ذكرى؟!

لا، ليست ذكرى.

فما تركه أكتوبر لم يتوقف بانتهاء المعارك، ولم يبقَ حبيس الصور القديمة أو أسماء الشوارع والنصب التذكارية، بل ظل حاضرًا فى بيوت المصريين وحكاياتهم، فى ابن صار أبًا، وحفيد ورث اسم جده، وزوجة عاشت سنوات على غياب رجل لم يعد، وفى مؤسسات وبيوت وحارات دفعت من أبنائها وأموالها وأيامها ما جعل الانتصار ممكنًا.

لم تكن الحرب، بالنسبة إلى المصريين، ست ساعات من العبور أو أيامًا من القتال فقط. كانت سنوات من الاستعداد والفقد والانتظار، شارك فيها من حمل السلاح، ومن انتظر عودته، ومن لم يعد، ومن دفع من ماله أو عمله أو حياته ثمنًا للحظة أراد المصريون أن يقولوا فيها ما لم يستطيعوا قوله بعد يونيو 1967: «أموت بس بلدى تعيش».

وفى حكاية أكتوبر التى نعرفها، بقيت مساحات واسعة لم تُروَ بما يكفي؛ شخصيات لم تحتل صورها الصفحات الأولى، وأحداث بدت صغيرة فى وقتها لكنها كانت فارقة فى طريق النصر، وأسر ظلت تحمل آثار الحرب بعد أن انتهت، وشهادات ظلت مدفونة فى البيوت والوثائق والجرائد القديمة.

«هنا.. نبحث عن هؤلاء» عن الذين لم يكونوا بالضرورة فى مقدمة المشهد، لكن المشهد لم يكن ليكتمل من دونهم، عن أسماء ربما لم تدخل كتب التاريخ، لكنها بقيت فى ذاكرة أسرة أو شارع أو مؤسسة، وعن لحظات لم تكن معركة بالمعنى العسكرى، لكنها كانت جزءًا من المعركة الأكبر التى انتهت فى أكتوبر.

هذه ليست حكاية أكتوبر كما نعرفها، وإنما محاولة للبحث عن الحكايات التى صنعت أكتوبر وظلت بعيدة عن الضوء.

أندية سخَّرت إمكانياتها لدعم المجهود الحربى

الأهلى يرفع اشتراكه السنوى.. والشمس يعد فريق الرماية لمواجهة «إنزال جوى للعدو»

حكايات صنعت أكتوبر وبقى أثرها فى البيوت

بين درعى الأهلى، النادى الأكثر جماهيرية لكرة القدم فى العالم العربى والأنجح خارج أوروبا، مرت صاعقة أقرب لنكسة رياضية للنادى المعبر عن حال الدولة فى مرحلة الستينيات، جعلته يتراجع لأدنى ترتيب فى الدورى المصرى، ومع ذلك قرر مجلس إدارته فى اجتماع تاريخى التقدم بطلب إلى وزارة الداخلية طالبًا إنشاء مركز تدريب للدفاع المدنى لأعضاء النادى.

«الأهلى زينة النوادي»، اللقب الذى جاء نتيجة ظروف عدة أقر فيها مجلس إدارته قرارات تاريخية، لا يعرف كثير من مشجعيه وثيقة من مجلس إدارته فى ذلك الوقت ضمن المجهود الحربى لدعم الجيش المصرى فى حرب السادس من أكتوبر 1973، أضاف فيها جنيها على قيمة الاشتراك السنوى لأعضائه [5000 عضو] تبرعًا للمجهود الحربى، كما قرر العاملون فى النادى التبرع بأجر يوم من مرتب الشهر الحالى للمعركة.

كما تقدم المجلس إلى وزارة الداخلية طالبًا إنشاء مركز تدريب للدفاع المدنى لأعضاء النادى، إلى جانب ذلك وكل مجلس الإدارة مندوبين عن النادى وبعض نجوم الرياضة بزيارة المستشفيات وتوزيع شارة النادى مع بعض الهدايا على الجرحى.

