أسماء مجدى تكتب: ديناميات التنافس الأمريكى- السوفيتى فى الشرق الأوسط
مع حلول الذكرى الثالثة والخمسين لحرب أكتوبر 1973، تظل الحرب حاضرة فى الذاكرة المصرية والعربية باعتبارها نقطة تحول رئيسية فى مسار الصراع العربي-الإسرائيلى. ولا تقتصر أهميتها على نتائجها العسكرية أو ما أحدثته فى موازين القوى الإقليمية، بل تمتد إلى ما كشفته عن طبيعة التفاعلات الدولية فى الشرق الأوسط خلال واحدة من أكثر مراحل الحرب الباردة تعقيدا.
اندلعت الحرب فى وقت كانت فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى يسعيان إلى تثبيت سياسة الانفراج الدولى، بالتوازى مع استمرار تنافسهما على النفوذ والمصالح فى مناطق مختلفة من العالم. وكان الشرق الأوسط من أكثر ساحات هذا التنافس حساسية، فى ظل ارتباط موسكو بعلاقات عسكرية وسياسية وثيقة مع عدد من الدول العربية، وفى مقدمتها مصر وسوريا، مقابل علاقة استراتيجية متنامية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
لذلك، لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية إقليمية، بل مثلت اختبارا لقدرة القوتين العظميين على إدارة أزمة ارتبط كل منهما بأحد أطرافها، مع محاولة الموازنة بين دعم الحلفاء والمحافظة على مصداقية الالتزامات تجاههم، وتجنب انتقال الحرب إلى مواجهة أمريكية-سوفيتية مباشرة. وأكدت الوثائق الأمريكية أن إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون تعاملت مع الحرب باعتبارها أزمة تجمع بين الالتزام بأمن إسرائيل والحفاظ على التوازن الإقليمى، وضرورة تجنب صدام أوسع مع الاتحاد السوفيتى قد يقوض سياسة الانفراج.
غير أن قراءة الحرب باعتبارها مجرد امتداد للتنافس الأمريكي-السوفيتى تظل غير كافية لفهم مسارها ونتائجها. فقد احتفظت الأطراف الإقليمية، وفى مقدمتها مصر، بأهدافها وحساباتها الاستراتيجية الخاصة. ولم يكن القرار المصرى بالحرب استجابة لإرادة سوفيتية، بل جاء فى إطار محاولة تغيير الوضع السياسى والعسكرى الذى استقر منذ حرب يونيو (حزيران) 1967، وكسر حالة الجمود التى أخفقت التحركات الدبلوماسية السابقة فى تجاوزها.
من هنا، تكشف حرب أكتوبر عن تفاعل ثلاثة مستويات مترابطة: محاولة مصر تغيير الوضع القائم وإعادة فتح المسار السياسى من موقع مختلف؛ والتنافس الأمريكي-السوفيتى على حماية المصالح والنفوذ مع ضبط حدود التصعيد؛ ثم انتقال هذا التنافس، بعد توقف العمليات العسكرية، إلى محاولة التأثير فى مسار التسوية وترتيبات ما بعد الحرب.
حرب أكتوبر واختبار سياسة الانفراج الدولى
شهدت مرحلة اندلاع حرب أكتوبر تحولا نسبيا فى طبيعة العلاقات الأمريكية-السوفيتية. فمع بداية سبعينيات القرن العشرين، اتجهت واشنطن وموسكو إلى تبنى سياسة الانفراج الدولى، التى استهدفت خفض مستوى التوتر بينهما وتنظيم بعض جوانب المنافسة الاستراتيجية، خاصة فى مجال الحد من التسلح وتعزيز قنوات الاتصال المباشر.
لكن الانفراج لم يعن إنهاء التنافس بين القوتين العظميين أو التوصل إلى توافق بشأن مناطق النفوذ. فقد استمرت الخلافات المتعلقة بالمصالح الإقليمية، وظل الشرق الأوسط إحدى الساحات التى ظهر فيها بوضوح التناقض بين محاولات ضبط العلاقة الثنائية واستمرار المنافسة الجيوسياسية.
