في قلب الصحراء الشرقية، حيث تبدو الجبال للوهلة الأولى صامتة وجرداء، تخفى طبقات الصخور قصة مختلفة تمامًا؛ قصة بدأت منذ آلاف السنين عندما عرف المصري القديم طريقه إلى الذهب والمعادن، وتعود اليوم لتظهر من جديد، ولكن بأدوات التكنولوجيا الحديثة وحسابات الاستثمار العالمي.

فما بين تمور المجدول والبرحي فوق سطح الأرض، ومؤشرات الذهب والنحاس المحتملة تحتها، تبدو وادي دارا أمام اختبار جديد قد يحدد موقعها على خريطة الاستثمار في البحر الأحمر خلال السنوات المقبلة، ويحولها من تجربة زراعية ناجحة إلى نموذج اقتصادي متعدد الأنشطة، يجمع بين الإنتاج الزراعي والثروة المعدنية والصناعة والخدمات في قلب الصحراء الشرقية.

هنا في «وادي دارا»، على بعد نحو 47 كيلومترًا جنوب مدينة رأس غارب و113 كيلومترًا شمال الغردقة، تتشكل ملامح واحدة من التجارب التنموية اللافتة في محافظة البحر الأحمر، بعدما نجحت المنطقة خلال السنوات الماضية في ترسيخ نموذج تنموي يجمع بين الزراعة والإنتاج الحيواني والاستزراع السمكي، لتصبح واحدة من المناطق الواعدة في مجال الاستثمار الزراعي بالمحافظة وعلى مساحة تتجاوز 5 آلاف فدان، تحولت المنطقة إلى مجتمع إنتاجي متكامل تشارك فيه الجمعيات التنموية والمستثمرون، ويضم زراعات متنوعة، وفي مقدمتها تمور المجدول والبرحي، إلى جانب مزارع دواجن الجدود ومشروعات الاستزراع السمكي، في نموذج يعكس إمكانية تحويل مساحات من الصحراء الشرقية إلى مناطق إنتاج حقيقية.

لكن قصة «وادي دارا» لا تتوقف عند حدود الزراعة فداخل الجبال تتكشف مؤشرات جيولوجية تضع المنطقة أمام فرصة جديدة في قطاع التعدين، مع تنامي أعمال الاستكشاف عن الذهب والنحاس، وهما من الخامات التي تحظى باهتمام متزايد في الأسواق العالمية، في ظل التوسع الصناعي والتكنولوجي وارتفاع الطلب على المعادن اللازمة للطاقة الحديثة ومراكز البيانات وشبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية. ويكتسب وجود الذهب والنحاس معًا أهمية خاصة من الناحية الاستثمارية، إذ إن نجاح أعمال الاستكشاف في إثبات وجود كميات ودرجات تركيز اقتصادية يمكن أن يتيح تطوير مشروع متعدد المعادن، بما يزيد من القيمة الاقتصادية للخام ويمنح المستثمر فرصة للاستفادة من أكثر من عنصر معدني داخل المنطقة نفسها.

أكد الدكتور كرم الشيمي، الخبير الجيولوجي ومدير عام الاستكشاف بهيئة الثروة المعدنية سابقا، أن مصر تمتلك مؤشرات جيولوجية وتعدينية واعدة تعزز فرص التوسع في صناعة تعدين النحاس والذهب، مشيرًا إلى الكشف بمنطقة وادي دارا عن نوعيات من الرواسب التعدينية المعروفة عالميًا باسم «البورفري كوبر» Porphyry Copper، والتي تعد من أهم البيئات الجيولوجية الحاملة لخامات النحاس، وترتبط في العديد من الحالات بوجود الذهب.

وأوضح الشيمي أن أهمية رواسب «البورفري» لا ترتبط فقط بوجود النحاس بوادي دارا، وإنما بطبيعة هذه التكوينات التي يمكن أن تحتوي على كميات ضخمة من الخام، قد تتجاوز في بعض التقديرات 200 مليون طن، رغم أن نسبة تركيز المعدن داخل الخام تكون منخفضة نسبيًا مقارنة ببعض أنواع الخامات عالية التركيز.