ليست مجرد ذكرى، إنما حاضر ومستقبل، النادى فى قراراته، ليمنح عضويته الشرفية لأسر الشهداء معلنًا أنه استكمالا للمجهود الحربى، فتح أبوابه لجمهوره لجمع التبرعات، وتخصيص مبناه الشرقى كمركز نقاهة لجرحى المعارك، ويسع 60 سريرًا، وأعد مركزًا للإسعاف وآخر لنقل الدم، ووضع مركز العلاج الطبيعى فى خدمة الجهات المسؤولة. عضوات النادى سيشرفن على إعداد الطعام وخدمة الجرحى.

ولم يبدأ هذا الدور مع انطلاق حرب أكتوبر؛ فبحسب الموقع الرسمى للنادى الأهلى، قرر مجلس الإدارة، فى الخامس من أغسطس 1967، تحويل الملاعب إلى مراكز للتدريب العسكرى، وفى الحادى عشر من أكتوبر من العام نفسه، ألزم الأعضاء الرياضيين بالتدريب والتطوع فى أعمال المقاومة الشعبية، وربط استمرار عضويتهم بأداء هذا الواجب. كما دعا العضوات الرياضيات، من سن العشرين إلى الأربعين، إلى التطوع فى التمريض والأعمال المساندة، وقرر جمع تبرعات من الأعضاء والمشجعين للمجهود الحربى.

وبعد ست سنوات، اجتمع المجلس فى الرابع عشر من أكتوبر 1973، وحدد مساهمات مالية لفئات العضوية والمدربين، وشكل لجنة للإشراف على التطوع للدفاع المدنى ومجالات المساهمة فى المعركة، وتكشف هذه القرارات، كيف اكتسب الانتماء إلى النادى معنى يتجاوز التشجيع والمنافسة؛ إذ أصبحت الملاعب مساحة للتأهيل، والعضوية بابًا للمشاركة، والعمل التطوعى امتدادًا للمسؤولية الوطنية، وبين التدريب والتمريض والتبرع، يظهر جانب من الاستعداد المدنى الذى سبق العبور، ورافق المقاتلين من خلف خطوط النار، داخل المدينة وفى حياة الناس اليومية.

نادى الشمس.. ملاعب على أهبة الطوارئ

لم يكن الأهلى وحده فى الساحة، فقد تأهبت نواد أخرى للمعركة، وبدأ 84 ناديًا فى مختلف المحافظات تحويل أنشطتها الرياضية والاجتماعية إلى أنشطة تخدم المعركة، تنفيذًا لقرار اللجنة العليا للأندية الرياضية لخدمة المعركة، برئاسة محمد أحمد، أمين سر مجلس رئاسة الاتحاد، ورئيس نادى الجمهوريات العربية «الشمس»،بمصر الجديدة.

وفى نادى الشمس، تحولت مرافق النادى وأنشطته إلى جزء من منظومة الاستعداد للطوارئ. ويقول فاروق عقل، وكيل النادى إن 25 فرقة للدفاع المدنى شُكلت من أعضاء النادى والمواطنين لخدمة حى مصر الجديدة، ودُربت على أعمال الإسعاف ومكافحة الحرائق ومراقبة الغارات وعمليات الإنقاذ.

ولم يتوقف الأمر عند التدريب، إذ أُنشئت أربعة مراكز لإسعاف الطوارئ داخل النادى، إلى جانب مستشفى كامل يضم 50 سريرًا ومجهزًا بغرفة للعمليات الجراحية، كما أُنشئت دار للنقاهة تضم 50 سريرًا أخرى.

وحُولت وحدات خلع الملابس الملحقة بالحمام الرئيسى للنادى إلى مستشفى، وجُهزت بكل ما يلزم للإقامة والتغذية، إلى جانب توفير الأطباء والممرضات والعمال. وأشرف على المستشفى اللواء الدكتور يوسف وهبة، عضو النادى، كما أشرف على دار الاستشفاء التى أُقيمت فى مكان مكتبة النادى، وضمت 50 سريرًا، إلى جانب أدوات ترفيهية للمرضىخلال فترة النقاهة.