وكانت حرب أكتوبر من أولى الاختبارات واسعة النطاق لقدرة هذا الإطار على التعامل مع أزمة إقليمية تمس مصالح الطرفين بصورة مباشرة. وأصبح على الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى إدارة مستويين متوازيين من العلاقة: دعم أطراف متعارضة فى الحرب، ومنع هذا الدعم من تقويض العلاقات بينهما أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
واتسمت البيئة الإقليمية السابقة للحرب بحالة من الجمود منذ انتهاء حرب الاستنزاف، فى ظل غياب تقدم حقيقى نحو تسوية النتائج المترتبة على حرب يونيو (حزيران) 1967، وعدم نجاح المبادرات السياسية المطروحة فى إحداث تغيير جوهرى فى قضية الأراضى العربية المحتلة.
وحاولت القيادة المصرية قبل الحرب تحريك هذا الجمود بأكثر من وسيلة. ففى يوليو (تموز) 1972، قرر الرئيس أنور السادات إنهاء مهمة عدد كبير من المستشارين العسكريين السوفيت، وفتحت القاهرة قناة اتصال مع هنرى كيسنجر من خلال مستشار الأمن القومى المصرى حافظ إسماعيل. وفى فبراير (شباط) 1973، التقى إسماعيل كيسنجر فى محاولة لاستكشاف إمكانية التوصل إلى تسوية، لكن هذه الاتصالات لم تؤد إلى تغيير جوهرى فى الوضع القائم قبل اندلاع الحرب.
من هذا المنطلق، لم يكن الخيار العسكرى منفصلا عن الهدف السياسى. فقد سعت مصر إلى تغيير بيئة تفاوضية ظلت جامدة منذ عام 1967، وإثبات أن استمرار الاحتلال لا يعنى بالضرورة استمرار الاستقرار الإقليمى.
وأدت العمليات العسكرية بالفعل إلى إعادة الصراع إلى صدارة الاهتمام الدولى، وفرضت على الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى التعامل مع أزمة لم يعد من الممكن احتواؤها من خلال المحافظة على الوضع القائم.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، أظهرت الأيام الأولى للحرب حدود سياسة الانفراج. فقد استمر كل طرف فى دعم الجانب المرتبط به، بينما ظل الحفاظ على الإطار الأوسع للعلاقات الأمريكية-السوفيتية حاضرا فى حساباتهما. وأوضحت الوثائق الأمريكية أن صانعى القرار فى واشنطن كانوا يدركون رغبة القيادة السوفيتية فى المحافظة على مكاسب الانفراج، رغم استمرار دعمها للدول العربية.
وبذلك، لم تؤد حرب أكتوبر إلى انهيار سياسة الانفراج، لكنها كشفت طبيعتها وحدودها. فالانفراج لم يكن توافقا استراتيجيا ينهى المنافسة الأمريكية-السوفيتية، بقدر ما كان إطارا يسمح باستمرارها مع محاولة وضع قيود تحول دون انتقالها إلى مواجهة مباشرة.
دعم الحلفاء وحدود التحكم فى التصعيد
مع استمرار العمليات العسكرية، أصبح دعم الأطراف الحليفة أحد أبرز مظاهر التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى. وأعاد الاتحاد السوفيتى إمداد مصر وسوريا بالأسلحة والمعدات، بينما بدأت الولايات المتحدة تنفيذ جسر جوى واسع لتعويض الخسائر الإسرائيلية، ووصلت الإمدادات الأمريكية بصورة مكثفة إلى إسرائيل فى منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 1973. غير أن أهمية هذا الدعم لم ترتبط بحجمه فقط، بل بالحسابات السياسية والاستراتيجية التى حكمته.
لم يكن الاتحاد السوفيتى مستعدا لقبول هزيمة واسعة لمصر وسوريا يمكن أن تؤدى إلى إضعاف موقعه فى الشرق الأوسط، فى حين لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لقبول هزيمة إسرائيل أو تراجع قدرتها العسكرية إلى مستوى يهدد موقعها الإقليمى.