وأكد الشيمي أن انخفاض درجة التركيز لا يعني بالضرورة ضعف الجدوى الاقتصادية للرواسب، إذ إن العامل الحاسم في مثل هذه المشروعات يتمثل في حجم الخام القابل للاستخراج، وطبيعة التكوين الجيولوجي، وإمكانية تطبيق تقنيات التعدين والمعالجة الحديثة، إلى جانب القيمة الاقتصادية للعناصر المصاحبة.

وأشار الشيمي إلى أن الدراسات والتحاليل المعملية والجيولوجية بوادي دارا كشفت عن اقتران بين الذهب والنحاس داخل هذه التكوينات، وهو ما يمنح هذه الرواسب أهمية إضافية من الناحية الاستثمارية، إذ يتيح إمكانية استغلال أكثر من معدن داخل المشروع التعديني الواحد، بما يرفع من القيمة الاقتصادية للخام ويعزز فرص تحقيق عائد أفضل من عمليات الاستخراج والمعالجة.

وقال الشيمي إن وجود الذهب مصاحبًا لرواسب النحاس يمثل عنصرًا مهمًا في تقييم المشروعات التعدينية، خاصة أن إنتاج المعدنين معًا يمكن أن يوفر ميزة اقتصادية مقارنة بالمشروعات التي تعتمد على معدن واحد فقط. وأضاف أن البورفري كوبر يمثل أحد الأنماط التعدينية ذات الطبيعة الخاصة، حيث تنتشر المعادن داخل أجسام صخرية كبيرة وعلى مساحات واسعة، وقد تمتد التكوينات إلى أعماق كبيرة، وهو ما يتطلب دراسات جيولوجية دقيقة وبرامج استكشاف متقدمة لتحديد حجم الموارد ومعدلات التركيز والامتداد الرأسي والأفقي للرواسب.

وأوضح الشيمي أن هذا النمط من الرواسب بمنطقة وادي دارا يختلف عن المناجم التقليدية التي قد تعتمد على وجود عروق معدنية عالية التركيز ومحدودة الامتداد، إذ إن رواسب البورفري تقوم بدرجة أكبر على الحجم الهائل للخام وانتشار المعادن داخل كتلة صخرية واسعة، بما يجعل التكنولوجيا الحديثة وأساليب التعدين واسعة النطاق عاملًا رئيسيًا في تحويل الموارد الجيولوجية إلى احتياطيات قابلة للاستغلال الاقتصادي ويمثل النحاس، إلى جانب الذهب، أحد أهم عناصر المعادلة الاستثمارية الجديدة، فالنحاس يعد من المعادن الأساسية في شبكات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة، كما يدخل في قطاعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. ومع التوسع العالمي في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، تتزايد الحاجة إلى قدرات كهربائية وشبكات نقل وتوزيع ضخمة، ما يرفع بصورة غير مباشرة الطلب على المواد المستخدمة في إنشاء وتشغيل البنية التحتية للطاقة، ومن ثم فإن اكتشاف مشروع يجمع الذهب والنحاس يمكن أن يمنح المنطقة فرصة استثمارية مختلفة، بشرط إثبات وجود كميات ودرجات تركيز تسمح بالتطوير الاقتصادي والإنتاج التجاري.

وأكد الشيمي أن ظهور مؤشرات لرواسب من هذا النوع في وادي دارا يمكن أن يمثل تحولًا مهمًا في خريطة الاستكشاف التعديني، خصوصًا مع توجه الدولة إلى زيادة الاستفادة من الثروات المعدنية وتحويل قطاع التعدين إلى أحد روافد الاقتصاد الوطني، وأشار إلى أن أهمية الاكتشافات الجديدة لا تقتصر على إنتاج خام النحاس أو الذهب فقط، وإنما تمتد إلى إمكانية إنشاء سلاسل قيمة صناعية متكاملة تبدأ من أعمال الاستكشاف والتعدين واستخراج الخام، مرورًا بعمليات التكسير والطحن والتركيز والمعالجة، وصولًا إلى إنتاج الخامات والمنتجات المعدنية ذات القيمة المضافة.