الرياضيون والأطباء.. لكلٍّ دوره فى المعركة

حتى الفرق الرياضية دخلت على خط الاستعداد. فقد جرى إعداد فريق الرماية، الذى ضم أمهر رماة النادى، للتعامل مع أى محاولة للعدو للقيام بإنزال جوى. كما جرى تجنيد 350 طبيبًا من أعضاء النادى، ووضعهم على أهبة الاستعداد لتلبية أى طلبات عاجلة فى حالات الطوارئ، مع تجهيز سيارات إسعاف يمكنها التحرك لإجراء الإسعافات الأولية فى أى مكان.

أما فريق الكاراتيه، ففتح أبوابه أمام أعضاء نادى الشمس، وأهالى الحى للتدريب على الدفاع عن النفس، وتنمية المهارات الفردية ورفع الكفاءة البدنية.

هكذا لم تعد الأندية فى تلك الفترة مجرد أماكن لممارسة الرياضة أو قضاء أوقات الفراغ، وإنما تحولت تدريجيًا إلى مساحات للاستعداد المدنى، شارك فيها الرياضى والطبيب والمدرب والمواطن، كلٌّ بما يستطيع، فى وقت كانت فيه المعركة أكبر من أن تكون مهمة الجيش وحده.

الحاج محمد محمود نسى التفاصيل وبقى المعنى

فى أحد الشوارع، التقيناه صدفة، كان وحيدا لكن الجميع من حوله يساعدونه، ما اسمك يا حاج؟ قال: «اسمى محمد محمود، ميت غمر دقهلية»، يتذكر الحاج محمد محمود القليل مما فعله داخل الجيش، لكنه يعرف لماذا فعله، فبعد نحو خمسة عاماً قضاها جندياً فى القوات المسلحة، وهى ما يقرب من خمس عمره البالغ ثمانين عاماً، يلخص رحلته بجملة واحدة، فقد خدم ليظل اسم بلده حياً، وهذا يكفيه حتى لو رحل.

حكايات صنعت أكتوبر وبقى أثرها فى البيوت

ابن مدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية التحق بالجيش جندياً، وبقى فيه عبر سنوات حملت لمصر أصعب لحظاتها وأعظمها، خاض حرب 1967، ثم كان بين من شاركوا فى حرب أكتوبر 1973، وظل بعدها داخل الجيش فترة أخرى قبل أن يغادره.

مرت العقود، فخفتت التفاصيل، لم يعد الحاج محمد يتذكر أغلب ما كان يقوم به داخل الجيش، ولا الكثير من المواقف التى مر بها هناك، لكن ما غاب من الذاكرة لم يغيّر قناعته بما قدمه، وفى ذكرى حرب أكتوبر الثالثة والخمسين، تبدو قصته نموذجاً لجنود كثيرين خدموا بصمت، ثم عادوا إلى قراهم ومدنهم دون أن تحفظ الكتب أسماءهم. أما هو، فلا يبحث عن ذكر أو تقدير، ويكتفى بأن اسم بلده بقى حياً.

لم يكن امتداد الخدمة العسكرية لسنوات طويلة حكاية الحاج محمد وحده، ففى شهادته المنشورة على موقع «قلادة»، فى رسالة أرسلها إلى قائمة الشرف الوطنى المصرى، يذكر العريف المجند زغلول وهبة سليمان، أن أول دفعة من المجندين الذين التحقوا بالخدمة قبل منتصف عام 1969 بدأ تسريحها فى أبريل 1974، وأنه ظل ينتظر دوره فى الخروج من الجيش. وبين الالتحاق والعودة، امتدت سنوات من أعمار هؤلاء الرجال، وصارت الخدمة فصلًا طويلًا فى حياتهم؛ فصلًا قد تتراجع تفاصيله فى الذاكرة، كما حدث مع الحاج محمد، ويبقى معناه حاضرًا: أنهم كانوا هناك حين احتاجتهم بلادهم.