لذلك، ارتبط الدعم العسكرى بمسألة أوسع تتعلق بمصداقية الالتزامات تجاه الحلفاء. فأى تراجع ملحوظ من جانب إحدى القوتين عن مساندة الطرف المرتبط بها كان من شأنه أن يحمل انعكاسات لا تقتصر على ميدان الحرب، بل تمتد إلى صورة القوة الدولية ومدى موثوقيتها فى علاقاتها مع حلفائها الآخرين.
فى الوقت نفسه، كانت لهذه الالتزامات حدود واضحة. فقد سعت واشنطن وموسكو إلى دعم حلفائهما من دون الوصول إلى مشاركة عسكرية مباشرة يمكن أن تنقل الأزمة إلى مواجهة بين القوتين.
وهكذا، تشكلت إحدى المعادلات الأساسية التى حكمت سلوك الطرفين خلال الحرب: منع هزيمة الحليف مع تجنب التحول إلى طرف مباشر فى القتال.
وأظهرت الوثائق الأمريكية حضور هذا الاعتبار بوضوح فى تقديرات إدارة نيكسون، فقد تناولت النقاشات مدى استعداد الاتحاد السوفيتى لدعم حلفائه العرب من دون التضحية بالمكاسب الأوسع التى حققها من سياسة الانفراج مع الولايات المتحدة.
مع ذلك، لم تكن قدرة القوتين العظميين على التحكم فى مسار الأزمة مطلقة. فقد امتلكت الأطراف الإقليمية أهدافا واستراتيجيات لم تتطابق بالضرورة مع أولويات داعميها الدوليين.
وفى هذا السياق، تكتسب الحالة المصرية أهمية خاصة. فعلى الرغم من اعتماد القوات المسلحة المصرية بصورة واسعة على السلاح السوفيتى، لم تكن الاستراتيجية المصرية مجرد امتداد للسياسة السوفيتية فى الشرق الأوسط. بل عكست الخطوات التى اتخذتها القاهرة قبل الحرب، وفى مقدمتها تقليص الوجود العسكرى السوفيتى ومحاولة فتح قناة اتصال مع واشنطن، سعيا إلى توسيع هامش الحركة المصرية.
ولم يكن الهدف السياسى المصرى من الحرب تعزيز النفوذ السوفيتى، بل تغيير الوضع الذى نشأ بعد عام 1967 وخلق شروط جديدة تدفع القوى الدولية، وفى مقدمتها الولايات المتحدة، إلى التعامل بجدية أكبر مع ضرورة الوصول إلى تسوية.
لذلك، لم تكن العلاقة بين القوى الكبرى والأطراف الإقليمية علاقة تحكم كامل من جانب واحد. فقد أثرت واشنطن وموسكو فى القدرات العسكرية والسياسية لحلفائهما، لكن الأطراف الإقليمية أثرت بدورها فى حسابات القوتين، ودفعتهما إلى التعامل مع أوضاع لم تكونا قد خططتا لها بالضرورة قبل الحرب.
وأصبحت حدود القدرة على التحكم فى التصعيد أكثر وضوحا خلال الأيام الأخيرة من العمليات العسكرية، عندما تحول الخلاف حول تنفيذ وقف إطلاق النار إلى أزمة مباشرة فى العلاقات الأمريكية-السوفيتية.
أزمة وقف إطلاق النار
والتصعيد الأمريكي-السوفيتى
مثلت أزمة وقف إطلاق النار المرحلة الأكثر حساسية فى التفاعل الأمريكي-السوفيتى خلال حرب أكتوبر. فمع تطور الموقف العسكرى على الجبهة المصرية، وعبور القوات الإسرائيلية إلى غرب قناة السويس ثم حصار الجيش الثالث المصرى، لم تعد الأزمة تقتصر على دعم الأطراف المتحاربة، بل أصبحت مرتبطة بشروط إنهاء القتال ومدى قدرة واشنطن وموسكو على فرض الالتزام بالتفاهمات التى توصلتا إليها.
وفى 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 338، الذى دعا أطراف القتال إلى وقف جميع الأعمال العسكرية خلال اثنتى عشرة ساعة، والبدء فى تنفيذ القرار رقم 242، والدخول، بالتزامن مع وقف إطلاق النار، فى مفاوضات تهدف إلى إقامة سلام عادل ودائم فى الشرق الأوسط.
