائلة من مكان نزوحها تحت القصف، مرورًا بالاتصالات التى أجرتها هند وهى عالقة داخل السيارة، وصولًا إلى اللحظة التى انقطع فيها الاتصال، لتبدأ بعدها رحلة أخرى من الانتظار والبحث عن الطفلة التى أصبحت قصتها واحدة من أكثر الوقائع التى حظيت باهتمام إعلامى دولى خلال الحرب.
لم تكن هند رجب وحدها فى السيارة يوم خرجت عائلتها بحثًا عن مكان أكثر أمانًا. كانت الطفلة، التى تبلغ من العمر خمس سنوات ونصف، برفقة شقيقها إياد وأبناء خالها، فيما كانت جدتها تسير على الأقدام مع بقية أفراد العائلة، بعدما قرروا مغادرة المكان الذى كانوا يقيمون فيه تحت وطأة القصف.
تروى جدة هند أن العائلة كانت قد قضت ليلة شديدة الصعوبة وسط قصف جوى مكثف، واتفقوا على الخروج مع بداية النهار. كان شقيقها يمتلك سيارة، فقرر أن يصطحب زوجته وأطفاله، فيما اختارت هى وبقية أفراد الأسرة السير على الأقدام، خشية من خطورة الطريق. ولأن هند كانت أكبر من شقيقها إياد، وافقت على ركوب السيارة، بينما أصر إياد، الذى كان يبلغ من العمر ثلاث سنوات، على البقاء مع جده والسير معه.
تقول الجدة إن شقيقها تحرك بالسيارة أمامهم، ولم تكن المسافة بينهم تتجاوز نحو ١٠٠ متر، قبل أن يفاجأوا بإطلاق النار على السيارة. لم تكن العائلة تعلم بوجود دبابات أو بقوات برية فى المنطقة، بحسب روايتها. توقفت السيارة، وظن أفراد العائلة فى البداية أن من بداخلها ربما نزلوا منها، لكنهم واصلوا السير لمسافة تراوحت بين ثلاثة وأربعة كيلومترات، قبل أن يدركوا أن السيارة لم تصل إلى المكان الذى كانوا يتجهون إليه.
حاولت العائلة التواصل مع أفراد السيارة، وتمكنت من الوصول إلى ليان، إحدى بنات شقيقها، التى أخبرتهم بأنها على قيد الحياة وأن هند أيضًا حية، وأن بقية من كانوا فى السيارة أصيبوا. تقول الجدة إن ليان لم تكن قادرة على القول إن بقية أفراد العائلة استشهدوا، وكانت تطلب منهم الحضور لإنقاذها هى وهند.
أرسلت العائلة أحد أبنائها لمحاولة الوصول إليهما، لكنه عاد بعدما وجد المنطقة محاصرة بالدبابات. ووفق رواية الجدة، كان هناك أكثر من عشر دبابات تحاصر السيارة، ما جعل الوصول إليها شبه مستحيل. وحاول أفراد العائلة إقناع هند وليان بالنزول من السيارة، لكن الطفلتين رفضتا بسبب الخوف من الجنود الموجودين بالقرب منهما.
بعد ذلك، تواصلت العائلة مع الهلال الأحمر، وبدأت محاولات التنسيق لإرسال سيارة إسعاف إلى المكان. وبينما كانت ليان تتحدث مع أفراد عائلتها وتخبرهم بأنها تنزف، أُطلق عليها النار بشكل مباشر، بحسب رواية الجدة، واستشهدت أثناء حديثها معهم. عندها اعتقدت العائلة أن هند أيضًا استشهدت، لكنها اتصلت بهاتفها مجددًا، لترد الطفلة وتخبرهم بأن ليان استشهدت وأنها لا تزال على قيد الحياة.
تضيف الجدة أن العائلة طلبت من هند تغطية وجه ليان، فيما استمرت محاولات الهلال الأحمر للتنسيق معها وإرسال سيارة إسعاف. وظلت العائلة على اتصال بهند منذ نحو الثانية ظهرًا وحتى السابعة مساءً، على أمل وصول الإسعاف إليها.
وبحسب روايتها، وصل طاقم الإسعاف إلى المكان فى الفترة بين السادسة والسابعة مساءً، وأبلغهم بأنه وصل إلى موقع السيارة وأنه يخضع للتفتيش، وطلب منهم تجهيز ملابس لهند والتوجه إلى المستشفى لاستقبالها. لكن الاتصال انقطع فجأة، فيما سمعت العائلة صوت فتح سيارة هند، قبل أن ينقطع الاتصال بينها وبين الطفلة وطاقم الإسعاف.