أسد سيناء

عزاء بطولى أرخ للبطل المجهول

فى صباح السادس من أكتوبر 1973، وبينما كان المقاتلون فى الزعفرانة يتلقون نبأ الحرب بالهتاف، جلس عريف الصاعقة سيد زكريا بعيداً عنهم يخط رسالة أخيرة لأسرته. كان ابن الأقصر يعرف أن هذا اليوم ينتظره منذ سنوات، وأنه لن يمر عليه كأى يوم آخر.

سيد زكريا

قال خالد زكريا، نجل شقيق الشهيد، لـ«المصرى اليوم»، إن عمه وُلد فى أكتوبر 1949 لأسرة كبيرة، وكان ترتيبه الثامن بين إخوته. ورأى بعينيه هزيمة 1967 وأيام الاستنزاف، فتحول لديه التطوع إلى قضية شخصية، وحاول الالتحاق بالجيش مرتين، لكن اللوائح ردته فى كل مرة لأن عمره لم يبلغ السن المقررة بفارق أيام.

وبحسب خالد، عاد سيد بعد كل رفض إلى أرض الأسرة ليعمل فيها، وكان يتألم لأن مكانه الحقيقى ليس بين الزرع. وفى أكتوبر 1970 جاء القبول أخيراً، ليلتحق بسلاح الصاعقة، وهو ما اعتبرته الأسرة تقديراً يليق بإصراره.

وأضاف أن قائد الوحدة صفى الدين غازى سرّح الأفراد فى أول أكتوبر 1973 لسبعة أيام، قبل أن يصلهم استدعاء عاجل فى أنشاص بعد يومين. تحرك سيد إلى الزعفرانة مع نحو ألفى مقاتل، وشاركوا فى مناوشات يومية مع القوات الإسرائيلية، إلى أن أعلن لهم المقدم محمود زكى عيسى بدء الحرب.

وأوضح خالد أن الرسالة التى كتبها سيد كانت موجهة لشقيقه أحمد، يطلب فيها منهم ألا يحزنوا إن استشهد، مستشهداً بآية كريمة عن الشهداء، ومؤكداً أن الرسالة قد تكون الأخيرة. ثم انتهت الحرب بنصر مصرى، وعاد المقاتلون، ولم يعد سيد، فسجلته الجهات المختصة ضمن المفقودين، وظل والده ينتظره حتى أضناه البكاء.

وتابع أن الأسرة علمت بعد 23 عاماً، فى 1996، أن رجل أعمال إسرائيليا فى ألمانيا طلب مقابلة السفير المصرى، وسلمه متعلقات الشهيد، ومنها ملابسه العسكرية ورسالته، وأفاد بأن سيد دمر ثلاث دبابات وأباد طواقمها ثم قضى على سرية مظلات، واستمر فى القتال وحده حتى الفجر. وبهذا انكشف مصير الأسد الذى ظل اسمه سنوات بين المفقودين.

عدى النهار.. والمغربية جاية

أسرة شهيد فى 1967 لم تُقم العزاء إلا فى 1973

الثأر، سمة للمصرى، فى أى وقت مات من هو من دمه، لا يربت الآخذ بعزائه إلا عندما ينتقم، وربما جاءت هذه السمة بشكل رئيس من هؤلاء الذين حصلنا على قصصهم، إذ لم يكن الثأر بالنسبة إليهم مجرد رغبة فى الانتقام، وإنما واجبًا تجاه من سقط، ودينًا ظل مفتوحًا حتى تحين لحظة القصاص، وفى أكتوبر، اتخذ هذا المعنى شكلًا مختلفًا، إذ امتزجت فكرة الثأر من العدو باستعادة الأرض والكرامة، وتحول ما بدأته الحرب إلى رغبة جماعية فى رد الاعتبار بعد سنوات من الهزيمة والاحتلال.