وتكمن أهمية القرار فى أنه لم يفصل بين وقف العمليات العسكرية والمسار السياسى، بل ربطهما فى إطار واحد، ما جعل وقف إطلاق النار مدخلا إلى عملية تفاوضية أوسع.
لكن القتال لم يتوقف بصورة مستقرة بعد صدور القرار. لذلك أصدر مجلس الأمن القرار رقم 339 فى 23 أكتوبر (تشرين الأول)، مؤكدا وقف جميع الأعمال العسكرية، وداعيا القوات إلى العودة إلى المواقع التى كانت تحتلها عند بدء سريان وقف إطلاق النار، إلى جانب إرسال مراقبين تابعين للأمم المتحدة للإشراف على تنفيذه.
ومع استمرار العمليات، ازدادت المخاوف السوفيتية، خاصة فى ظل تدهور وضع الجيش الثالث المصرى. واعتبرت موسكو أن استمرار التحركات الإسرائيلية بعد صدور قرارات مجلس الأمن يهدد نتائج التفاهمات التى توصلت إليها مع الولايات المتحدة. وتكشف رسائل بريجنيف إلى نيكسون حجم القلق السوفيتى من استمرار القتال بعد وقف إطلاق النار.
وبلغت الأزمة ذروتها ليلة 24-25 أكتوبر (تشرين الأول)، عندما اقترح بريجنيف إرسال وحدات عسكرية أمريكية وسوفيتية بصورة مشتركة إلى مصر لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار، وأشار إلى إمكانية بحث اتخاذ خطوات منفردة إذا تعذر التحرك المشترك.
وتعاملت واشنطن مع الرسالة باعتبارها مؤشرا على احتمال ارتفاع مستوى التدخل السوفيتى، وردت برفع حالة تأهب القوات الأمريكية إلى مستوى DEFCON 3. واستهدفت هذه الخطوة إرسال إشارة واضحة إلى موسكو بشأن خطورة الانتقال إلى تدخل عسكرى منفرد، وليس بدء مواجهة عسكرية مع الاتحاد السوفيتى. ومن ثم، يمثل القرار نموذجا لاستخدام الاستعداد العسكرى أداة للردع فى إطار إدارة الأزمة.
ورفضت واشنطن المقترح السوفيتى الخاص بإرسال قوات من القوتين العظميين إلى مصر، لكنها أكدت استعدادها لاتخاذ إجراءات لضمان الالتزام بوقف إطلاق النار، ورأت أن زيادة عدد مراقبى الأمم المتحدة تمثل بديلا أكثر ملاءمة. ولم ينتقل الاتحاد السوفيتى بدوره إلى التدخل العسكرى المنفرد.
لذلك، لا تقتصر دلالة أزمة 24-25 أكتوبر (تشرين الأول) على ارتفاع مستوى التصعيد، بل تمتد إلى الطريقة التى أدار بها الطرفان هذا التصعيد. فقد استخدم كل منهما أدوات الضغط والردع مع إبقاء المجال مفتوحا أمام التسوية الدبلوماسية. وكشفت الأزمة بذلك حدود التنافس بين القوتين العظميين؛ فقد كانتا مستعدتين للدفاع عن مصالحهما ودعم حلفائهما، لكنهما لم تكونا مستعدتين لتحمل تكاليف انتقال الحرب الإقليمية إلى مواجهة عسكرية مباشرة بينهما.
آليات احتواء الأزمة: الردع والدبلوماسية والأمم المتحدة
اعتمد احتواء التصعيد خلال حرب أكتوبر على ثلاث آليات رئيسية عملت بصورة متداخلة: الردع، والاتصالات الدبلوماسية، وتوظيف الأمم المتحدة.
تمثلت الآلية الأولى فى استخدام الأدوات العسكرية لإرسال إشارات بشأن حدود التحرك المقبول. وكان رفع حالة التأهب الأمريكية إلى DEFCON 3 من أبرز الأمثلة على ذلك. فقد جاء فى سياق الرد على احتمالات التدخل السوفيتى المباشر، واستهدف زيادة التكلفة المتوقعة لأى تغيير فى مستوى الانخراط العسكرى. لكن الردع لم يكن قادرا بمفرده على إدارة الأزمة.
