ناصر وماو والنسيان!
هل يمكن دفن التاريخ أو إسدال ستار من الصمت عليه؟ هذا ما تفعله الصين حاليا. فى ٦ أكتوبر الحالى، مر خمسون عاما على النهاية الرسمية للثورة الثقافية فى الصين. عدد الوفيات الناجمة عن العنف والإعدامات التى رافقت سنوات الثورة العشر يقارب ١.٧ مليون شخص. الحكومة الصينية قررت عدم إحياء الذكرى. لا احتفالات ضخمة. مجرد صمت. إغلاق ملف الثورة الثقافية عام ١٩٧٦ والتحول عن نهج الزعيم الراحل ماو تسى تونج، مهد الطريق لدخول الصين عصر جديد توشك أن تُصبح فيه القوة العظمى الأكبر. لكن تاريخ الصين الحديث مسألة حساسة للغاية بالنسبة للحزب الشيوعى الحاكم. الحزب ينفر من مسألة المحاسبة على أخطاء الماضى، وليس لديه رغبة بإعادة فتح جروحه.
الصين ترى أن الحفاظ على الاستقرار السياسى والاجتماعى والتوجه للمستقبل أهم من النقاش حول التاريخ وصانعيه. وبدلا من إثارة الانقسامات، من المفيد التركيز على التنمية والنهضة. من المهم أيضا توحيد الطاقات الوطنية للبناء الاقتصادى والتطور التكنولوجى وصناعة صورة حديثة للبلاد أساسها إبراز نواحى التقدم والابتكار. الحزب الحاكم يريد هندسة ذاكرة الصينيين الجماعية. النظرة الرسمية الحالية للزعيم ماو أنه مؤسس الدولة وفوق النقد. إنجازاته ٧٠٪ وأخطاؤه ٣٠٪. صورته لا تزال تتصدر الميدان الأشهر( تيانانمين) وأوراق البنكنوت. الرئيس الحالى شى جين بينج يتبع استراتيجية صارمة فى هذا الشأن. لا يتبنى استخدام مرحلة ما بعد الإصلاح والنهضة الحالية لمحاكمة أفكار وسياسات عصر ماو. الهدف حماية شجرة العائلة السياسية للحزب.
هل يمكن تطبيق «الكتالوج الصينى» فى التعامل مع الأحداث الكبرى بمصر مثل ثورة ٢٣ يوليو وحرب يونيو وانتفاضة الخبز عام ١٩٧٧، وغيرها؟. أمر صعب للغاية أن يمارس المصريون «الصمت» تجاه ماضيهم خاصة القريب منه. وأمر أصعب أن يتم تحديد نسبة مئوية رسمية لتقييم زعماء مصر الراحلين. الساحة المصرية تتمتع بتعددية تاريخية. كل تيار يمتلك منصاته وصحفه ومنابره الرقمية، مما يجعل فرض رواية رسمية وحيدة، أمرا شبه مستحيل. كما أن طبيعة المجتمع المصرى المنفتح ثقافيا، مختلفة عن المجتمع الصينى الذى يميل تاريخيا للانصياع إلى مركزية الدولة.
طبيعة الحكم فى البلدين أيضا مغايرة. الصين قررت دفن النقاش حول الثورة الثقافية. فى المقابل، قاد عبدالناصر نفسه عملية المراجعة والنقد الذاتى العلنية عقب نكسة يونيو. تمثل ذلك فى بيان ٣٠ مارس الشهير( ١٩٦٨)، ومحاكمات قادة الطيران. هذا النقد جزء من التراث المصرى الرسمى والشعبى. لكن ذلك لا يعنى عدم الاستفادة من التجربة الصينية. نقاشاتنا حول التاريخ، كما أظهرها جدل الشهرين الماضيين حول ثورة يوليو ووفاة عبدالناصر، عقيمة تجتر الماضى. لا يبارح أى طرف مكانه. لا أبحاث أو وثائق جديدة. المؤرخون ممتنعون عن الإدلاء بإفكارهم، بينما «الفيسبكيون» والنشطاء حاضرون. المحصلة أنه لا خطوة للإمام. ما ناقشناه مؤخرا يكاد يكون صورة كربونية لما جرى مناقشته قبل ربع قرن.
الاهتمام بالماضى مهم، لكن الهوس به يشل قدرة الإنسان أو الأمة على الحركة، كما يرى الفيلسوف الألمانى نيتشه. امتلاء الذاكرة بتفاصيل الأمس والاستغراق فيه، هروب من متطلبات اللحظة الراهنة والمستقبل أيضاً.