حكايات صنعت أكتوبر وبقى أثرها فى البيوت
حكايات صنعت أكتوبر وبقى أثرها فى البيوت

وفى واقعة تعكس جانبًا من الحرب الإعلامية التى رافقت حرب 1967، أذاع راديو إسرائيل حديثًا مع المواطن أنور فهمى عبد الله، وهو مزارع يبلغ من العمر 35 عامًا من قرية الإخيوة بمركز الحسينية فى محافظة الشرقية، مقدمًا إياه باعتباره أسيرًا مصريًا وقع فى الأسر خلال الحرب.

المفارقة أن أنور فهمى لم يكن أسيرًا، وفق ما أوردته صحيفة »الأهرام«، أكتوبر 1973، إذ كان موجودًا فى قريته ولم يتغيب عنها، لتكشف الواقعة عن بث معلومات مضللة عبر الإذاعة الإسرائيلية خلال فترة الحرب وما أعقبها.

وكانت قرية الإخيوة تقع فى الطرف الشمالى من محافظة الشرقية، بالقرب من الحدود الإدارية مع محافظتى الإسماعيلية وبورسعيد، وهو ما جعل موقعها الجغرافى قريبًا من مسرح العمليات العسكرية فى منطقة قناة السويس خلال حرب 1967.

الذكرى السنوية الأولى

كان الثأر فى أكتوبر أوسع من أن يكون مجرد رد على هزيمة يونيو، ففى بيوت كثيرة ظل غياب الشهداء حاضرًا طوال ست سنوات، تنتظر أسرهم لحظة تشعر فيها أن من فقدوا أرواحهم لم يذهبوا بلا ثمن. كان الانتصار، بالنسبة إلى هذه الأسر، بمثابة استرداد لشيء من حق ظل معلقًا منذ 1967.

ومن بين تلك القصص، حكاية الملازم أول المهندس عادل فوزى نسيم، الذى استشهد خلال حرب يونيو 1967. ست سنوات مرت على رحيله، بقى خلالها اسمه حاضرًا فى بيت أسرته، وظل عزاؤها مؤجلًا إلى أن جاءت حرب أكتوبر 1973، وحملت معها انتصارًا أعاد إلى المصريين شيئًا من الأرض والكرامة، وإلى أسر الشهداء شعورًا بأن دماء أبنائهم لم تذهب هدرًا.

إعلان قداس.. الفقد فى قصاصة صحيفة

وبعد انتصار السادس من أكتوبر بأيام، ظهر فى الصحف إعلان الأسرة عن إقامة القداس الإلهى على روحه الطاهرة، صباح الأحد 28 أكتوبر 1973، فى كنيسة السيدة العذراء بالزيتون. لم يكن الإعلان مجرد موعد لقداس على روح شهيد، بل وثيقة صغيرة تختصر علاقة خاصة بين الحرب والفقد والانتصار؛ فالرجل الذى غاب فى 1967، بقيت أسرته تنتظر اليوم الذى تستطيع فيه أن تودعه وهى تشعر أن مصر ردت على الهزيمة التى كانت سببًا فى استشهاده.

كان عزاء عادل فوزى نسيم متأخرًا ست سنوات، لكن موعده لم يكن عابرًا؛ جاء بعد أسابيع قليلة من عبور أكتوبر، وكأن الأسرة لم تجد فى نفسها القدرة على إغلاق صفحة رحيله إلا بعدما رأت بنفسها أن الهزيمة التى أخذته قد جاء الرد عليها، وأن الحرب التى انتهت باستشهاده لم تكن آخر كلمة فى الحكاية.

وسام «بطل سوريا» لكل طيار يسقط 5 طائرات

لم يكن التكريم فى حرب أكتوبر مقتصرًا على الاحتفاء بالجنود بعد انتهاء المعارك، ففى الجانب السورى اتخذت القيادة قرارًا بتحويل البطولة فى الميدان إلى نظام رسمى للتكريم، وبحوافز تمتد إلى ما بعد ساحة القتال.

