كثيرًا ما تمر فى أذهاننا أسئلة لا نجد لها إجابة شافية، أسئلة تتعلق بحياتنا اليومية، بما نراه حولنا ونعايشه كل يوم، وأسئلة أخرى تتجاوز حياتنا اليومية لتتصل بالبلد الذى ننتمى إليه جميعًا، وبما نتمناه له، وما نراه من إمكانات لا تزال بحاجة لمن يكتشفها ويستثمرها، ولعل ما يلفت النظر أن تلك التساؤلات، فى كثير من الأحيان، تبدو أكثر انتشارًا من الإجابات.

لذا قد يكون من المفيد أن نطرح بعض التساؤلات التى تشغلنا، فنحاول أن نلقى عليها الضوء، أو نبحث فى أسبابها ونتائجها، عسى أن نتلقى لها تفسيرًا يشفى الغليل، أو على الأقل نفتح بابًا للحوار والنقاش حولها.

وبمناسبة اليوم العالمى للقطن (٧ أكتوبر) فلنبدأ بسؤال لابد أنه مر بخاطر الكثيرين: ماذا حدث لذهب مصر الأبيض؟ ولماذا لا نعيد للقطن المصرى مجده القديم؟ ولماذا لا يعود القطن فى مقدمة محاصيلنا الوطنية؟ فالقطن بالنسبة لمصر ليس مجرد محصول زراعى كالبطاطس والطماطم، لقد ارتبط بتاريخنا الحديث ارتباطًا وثيقًا، وكان أحد أهم عناصر قوتنا الاقتصادية وصورتنا فى العالم على مدى عقود، حتى وُصف عن حق بأنه ذهبنا الأبيض، حيث كان يمثل فى وقت من الأوقات ٩٠٪ من صادراتنا، بل إن تاريخ مصر الاقتصادى فى القرن الـ١٩ لا يمكن فهمه من دون تاريخ القطن، فمنذ استقدم محمد على زراعة القطن من الهند، وعمل على تطويرها والتوسع فيها، أخذ القطن المصرى مكانة متقدمة حتى أصبح اسم مصر مرتبطًا فى الأسواق العالمية بأجود أنواع القطن، ولا سيما القطن طويل التيلة، الذى كان يعتبر من أفضل الأقطان فى العالم.

لقد كان القطن مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة، وركيزة أساسية للاقتصاد المصرى، واسمًا له وزنه فى التجارة العالمية، فلماذا لا نعمل على استعادة تلك المكانة بروح العصر ووسائله الجديدة؟، ليس فقط بزيادة المساحات المزروعة منه، وإنما بتطوير الأصناف، وتحسين أساليب الزراعة والجنى، وربط المحصول بصناعة الغزل المحلية التى كانت فى مقدمة صناعاتنا الوطنية حتى ستينيات القرن الـ٢٠، حين كنا نصنع منه منتجات تحمل اسم مصر إلى العالم كله.

ثم لماذا لا نستثمر القطن سياحيًا وثقافيًا أيضًا؟ لقد نجحت بعض الدول فى تحويل مواسم محاصيلها القومية إلى مناسبات تجذب السياح، ففى إيطاليا وفرنسا مثلا، يأتى الشباب من مختلف الدول للمشاركة فى مواسم جنى العنب، فيعيشون تجربة العمل فى الحقول وسط الريف، وإلى جانب استمتاعهم بالتجربة يتكسبون بعض المال الذى ينفقونه داخل البلد.

لماذا لا يتحول موسم جنى القطن المصرى إلى مناسبة سياحية؟ لماذا لا يأتى شباب من مختلف أنحاء العالم للمشاركة، ولو لفترة قصيرة، فى تجربة جنى القطن، ثم يزورون المعالم الأثرية والتاريخية والطبيعية التى يزخر بها الريف المصرى؟، ألن تكون تلك وسيلة جديدة تجمع بين الزراعة والسياحة والثقافة، وتفتح لمصر مجالًا تصديريًا لا ينافسها فيه أحد؟.