وأضاف أن زيادة إنتاج النحاس تكتسب أهمية خاصة في ظل التوسع العالمي في قطاعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وشبكات الكهرباء والصناعات التكنولوجية، والتي تعتمد بصورة متزايدة على النحاس باعتباره أحد المعادن الأساسية في البنية التحتية الحديثة وفي المقابل، يظل الذهب أحد أهم المعادن ذات القيمة الاقتصادية والاستثمارية، وبالتالي فإن وجوده مصاحبًا لرواسب النحاس يمكن أن يضيف بعدًا اقتصاديًا مهمًا للمشروعات المستهدفة.

وشدد الشيمي على أن الإعلان عن وجود مؤشرات أو رواسب واعدة لا يعني تلقائيًا تحولها إلى احتياطيات اقتصادية مؤكدة، وإنما تحتاج هذه المناطق إلى برامج استكشاف تفصيلية ومراحل متتابعة من أعمال الحفر والتحليل والتقييم الاقتصادي لتحديد حجم الموارد وقابلية استخراجها. وتتضمن هذه المراحل عادةً دراسة التكوينات الصخرية، وتحديد الامتدادات الجيولوجية للرواسب، وإجراء أعمال الحفر الاستكشافي، وتحليل العينات، وتحديد نسب المعادن، ثم إعداد نماذج جيولوجية ثلاثية الأبعاد تساعد في تقدير الموارد وتحديد أفضل طرق التعدين والمعالجة.

من هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه الاكتشافات بمنطقة وادي دارا تكمن في القدرة على الانتقال بها من مرحلة المؤشرات الجيولوجية إلى موارد معدنية محددة، ثم إلى احتياطيات قابلة للتعدين اقتصاديًا، وهو المسار الذي يمكن أن يحول المؤشرات الأولية إلى مشروعات إنتاجية حقيقية.

ولفت الشيمي إلى أن رواسب البورفري بمنطقة وادي دارا تتميز عادةً بالامتداد على مساحات واسعة وبأعماق كبيرة، وهو ما يمنحها قدرة على استيعاب مشروعات تعدين ضخمة، لكنه في الوقت نفسه يفرض متطلبات فنية واستثمارية مختلفة عن المشروعات التعدينية الصغيرة أو متوسطة الحجم وأكد أن التعامل مع هذه الرواسب يحتاج إلى رؤى استكشافية طويلة المدى واستثمارات كبيرة في أعمال البحث والحفر والبنية الأساسية والتكنولوجيا، إلى جانب تقييم دقيق للتكلفة والعائد والظروف الجيولوجية والتعدينية. وأوضح أن التطور الكبير في تقنيات الاستكشاف والمعالجة يمكن أن يسهم في التعامل مع الخامات منخفضة التركيز، وهو ما يفتح المجال أمام الاستفادة من رواسب ربما لم تكن ذات جدوى اقتصادية بالمعايير القديمة، لكنها أصبحت أكثر قابلية للاستغلال مع تطور التكنولوجيا وارتفاع الطلب العالمي على المعادن.

وأكد الشيمي أن هذه المؤشرات بمنطقة وادي دارا تمثل نواة حقيقية لمستقبل جديد في تعدين النحاس والذهب في مصر، لافتًا إلى أن نجاح عمليات الاستكشاف والتقييم يمكن أن يفتح الباب أمام اكتشافات أخرى مماثلة، ويعزز من فرص جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية إلى قطاع التعدين.

وأضاف أن اكتشاف رواسب البورفري بمنطقة وادي دارا يطرح رؤية جديدة للتعامل مع الثروات المعدنية المصرية، تقوم على البحث عن الأجسام المعدنية الكبيرة ذات الامتدادات الواسعة، وليس الاقتصار فقط على الخامات ذات التركيزات المرتفعة. وتأتي هذه المؤشرات في وقت تتزايد فيه أهمية التعدين عالميًا، مع ارتفاع الطلب على المعادن اللازمة للصناعات الحديثة والتحول في منظومة الطاقة، الأمر الذي يجعل امتلاك موارد من النحاس والذهب والمعادن المصاحبة عاملًا استراتيجيًا للدول التي تسعى إلى تعزيز قدراتها التعدينية والصناعية.

