تعلمنا فى قاعات الدرس منذ الصغر فى دروس الجغرافيا والتاريخ أن مصر بلد غنى بموارده وثرواته المعدنية الهائلة وبمناخها المعتدل وموقعها الجيوستراتيجى المتميز الذى جعل منها حلقة الاتصال الرئيسية بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، كما جعلها مطمعًا مغريًا للمستعمرين على مر العصور. فضلًا عن موقعها الجغرافى الآمن بمنأى عن النوازل الطبيعية كالزلازل والبراكين والأعاصير المدمرة، بخلاف ما تعج به أرضها من آثار تفوق التصور، فهى مهد الحضارات الإنسانية الكبرى، لذا باتت مقصدًا متميزًا فريدًا للسياح القادمين إليها من أقصى أقاصى الأرض، إذ يعز أن نجد نظيرًا لآثارها فى روعتها وقوة جاذبيتها، وفى ما تخفيه أرضها من كم مذهل من كنوز أثرية لا يزال التنقيب عنها مستمرًا. إذ ما تكاد تمر فترة زمنية قصيرة على اكتشاف أثرى حتى نفاجأ باكتشاف أثرى آخر.

خرج من مصر نابغون وعلماء عظام أجلاء فى كل العلوم والمعارف: الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والقانون والأدب والفلسفة.. إلخ، انتشروا فى أنحاء العالم وفى البلاد العربية تعلم على أيديهم أبناؤها النجباء. ولكن رغم كل هذه الثروات لا يزال الفقر جاثمًا عليها لا يعرف الانحسار، اللهم إلا فيما ندر خلال فترات زمنية قصيرة.

حير هذا السؤال الباحثين فى علمى الاجتماع والاقتصاد، فهو فى الواقع سؤال ينطوى على مفارقة بغيضة شديدة التعقيد. وإذا ما حاولنا البحث عن جذور هذه المفارقة سنبحر فى دراسات وتحليلات كثيرة معمقة وغاية فى الثراء الفكرى، لأن ظاهرة الفقر فى ذاتها ظاهرة مركبة ومتشعبة الجوانب. وتزداد المفارقة حدة إذا ما قارنا مصر ببلاد أخرى كانت ترسف تحت الفقر والتخلف، وإذا بها بين عشية وضحاها تطفو من القاع إلى السطح، ثم تصعد وتتلالأ عاليًا فى سماء النهضة والتقدم فى العلوم والصناعة والتكنولوجيا!

الواقع أن ليس هناك اتفاق بين علماء الاجتماع والاقتصاد على تعريف واحد لمفهوم الفقر. ولكن ثمة محاولات واجتهادات متنوعة للظاهرة، وكل منها يركز تحليله على جوانب محددة منها، ليس فقط بسبب طابع الظاهرة المركب، وإنما أيضًا لارتباطها بالسياقات الحضارية المختلفة للفقر وتعدد صوره باختلاف المجتمعات والعصور التى ينتشر فيها. ولهذه المفارقة أيضًا جوانب أخرى مثيرة رصدها علماء الاقتصاد الذين عنوا بظاهرة الفقر فى العالم العربى، ألا وهى أن الوطن العربى وإن يكن مصنفًا «ضمن دول الدخل المتوسط المنخفض أى أنه يندرج ضمن الدول والمناطق الأقل دخلًا فى العالم»، ففيه توجد دول عربية غنية والأغلبية العظمى منه دول فقيرة. كما أن الدول الغنية جدًا فيه يوجد بها فقراء، وداخل الدول الفقيرة توجد قلة فاحشة الثراء بشكل يعكس طبيعة النظم السياسية والاقتصادية فيها. ولئن يكن العالم العربى يذخر بثروات حيوانية وسمكية ومعدنية من المعادن والنفط والغاز الطبيعى فى باطن صحاريه، فإن مخالب الفقر لا تزال ناشبة فى أحشائه. ورغم أن العالم العربى لا يفتقر إلى الثروة البشرية، وهى الثروة التى استطاعت دول كبرى كالصين مثلًا استغلالها والرفع من كفاءتها لاستخدامها فى دفع عجلة التقدم، فإن هذا المورد البشرى الكثيف تحول فى الوطن العربى إلى عبء شديد يثقل كاهله ويضاعف من حدة الفقر والبطالة فيه.

تناول هذه الظاهرة بالدراسة المعمقة مركز الدراسات الاستراتيجية للأهرام فى كتاب هام له أصدره عام 2004 وعنوانه «الفقر فى العالم العربى». وهو يتضمن مجموعة من الأبحاث الاجتماعية والاقتصادية سعت إلى دراسة الفقر فى معظم جوانبه. ففى بحث للدكتور محمود شعبان عنوانه «الرؤية النظرية للفقر» يرصد المؤلف ظاهرة ذات دلالة كبيرة وهى أن «الفقر فى الوطن العربى ازداد عمقًا ليصبح فقرًا مدقعًا، وهو ما أثبتته الدراسات والبحوث التى صارت مؤشرًا مؤكدًا لاهتمام عالمى موسع بظاهرة الفقر منذ أواخر الثمانينات. بل وتزايد هذا الاهتمام مقترنًا بالقلق بعد أن ازداد الفقر استفحالًا لدرجة حدت بنائب رئيس البنك الدولى (جوزيف سبترجس) إلى التصريح بحقيقة كانت صادمة له تقول إن «المشكلة التى تواجه الاقتصاديات التى تنتقل من التخطيط أو من التدخل المركزى للدولة إلى اقتصاديات السوق الحر تنحصر فى عدم التمكن من القضاء على الفقر، بل أدت إلى تزايده وانتشاره».

وبسبب التزايد المكثف لأعداد الفقراء بانتظام اضطر البنك الدولى، برغم إيمانه المقدس بأيديولوجية السوق والليبرالية، إلى التخلى عن إحدى أهم مسلمات الليبرالية وهى المسماة «بمفعول التساقط»، وفحواها: «أن تزايد ثراء الأغنياء سيكون من شأنه أن يقضى تلقائيًا وتدريجيًا على ظاهرة الفقر لأن الغنى المتزايد يعنى تزايد الاستثمار وإيجاد أعداد متزايدة من فرص العمل بحيث تنحصر البطالة وما ينجم عنها من فقر فى فئة محدودة من الكسالى والمعاقين، وهذا ما يمكن معالجته بفعل الخير والإحسان، أى بما يتبرع به الأغنياء بحيث لا يكون للدولة أى دور يذكر».