تشير الجدة إلى أن العائلة لم تعرف بعد ذلك ما حدث لمدة ١٢ يومًا، إلى أن انسحبت القوات من المنطقة. وعند السادسة صباحًا، عاد أفراد العائلة إلى المكان، ليجدوا السيارة وقد تغير موضعها، فيما كان جميع من بداخلها قد استشهدوا، ومن بينهم شقيقها وزوجته وأطفاله وهند رجب، كان آخر ما قالته هند: «يا ماما الكل مات.. ما تسكرى الخط»
تؤكد أن سيارة الإسعاف التى وصلت لإنقاذ هند تعرضت هى الأخرى للقصف، مشيرة إلى أن العائلة عثرت عليها بعد عودتها إلى المنطقة، ولم يبق من بعض المسعفين سوى العمود الفقرى، بحسب وصفها.
ورغم أن قصة هند حظيت باهتمام إعلامى واسع، تقول جدتها إن حفيدها إياد، الذى كان موجودًا فى الواقعة ونجا منها، لا يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام، رغم أنه عاش تفاصيل الحادثة كاملة ويستطيع روايتها. وتوضح أن إياد يعانى من آثار نفسية صعبة، ويخبرها باستمرار بأنه يشعر بالحزن والضغط وعدم السعادة.
وتقول الجدة إنها لا تزال تعيش فى غزة، فى منزلها بمنطقة الرمال، ولم تغادر القطاع طوال الفترة الماضية. وفى ظل استمرار صعوبة الحياة، تشير إلى أن المساعدات تصل إلى غزة، لكنها لا تصل إلى جميع الأفراد، موضحة أنها شخصيًا لم تتلقَ مساعدات غذائية أو غيرها.
وتشير إلى أن ما تعرفه عن اللجنة المصرية الموجودة فى غزة يرتبط بعملها فى إزالة آثار القصف وتنظيف وترتيب بعض الشوارع الرئيسية التى أغلقت بسبب هدم المنازل، لكنها تقول إنها لم تتلقَ مساعدات مباشرة على المستوى الشخصى.
شقيق هند يواجه أزمة نفسية نتيجة مأساة الفقد وربما مواجهة نفس المصير، أما عن التعليم، فتوضح أن إياد بدأ الذهاب إلى المدرسة، لكن المدارس فى غزة، بحسب روايتها، لا تعمل بالشكل المعتاد. وتقول إن أعداد الأطفال كبيرة، بينما لا يتوافر عدد كافٍ من المعلمين المؤهلين، فيما تحاول بعض المؤسسات إنشاء صفوف دراسية فى أماكن متاحة، بينها ملاعب وأماكن يتم استئجارها لهذا الغرض.
وتوضح أن كثيرًا من المدارس لا يمكن إخلاؤها من السكان الذين لجأوا إليها بعد تدمير منازلهم، بينما يعيش آخرون فى الخيام، ما يجعل توفير أماكن للتعليم تحديًا مستمرًا.
وتوضح جدة هند إن الرسالة التى تريد توجيهها إلى العالم هى ضرورة الوقوف إلى جانب غزة والفلسطينيين، سواء فى العالم العربى والإسلامى أو فى أوروبا، مطالبة بدعم القطاع فى مجالى الصحة والتعليم، وفتح المجال أمام سفر الجرحى والمرضى وكبار السن.
وتضيف أن سكان غزة يواجهون نقصًا فى مقومات الحياة الأساسية، من الغذاء إلى الرعاية الصحية والتعليم، وأن كثيرًا من الناس يعيشون فى الخيام أو فى الشوارع، فى ظل ظروف تصفها بأنها قاسية للغاية، قائلة إن الحياة فى غزة لم تعد تتوافر فيها، من وجهة نظرها، سوى نسبة محدودة جدًا من مقومات الحياة.
عندما تستعيد الجدة تفاصيل ذلك اليوم، بعد مرور أكثر من عامين، هناك لحظة لا تزال الأكثر حضورًا فى ذاكرتها، وهى عندما سمعت صوت هند وهى تطلب منهم أن ينقذوها. فالطفلة كانت خائفة، وكل ما كنا نريده وقتها أن نصل إليها ونأخذها من المكان الذى كانت فيه، بينما كنا عاجزين عن الوصول إليها.
فى البداية كانت هند رجب طفلة تحاول الوصول إلى شخص ينقذها. وبعد رحيلها، صار العالم يعيد إنتاج صوتها وصورتها بطرق مختلفة: أغنية تحمل اسمها، قاعة جامعية أعيدت تسميتها بها، ثلاثة أفلام عن ساعاتها الأخيرة، ولوحة تمتد على ألف متر مربع فى برشلونة. لم تعد مكالمتها الأخيرة مجرد تسجيل صوتي؛ تحولت إلى أثر ثقافى يعبر من غزة إلى المسارح وقاعات السينما والشوارع والجامعات حول العالم.