أما الآلية الثانية، فتمثلت فى استمرار قنوات الاتصال بين واشنطن وموسكو حتى خلال أكثر مراحل التوتر حساسية، سواء عبر الرسائل المباشرة بين نيكسون وبريجنيف أو من خلال الاتصالات بين كيسنجر والسفير السوفيتى أناتولى دوبرينين. وتشير وثائق العلاقات الأمريكية-السوفيتية إلى أن قناة كيسنجر-دوبرينين ظلت إحدى أهم وسائل الاتصال بين الطرفين خلال هذه المرحلة.
وسمحت هذه الاتصالات بنقل رسائل كل طرف بشأن حدود تحركه وتقدير نوايا الطرف الآخر، وهو عنصر أساسى فى منع سوء الحسابات خلال الأزمات التى تنطوى على إمكانية التصعيد بين قوى نووية.
ولذلك، لم تكن الدبلوماسية والردع مسارين منفصلين أو متناقضين. فكلما ارتفع مستوى الاستعداد العسكرى، ازدادت أهمية قنوات الاتصال السياسى، لأن الهدف لم يكن استخدام القوة فى الأساس، بل التأثير فى حسابات الطرف الآخر ومنعه من تجاوز حدود معينة.
أما الآلية الثالثة، فتمثلت فى دور الأمم المتحدة. فبعد القرارين 338 و339، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 340 فى 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، مطالبا بالالتزام الفورى والكامل بوقف إطلاق النار، وقرر إنشاء قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة تضم قوات من دول غير الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن. ثم جاء القرار رقم 341 فى 27 أكتوبر (تشرين الأول) فى إطار استكمال الترتيبات المتعلقة بقوة الطوارئ الدولية.
واكتسب هذا المسار أهمية خاصة لأنه قدم بديلا عن نشر قوات أمريكية وسوفيتية مباشرة فى منطقة العمليات. وبدلا من وجود وحدات عسكرية تابعة للقوتين العظميين على الأرض، وما يحمله ذلك من احتمالات احتكاك مباشر، أصبحت الأمم المتحدة الإطار المؤسسى الذى يتولى جانبا من مسؤولية مراقبة وقف إطلاق النار.
ولا يعنى ذلك أن المنظمة الدولية عملت بمعزل عن موازين القوى. فقد ارتبط عدد من القرارات التى اتخذها مجلس الأمن بصورة مباشرة بالمشاورات بين واشنطن وموسكو، لكن الأمم المتحدة وفرت إطارا يسمح بتحويل هذه التفاهمات إلى ترتيبات دولية أوسع.
وأوضح احتواء أزمة أكتوبر أن إدارة التصعيد لم تعتمد على أداة منفردة، بل على التفاعل بين الردع العسكرى والدبلوماسية والمؤسسات متعددة الأطراف.
فقد وضع الردع حدودا للتدخل، وساعدت الاتصالات الدبلوماسية على منع سوء تفسير تحركات الطرف الآخر، بينما وفرت الأمم المتحدة آلية مؤسسية لتثبيت وقف إطلاق النار من دون الحاجة إلى وجود عسكرى مباشر للقوتين العظميين.
وكان العامل الذى جمع هذه الآليات وجود مصلحة مشتركة لدى واشنطن وموسكو فى منع الحرب الإقليمية من تقويض العلاقة بينهما. ورغم حدة التنافس، ظل الحفاظ على حدود معينة لهذا التنافس عنصرا أساسيا فى حسابات الطرفين.
من إدارة الحرب إلى التنافس على مسار التسوية
لم يؤد وقف العمليات العسكرية إلى إنهاء التنافس الأمريكي-السوفيتى فى الشرق الأوسط، بل غير مجاله. فبعد أن تمحور التنافس خلال الحرب حول دعم الحلفاء وضبط حدود التصعيد، انتقل تدريجيا إلى التأثير فى مسار التسوية والترتيبات السياسية والأمنية التى أعقبت القتال.
وكان القرار 338 نفسه يحمل بداية هذا التحول، بعدما ربط وقف إطلاق النار ببدء المفاوضات من أجل الوصول إلى تسوية سياسية.