حكايات صنعت أكتوبر وبقى أثرها فى البيوت

فى خضم حرب تشرين، صدر قرار بإنشاء وسام بطل الجمهورية العربية السورية، ومنح للطيارين الذين يحققون انتصارات جوية، فيما نص القرار على منح الوسام أيضًا للعسكريين الذين تنجح مهامهم فى إحداث تحول حاسم فى سير القتال لصالح القوات المسلحة السورية. ولم يكن الوسام حكرًا على الأحياء، إذ كان يمكن منحه للشهداء، كما امتد إلى المدنيين الذين يقدمون أعمالًا تسهم فى تحقيق النصر، وإلى العسكريين فى الجيوش العربية المشاركة فى القتال إلى جانب القوات السورية.

امتيازات للأبطال.. التكريم يتجاوز الوسام

ولم يكن التكريم رمزيًا فقط، إذ رافق الحصول على الوسام امتيازات مادية واجتماعية، من بينها تعويض شهرى وتعليم أبناء المكرمين مجانًا، وفق ما أوردته الصحافة وقتها. وبعد أيام من صدور القرار، أصبح للوسام حضور فعلى بين الطيارين السوريين، ومنحت القيادة عددًا من الطيارين ومقاتلى الدفاع الجوى الوسام تقديرًا لمشاركتهم فى التصدى للطيران الإسرائيلىوإسقاط طائراته.

كان إنشاء الوسام فى 20 أكتوبر 1973، قبل نهاية الحرب بأيام، تفصيلًا صغيرًا فى أخبار المعارك، لكنه يكشف جانبًا آخر من إدارة الحرب: محاولة تحويل ما يحدث فى الجو وعلى الجبهة إلى قصص بطولة وأسماء وامتيازات، بحيث يصبح المقاتل الذى يحقق إنجازًا استثنائيًا جزءًا من ذاكرة الحرب، لا مجرد رقم فى سجل المعارك.

بطولات ما بعد يونيو.. فى رواية المؤرخ

«مباشر»: الجيش المصرى الوحيد الذى حارب وهو يغنى.. و«الشافعى»: هناك انتصارات لا يعرفها كثيرون

استعرض عبده مباشر، المحرر العسكرى السابق، مراحل إعادة بناء الجيش وقرار الحرب وخطة الخداع ولحظات العبور الأولى التى قال إنها لم تتكرر فى جيش فى العالم، وقال إن هزيمة يونيو 1967 شهدت استيلاء إسرائيل على كل فلسطين وسيناء، والأخيرة وحدها تبلغ نحو 60 ألف كيلومتر مقابل 20 ألف كيلومتر مساحة إسرائيل، بينما بلغ إجمالى ما احتلته من الأراضى العربية نحو 69 ألف كيلومتر، مؤكدًا أن رد الفعل المصرى كان رفض منطق الاستسلام للمرة الأولى، فلا تفريط فى سيناء، ولابد من استعادة الكبرياء والكرامة.

عبده مباشر
محمد الشافعى

وتابع «مباشر» أن قرار الحرب كان بالغ الصعوبة، لأن إسرائيل كانت قد انتصرت فى 1948 و1956 و1967 فبلغت قمة الانتصار، بينما كانت مصر فى قاع الفشل، فقد كانت إسرائيل متفوقة كمًا وكيفًا، والولايات المتحدة كانت «تغرف» لها السلاح، فى حين كان الاتحاد السوفيتى يمد مصر بـ«القطارة» ولا يريدها جاهزة للحرب.

وأوضح لـ«المصرى اليوم»: تحركت مصر على ثلاثة محاور: إعادة بناء القوات المسلحة، وإعادة تسليحها، وتعليمها القتال، مؤكدًا أن الأصعب كان تحويل القوات المنسحبة فى 1967 إلى قوات مقاتلة ورفع روحها المعنوية، لأن 6 سنوات لا تصنع جيلاً جديدًا، فالمحاربون أنفسهم عاشوا الهزيمة، لذلك جاءت حرب الاستنزاف لتضع القوات أظافرها فى لحم العدو.