بعد أشهر من مقتل هند، أعاد الفنان الأمريكى ماكلمور تقديم قصتها إلى جمهور الموسيقى من خلال أغنيته Hind›s Hall، التى حملت اسم القاعة التى احتلها طلاب مؤيدون للفلسطينيين فى جامعة كولومبيا وأعادوا تسميتها باسم هند. وأعلن ماكلمور توجيه عائدات الأغنية إلى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، قبل أن يعود فى سبتمبر ٢٠٢٤ بأغنية Hind›s Hall ٢ بمشاركة مغنين وفنانين آخرين.
ولم تتوقف الحكاية عند الموسيقى؛ ففى ٢٠٢٥ ظهرت هند على الشاشة من خلال ثلاثة أفلام تناولت قصتها من زوايا مختلفة. أبرزها فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، الذى اعتمد على التسجيل الحقيقى لمكالمة هند مع الهلال الأحمر، وجعل من غرفة عمليات الطوارئ مسرحًا لأحداث الفيلم، مع إبقاء العنف خارج الكادر والتركيز على الانتظار ومحاولات إنقاذ الطفلة.
الفيلم عُرض للمرة الأولى فى المسابقة الرئيسية للدورة الـ٨٢ من مهرجان فينيسيا السينمائى الدولى، وحصل على جائزة لجنة التحكيم الكبرى «الأسد الفضي»، قبل أن ينتقل إلى مهرجانات دولية أخرى، بينها سان سيباستيان وجنت وتورنتو والبحر الأحمر، وصولًا إلى عروض فى مؤسسات سينمائية وثقافية كبرى.
وفى المسار نفسه، قدم المخرج السورى الهولندى أمير زازا فيلم Close Your Eyes Hind، الذى أعاد بناء الساعات الأخيرة من حياة هند وابنة عمها داخل السيارة، وشارك الفيلم فى مهرجان الجونة السينمائى ضمن مسابقة الأفلام القصيرة.
أما الفيلم الثالث، فهو «هند تحت الحصار» للمخرج الأردنى ناجى سلامة، الذى تناول القصة فى فيلم قصير صدر عام ٢٠٢٥، مضيفًا معالجة سينمائية أخرى لحكاية الطفلة ومكالمتها طلبًا للنجدة.
وفى الذكرى الثانية لمقتل هند، فى يناير ٢٠٢٦، انتقلت صورتها من الشاشات إلى واحدة من أكبر الفعاليات البصرية المرتبطة بذكراها؛ إذ شهدت مدينة برشلونة نشر لوحة قماشية ضخمة تحمل صورة هند، بمساحة وصلت إلى نحو ١٠٠٠ متر مربع، بمشاركة مئات الأشخاص، فى فعالية هدفت إلى لفت الانتباه إلى أوضاع الأطفال فى غزة.
وفى يونيو ٢٠٢٦، وصلت قصة هند أيضًا إلى دار الأوبرا المصرية، حيث عرضت جمعية الفيلم «صوت هند رجب» ضمن موسمها الثقافى، وأعقب العرض لقاء مع صناع العمل لمناقشة رحلته من غزة إلى المهرجانات العالمية.
صوتها فى الأدب والمسرح
وامتد حضور هند إلى الكتابة والمسرح أيضًا، إذ ظهرت قصتها ضمن أعمال شعرية ومسرحية حملت اسمها، من بينها They Have Names: Hind Rajab | In Her Voice، الذى يستعيد قصتها ضمن عمل أوسع عن ضحايا فلسطينيين، ويستخدم المسرح والشعر لإبقاء قصصهم حاضرة أمام الجمهور.
وبذلك، لم تعد هند رجب مجرد اسم مرتبط بحادثة واحدة فى حرب غزة؛ فصوتها الأصلى أصبح مادة لفيلم حصد جائزة كبرى فى فينيسيا، وصورتها تحولت إلى أغنية واسم لرمز احتجاجى داخل جامعة أمريكية، ثم إلى أعمال سينمائية ومسرحية ولوحات وفعاليات دولية.
لم يتوقف حضور هند رجب عند الأعمال الفنية التى تناولت قصتها، إذ أصبح اسمها مرتبطًا كذلك بمسار قانونى دولى عبر «مؤسسة هند رجب»، وهى منظمة هدفها ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات بحق الفلسطينيين، من خلال جمع الأدلة وتقديم الشكاوى والملفات إلى جهات قضائية فى دول مختلفة.
وتتّبع المؤسسة، أفرادًا من جيش الاحتلال الإسرائيلى شاركوا فى الحرب على غزة، مستندة إلى مواد منشورة على مواقع التواصل الاجتماعى وصور ومقاطع فيديو وبيانات أخرى لتحديد هوياتهم وتحركاتهم، ثم تسعى إلى تحريك إجراءات قانونية بحق من تشتبه فى تورطهم فى جرائم حرب. كما قدمت المؤسسة ملفات إلى المحكمة الجنائية الدولية تتعلق بمقتل هند رجب وأفراد من عائلتها والمسعفين الذين حاولوا الوصول إليها.