وبحسب الشيمي، فإن وجود رواسب تجمع بين النحاس والذهب بوادي دارا يفتح أمام مصر فرصة لتطوير مشروعات متعددة المعادن، بما يسمح بتحقيق أفضل استفادة ممكنة من الخام، ويعزز القيمة الاقتصادية للمناطق التعدينية، ويمنح قطاع التعدين المصري فرصة للانتقال من مجرد استخراج الخامات إلى تعظيم القيمة المضافة وتعزيز التصنيع والتشغيل والاستثمار.

وأكد الدكتور أبوالحجاج نصرالدين، الخبير والاستشاري الجيولوجي، أن «وادي دارا» تكتسب أهمية خاصة بسبب الجمع بين النشاط الزراعي فوق سطح الأرض والثروات المعدنية المحتملة في باطنها، وهو ما يمنح المنطقة طبيعة اقتصادية مختلفة عن كثير من مناطق التعدين التقليدية.

وأوضح نصر الدين أن الاستثمارات الزراعية ساهمت في خلق نشاط اقتصادي وإنتاجي داخل المنطقة، بينما تتجه الأنظار حاليًا إلى الإمكانات الجيولوجية التي قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستثمارات التعدينية، إذا أثبتت عمليات الاستكشاف وجود احتياطيات اقتصادية قابلة للاستخراج والإنتاج التجاري للنحاس والذهب. ولا تبدأ علاقة وادي دارا بالتعدين مع الاستثمارات الحديثة، فالصحراء الشرقية المصرية عرفت نشاطًا تعدينيًا واسعًا منذ الحضارة المصرية القديمة، وتشير الشواهد التاريخية والأثرية في مناطق التعدين إلى أن المصريين القدماء مارسوا أعمال البحث عن الذهب والمعادن واستخراجها ومعالجتها باستخدام وسائل تتناسب مع الإمكانات التقنية المتاحة في ذلك العصر.

وأشار إلى أن أعمال البحث والتقييم الجيولوجي تتركز في الوقت الراهن على تحديد الإمكانات الاقتصادية للمنطقة، تمهيدًا للانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا في عمليات الاستكشاف والتقييم، وصولًا إلى تحديد ما إذا كانت المؤشرات الجيولوجية الموجودة قادرة على التحول إلى مشروع تعدين اقتصادي متكامل.

الذهب والنحاس في منظومة جيولوجية واحدة

وتتمثل إحدى نقاط الاهتمام الرئيسية في وادي دارا في ظهور الذهب والنحاس معًا داخل منظومة جيولوجية حرارية مائية، وهي بيئات يمكن أن ترتبط بتكوينات معدنية متعددة نتيجة حركة السوائل الحارة داخل الشقوق والفوالق والتراكيب الصخرية، وترسب المعادن في ظروف جيولوجية مناسبة.

وتابع نصر الدين أن اليوم تعود الجبال نفسها إلى دائرة الاهتمام، لكن الفارق أن الجيولوجي الحديث يمتلك أدوات لم تكن موجودة لدى المصري القديم؛ من صور الأقمار الصناعية والخرائط الجيولوجية الرقمية إلى المسوح الجيوفيزيائية والتحاليل الكيميائية الدقيقة والحفر العميق، بما يسمح بفهم التكوينات الجيولوجية ورصد مؤشرات المعادن على أعماق ومساحات أكبر وتكشف قصة وادي دارا عن جانب آخر من طبيعة اقتصاد البحر الأحمر، فالمحافظة ليست سياحة وشواطئ فقط، وإنما تمتلك أيضًا موارد في الطاقة والزراعة والثروة الحيوانية والسمكية والتعدين. وفي الوقت الذي تمثل فيه الغردقة وسفاجا ومرسى علم مراكز رئيسية للسياحة والأنشطة البحرية، تمتد الصحراء الشرقية خلف هذه المدن حاملة ثروات معدنية ومواقع جيولوجية ذات أهمية تاريخية، وهذا التنوع يمنح البحر الأحمر فرصة لتكوين قاعدة اقتصادية متعددة المصادر، بدلًا من الاعتماد على نشاط واحد، خاصة مع توجه الدولة إلى تعظيم القيمة المضافة للموارد الطبيعية وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع التعدين.