وعن قرار الحرب، قال إن الأمر لم يُحسم بين 1967 و1970، وتغير الموقف بعد وفاة جمال عبدالناصر، لافتًا إلى أن السادات طلب فى أول اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسته إعداد خطة هجومية لتحرير ولو عدة سنتيمترات شرق القناة، وأن القادة لم يصدقوا الأمر لأن وزير الحربية محمد فوزى كان يفضل العودة إلى الاستنزاف، وبعد أن حسم السادات صراع السلطة لصالحه فى مايو 1971، أعدت القوات المسلحة 18 خطة هجومية على قدر السلاح الموجود، وتعدل مع كل صفقة سلاح.

وأضاف أن رئيس المؤتمر اليهودى العالمى ناحوم جولدمان سأل وزير الدفاع الإسرائيلى موشى ديان فى أغسطس 1973 عما هو أفضل لإسرائيل: تسوية سياسية أم الاحتفاظ بالأراضى المحتلة؟ فرد ديان بأن إسرائيل وصلت إلى الحدود الآمنة التي تريدها، وتسعى لفرض سلام الأمر الواقع، والعرب سيرضخون إن لم يكن اليوم فغدًا، وأن الحدود الحالية ليست نهائية، وإسرائيل مع كل تطور عسكرى تخط حدودًا جديدة.

وقال «مباشر» إن المخابرات الحربية المصرية كشفت سر الخزانات، فأرسلت القيادة مهندسين جلبوا التصميم وعينة من الخليط وحللوها وتوصلوا إلى طريقة الوقاية منها، وفى 5 أكتوبر سد المهندسون منافذ السائل وأعطبوا أجهزة الإشعال، وفى 6 أكتوبر سبحوا تحت الماء للتأكد من أن الخزانات مازالت مغلقة، وفى اليوم نفسه كانت تقارير قد وصلت إسرائيل عن احتمال الحرب، فاطمأنت جولدا مائير إلى قول بارليف وإيلى عازر إن العبور مستحيل، وإلى سخرية ديان من أن المصريين يحتاجون سلاح المهندسين الروسى والأمريكى.

وواصل أن مصر هاجمت بـ5 فرق مشاة على امتداد 175 كيلومترًا، مستعينة بـ750 قاربًا تعبر كل مجموعة منها فى 12 دقيقة، وأن الجنود وهم يعبرون القناة تحت النيران كانوا يغنون «ادفع يا ابنى ولا تهدأ، هيا بنا نحرر سيناء، دع الموجة الثانية تعبر»، وهو ما لم يحدث فى جيش فى العالم.

وأوضح أن الجيش استخدم الطلمبات التوربينية لفتح ممرات فى الساتر الترابى بارتفاع 20 مترًا، وأن كل ممر استلزم جرف نحو 1500 متر مكعب ليتمكن المهندسون من إقامة الكبارى وتشغيل المعديات التى تعبر عليها الأسلحة الثقيلة لمساندة المشاة الذين واجهوا الدروع بصدورهم.

واختتم «مباشر» أن 30 ممرًا فُتحت قبل الثامنة، وعند الساعة الثامنة كان لمصر على الضفة الشرقية 50 ألف مقاتل و45 كتيبة تُحارب.

وبحسب الكاتب الصحفى محمد الشافعي، مؤلف كتاب «رأس العش»، فإن أغلب من شاركوا فى الحروب جميعًا لم ينالوا التكريم اللائق.

وأوضح «الشافعي» لـ«المصرى اليوم» أن عدد الشهداء فى حرب 1967 أقل منه فى 1973، وأن الجيش لم تُتح له فرصة مواجهة العدو فى يونيو 1967، مشيرا إلى أن قرار الانسحاب المفاجئ الذى اتخذه المشير عبدالحكيم عامر تسبب فى خسائر كبيرة فى المعدات، بينما عادت كتائب كثيرة سليمة بأفرادها.