فى المرحلة الأولى، ظل التعاون الأمريكي-السوفيتى حاضرا. فقد كان التفاهم بين الطرفين عنصرا أساسيا فى الوصول إلى وقف إطلاق النار، وشاركا فى رعاية مؤتمر جنيف للسلام الذى افتتح فى ديسمبر (كانون الأول) 1973.
لكن المرحلة التالية كشفت عن تحول تدريجى فى طبيعة المنافسة على إدارة التسوية. فقد توسع الدور الأمريكى من خلال جولات التفاوض التى قادها وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر بين مصر وإسرائيل، وعرفت بـ”الدبلوماسية المكوكية”. وأصبح كيسنجر يؤدى دورا مركزيا فى المفاوضات الخاصة بفصل القوات بين مصر وإسرائيل. وتشير الوثائق الأمريكية إلى أنه تولى دورا قياديا فى المفاوضات التى أعقبت الحرب وانتهت إلى اتفاقات فصل القوات خلال عام 1974.
وفى 18 يناير (كانون الثاني) 1974، وقع اتفاق فصل القوات بين مصر وإسرائيل، الذى نظم إعادة انتشار القوات على جانبى قناة السويس، ووضع ترتيبات للفصل بينهما تحت إشراف قوة الطوارئ الدولية.
لكن لا ينبغى تفسير تصاعد الدور الأمريكى باعتباره نتيجة لقدرة واشنطن على إقصاء موسكو بصورة منفردة. فقد ارتبط أيضا بالاستراتيجية المصرية وإعادة القاهرة تقييم كيفية توظيف علاقتها بالقوتين العظميين بعد الحرب.
فمن وجهة النظر المصرية، كان تحقيق الهدف السياسى للحرب يتطلب تحويل النتائج العسكرية إلى عملية تفاوضية تؤدى إلى تغيير الوضع الذى استقر منذ عام 1967. لذلك اكتسبت الولايات المتحدة أهمية خاصة بسبب قدرتها على التأثير فى إسرائيل، وهو ما منح القاهرة حافزا لتوسيع نطاق التعامل السياسى معها.
وكانت الحرب قد غيرت البيئة التى تتحرك فيها السياسة المصرية. فقبل حرب أكتوبر، أخفقت القاهرة فى محاولاتها لدفع واشنطن إلى ممارسة ضغط لتغيير الوضع القائم. أما بعد الحرب، فلم يعد الصراع بالنسبة إلى الولايات المتحدة قضية يمكن إدارتها من خلال المحافظة على التوازن السابق، بعدما أثبتت العمليات العسكرية أن استمرار الجمود يحمل تكلفة سياسية واستراتيجية متزايدة. ومن هنا اتضحت قدرة مصر على توظيف نتائج الحرب سياسيا.
ولم تنتقل مصر ببساطة من الاعتماد على الاتحاد السوفيتى إلى الاعتماد على الولايات المتحدة، بل سعت إلى استخدام التغيير الذى أحدثته الحرب فى حسابات القوتين لتوسيع هامش حركتها وتحسين موقعها التفاوضى.
واستفادت مصر من الدعم العسكرى السوفيتى فى بناء قدراتها وإدارة الحرب، لكنها أدركت فى مرحلة التسوية أن واشنطن تمتلك أدوات تأثير على إسرائيل لا تمتلكها موسكو بالدرجة نفسها. ويساعد هذا التفاعل على تفسير التحول التدريجى فى مركز الثقل الدبلوماسى بعد الحرب.
ولم يختف الدور السوفيتى على الفور، ولم تنتقل إدارة الصراع بصورة كاملة إلى الولايات المتحدة بمجرد توقف العمليات. فقد ظلت التسوية فى مراحلها الأولى مرتبطة بتفاهمات أمريكية-سوفيتية وإطار دولى مشترك، قبل أن تتسع تدريجيا مساحة الدور الأمريكى فى المفاوضات المصرية-الإسرائيلية.
