معجزة انتصار أكتوبر.. ودهاء كيسنجر
معجزة انتصار القوات المسلحة المصرية على جيش الدفاع الإسرائيلى (الذى لا يقهر)، بدءًا من ظهر السبت السادس من أكتوبر ١٩٧٣، أذهلت هنرى كيسنجر، الذى جمع بدهاء بين منصبى وزارة الخارجية ومستشار الأمن القومى للرئيس الأمريكى آنذاك ريتشارد نيكسون وولاؤه الخفى لإسرائيل.
رغم توارد الإنذارات بهجوم مصرى وشيك، أجمعت تقديرات كافة أجهزة استخبارات واشنطن وتل أبيب التى تلقاها كيسنجر أن إسرائيل سوف تسحق أى عمل مصرى مسلح ضد مواقعها فى سيناء المحتلة، وبالتالى لم يكترث كثيرًا لتأهب قوات مصر وسوريا لشن هجوم متزامن لتحرير سيناء والجولان.
مع انتصارات الجيش المصرى يومًا بعد يوم، جلس كيسنجر فى مكتبه لساعات متأخرة من الليل يتابع أنباء المعارك، والمقاتلين المصريين يجتاحون المواقع الحصينة للجيش الإسرائيلى على طول جبهة قناة السويس، ويحبطون الهجمات المضادة، ويدمرون ألوية المدرعات، ويأسرون المئات من ضباط وجنود إسرائيل وتعرض صورهم على شاشات تليفزيونات العالم.
ظل كيسنجر على اتصال مستمر مع جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية، وتحدث معها مرارًا وهى فى حالة انهيار تام جراء الهزائم العسكرية، ونقل الصورة إلى الرئيس نيكسون الذى فوضه لإرسال كل العتاد الذى تريده إسرائيل، وأضاف نيكسون طبقًا لمذكرات كيسنجر: «لا أريد أن يلومنى أحد لأننى لم أرسل لهم ما يكفى من السلاح!».
يقول كيسنجر فى مذكراته عن الحرب، إنه انتظر لأيام ليسمع من سيمحا دينيتز، سفير إسرائيل فى واشنطن، أن القتال فى سيناء قد تحول لصالح إسرائيل، بينما السفير يصرخ أمامه بأن إسرائيل خسرت ٥٠٠ دبابة و٤٩ طائرة فى أول أيام القتال ونفدت ذخيرتها، ويهدد بالاستقالة من منصبه لتأخر وصول السلاح الأمريكى. ويرد كيسنجر على تهديدات السفير الإسرائيلى ساخرًا «السبب الأساسى لسوء التفاهم بيننا أننا تصورنا أنكم ستكسبون الحرب!»
انتظر كيسنجر دون جدوى تحول ميزان المعارك لصالح إسرائيل، ثم ربط موافقته على وقف إطلاق النار مع وجود قدر من التوازن فى ميدان القتال يسمح ببدء التفاوض بين الجانبين كما كتب فى مذكراته.
فتح كيسنجر أبواب مستودعات السلاح الأمريكى على مصراعيها لإسرائيل فى سابقة تاريخية، وأمر بجسر جوى من طائرات النقل الثقيل سى ١٣٠ لتحمل المدرعات والطائرات والذخيرة مباشرة إلى ميدان المعركة، بينما قامت الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية بتزويد القادة الإسرائيليين بكافة المعلومات التى يحتاجونها لاختراق الخطوط المصرية.
انتظر كيسنجر عشرة أيام كاملة حتى تمكنت إسرائيل من تحقيق تسلل على الجبهة المصرية فى منطقة الدفرسوار، فيما عرف بالثغرة بين مواقع الجيش المصرى الثانى والثالث على الشاطئ الشرقى للقناة رغم تحريره تمامًا من قوات الاحتلال.
تولى كيسنجر بعد ذلك جهود الوساطة بين مصر وإسرائيل لتحقيق فك الاشتباك الأول وانسحاب القوات الإسرائيلية من غرب القناة، وما تلاه من مفاوضات مضنية أدت إلى انسحاب إسرائيل الكامل من سيناء التى احتلتها فى يونيو ١٩٦٧.
فى المقابل لم ينسحب جندى مصرى واحد من سيناء المحررة طوال سنوات المفاوضات، بينما عادت القوات الإسرائيلية التى عبرت القناة فى عملية مسرحية تمت بطلب من كيسنجر، ثم تَتالى انسحابها من بقية الأرض المصرية المحتلة.
انتصار أكتوبر ١٩٧٣ غير ميزان القوة فى منطقة الشرق الأوسط، وقضى على أسطورة الجيش الذى لا يقهر، واستعاد التوازن الاستراتيجى الذى أرغم إسرائيل على الانسحاب الكامل من سيناء، وهدم وإخلاء ١٧ مستوطنة منها مدينة «ياميت» التى أنشأتها قرب رفح المصرية.
استماتت إسرائيل فى محاولاتها الإبقاء على بعض مستوطناتها أو مستوطنيها فى سيناء تحت ذرائع مختلفة، وظل الرفض المصرى صامدًا بعد معجزة الانتصار فى حرب أكتوبر، واستمر الضغط من خلال المفاوضات والتحكيم الدولى حتى استعادت مصر كامل ترابها الوطنى.