وذكر «الشافعى» أن العام نفسه شهد انتصارات لا يعرفها كثيرون، منها تدمير الغواصة الإسرائيلية تانين أمام شواطئ الإسكندرية فى 6 يونيو 1967، وأسر أربعة من الضفادع البشرية كان لهم دور كبير فى صفقات تبادل الأسرى، بحسب روايته. ونسب كشفها وضربها إلى المقدم محمد عبدالمجيد عزب، الذى دمر لاحقاً فى يناير 1968 الغواصة داكار، وما زالت غارقة أمام الإسكندرية.

وتحدث عن معركة الجلبانة، وقال إن كتيبة صاعقة تصدت فيها للواء مدرع كامل ودمرت أكثر من 35 دبابة، وإنه وثق تفاصيلها فى كتابه من روايات اللواء عبدالوهاب الزهيرى واللواء محيى نوح، وروى أن الفريق عبدالمحسن مرتجى وجد النقيب محيى نوح يبكى على الشاطئ لأنه لم يحارب.

أكتوبر ثورتنا

ليس أفضل من توصيف نجيب محفوظ أديب نوبل عن أكتوبر فى واحد من أهم مقالاته لتأريخ الحدث الملحمى «ثورة وليس حربا».. فهكذا الثورات يقوم بها المجهولون يرعوها وينضمون لها ويزيدون من حرارتها، يقول محفوظ فى المقال التاريخي: «ثورة 6 أكتوبر»، المنشور فى جريدة الأهرام فى 19 أكتوبر 1973، لم ينظر محفوظ إلى ما جرى باعتباره معركة عسكرية انتهت بانتهاء القتال، وإنما رأى فيه تحولًا يتجاوز حدود الميدان، فكتب أن أكتوبر ثورة وليست معركة فحسب، وأن الثورة عنده وثبة روحية تمتد فى المكان والزمان، وأن العبور ليس إلا أول قفزة فى طريق من التحديات.

نجيب محفوظ
حكايات صنعت أكتوبر وبقى أثرها فى البيوت

وبعد أكثر من نصف قرن، تبدو الحكايات التى جمعناها هنا كأنها شواهد على ما قصده محفوظ. فالعابرون إلى سيناء لم يكونوا وحدهم فى الطريق؛ خلفهم أسر انتظرت، وأطباء استعدوا، وأندية تحولت إلى ساحات لخدمة المعركة، وأناس دفعوا من أعمارهم وأموالهم وأبنائهم، وشهداء ظل عزاؤهم مؤجلًا حتى جاء النصر، وأسماء لم تجد طريقها إلى الرواية الأشهر للحرب، لكنها كانت حاضرة فى تفاصيلها.

لهذا، ربما لا تكون حكاية أكتوبر قد انتهت بعد توقف المدافع. فما بقى منها ليس فقط نتيجة معركة، وإنما أثر تركته فى حياة الذين عاشوها، وفى الذين ورثوا قصصها من بعدهم. وكما كتب نجيب محفوظ فى ختام مقاله: «هذه هى ثورة 6 أكتوبر، ثورة الإرادة والعقل والروح».

نحن فقط حاولنا أن نبحث عن بعض تلك الروح، فى الحكايات التى لم تُروَ بما يكفى، فلم تكن كل حكايات أكتوبر فى بيانات القيادة، ولا فى صور القادة والجنود على ضفة القناة، ولا فى الساعات التى عبرت فيها القوات المصرية إلى سيناء. كانت هناك حكايات أخرى، لأشخاص ربما لم يظهروا فى المشهد، وأحداث بدت صغيرة فى لحظتها، لكنها كانت جزءًا من الطريق الطويل الذى انتهى إلى العبور والنصر. حكايات ظلت فى البيوت، وفى قصاصات الصحف، وفى دفاتر المؤسسات، وفى ذاكرة أسر لم يكن أكتوبر بالنسبة إليها يومًا واحدًا فى التقويم، وإنما لحظة غيّرت ما بعدها.

ولعل نجيب محفوظ، الذى عاش اللحظة وكتب عنها وهى لا تزال ساخنة، كان الأكثر قدرة على التقاط هذا المعنى.. أموت واسم بلدى يعيش.