وبذلك، أصبح التنافس بعد أكتوبر يدور حول القدرة على تحويل النفوذ إلى دور سياسى داخل عملية التسوية. وتمكنت واشنطن تدريجيا من تعزيز موقعها، بينما تراجع الدور السوفيتى فى المسار المصري-الإسرائيلى.
لكن هذا التحول لم يكن مجرد نتيجة للتنافس بين القوتين العظميين، فقد كانت السياسة المصرية أحد العوامل المؤثرة فى تشكيله. ووظفت القاهرة نتائج الحرب لإعادة صياغة موقعها وعلاقاتها الخارجية، وربطت بين الإنجاز العسكرى والهدف السياسى بدلا من التعامل معهما باعتبارهما مرحلتين منفصلتين.
ومن ثم، لم تؤد حرب أكتوبر إلى تغيير المعادلة العسكرية التى استقرت بعد عام 1967 فقط، بل أسهمت أيضا فى إعادة تشكيل أنماط النفوذ الدولى فى الشرق الأوسط، وفتحت المجال أمام مرحلة جديدة أصبحت فيها التسوية السياسية نفسها ساحة للتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى.
وأخيرا
كشفت حرب أكتوبر 1973، عند تناولها من منظور العلاقات الدولية، عن نموذج مركب لإدارة التنافس بين القوى الكبرى داخل أزمة إقليمية.
فقد واجهت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى معادلة تقوم على ضرورة الحفاظ على التزاماتهما تجاه الحلفاء وحماية مصالحهما ونفوذهما الإقليمى، من دون الانزلاق بالدعم المقدم إلى مواجهة عسكرية مباشرة بينهما.
وأظهرت الحرب أن سياسة الانفراج الدولى لم تكن تعنى انتهاء التنافس الأمريكي-السوفيتى، بل وفرت إطارا لإدارته ووضع حدود لمستوى التصعيد المقبول. وظهر ذلك بصورة أكثر وضوحا خلال أزمة وقف إطلاق النار، عندما ارتفع التوتر إلى مستوى غير مسبوق خلال الحرب، قبل أن تنجح آليات الردع والاتصال الدبلوماسى والأمم المتحدة فى منع انتقال الأزمة إلى مواجهة أوسع.
لكن انتهاء القتال لم ينه التنافس، بل أعاد تشكيله. وانتقل مركز الثقل من دعم الحلفاء وإدارة التصعيد العسكرى إلى محاولة التأثير فى عملية التسوية وترتيبات ما بعد الحرب.
وتمكنت الولايات المتحدة تدريجيا من توسيع دورها الدبلوماسى، مستفيدة من علاقتها بإسرائيل وقدرتها على التأثير فى قراراتها، فى حين بدأ الدور السوفيتى يتراجع تدريجيا فى المسار المصري-الإسرائيلى.
ولا يمكن تفسير نتائج الحرب والتحول فى أدوار القوتين العظميين بمعزل عن الدور المصرى. فمصر لم تكن مجرد ساحة للتنافس الأمريكي-السوفيتى، بل كانت طرفا فاعلا سعى إلى توظيف هذا التنافس لخدمة أهدافه. واستخدمت العمل العسكرى لكسر الجمود الذى استمر منذ عام 1967، ثم تحركت لتحويل النتائج العسكرية إلى مكاسب سياسية، مستفيدة من اختلاف أدوات التأثير التى امتلكتها موسكو وواشنطن.
وتتمثل إحدى أهم دلالات حرب أكتوبر فى إظهارها قدرة الدولة الإقليمية على التأثير فى تفاعلات القوى الكبرى، وليس مجرد التأثر بها، عندما تنجح فى ربط استخدام القوة بهدف سياسى واضح، وتوظيف التحولات الناتجة عنه داخل البيئة الدولية.
وبذلك، تجاوزت نتائج حرب أكتوبر حدود ميدان القتال. فقد أسهمت فى إعادة صياغة آليات إدارة الصراع العربي-الإسرائيلى، وغيرت طبيعة التنافس الدولى المحيط به، وفتحت المجال أمام مرحلة أصبح فيها التأثير فى مسار التسوية أحد أهم محددات التنافس الأمريكي-السوفيتى فى الشرق الأوسط.
ينشر بالتعاون مع CAES مركز الدراسات العربية الأوراسية