جمعتنى جلسة عمل بعدد من أقطاب الصناعة، طغى عليها الحديث عن «المصانع غير المرخصة» وأضرارها على الاقتصاد القومى وسمعة المنتج الوطنى واستهلاك الطاقة. ليست المشكلة، فى تقديري، فى وجود هذه المصانع خارج الإطار الرسمى فحسب، بل فى التعامل معها كمخالفة تُضبط وتُغلق، لا كطاقة إنتاجية قائمة يمكن تنظيمها ودمجها فى الاقتصاد الوطني.

ولعل ما يلفت النظر فى هذا الملف هو ذلك التنافر التام بين الدراية بما يُطلق عليه «مصانع بير السلم»، وبين غياب الحلول العملية الناجزة.

يعرف رجل الصناعة أين تتمركز هذه المصانع وما طبيعة نشاطاتها، ولديه تقديرات، وإن لم تكن دقيقة، لحجم استثماراتها وعمالتها. ومع ذلك تدور النقاشات حول «تحجيمها» و«عقابها»، ونادرًا ما تُطرح أسئلة أهم من قبيل: كيف تُدمج فى الاقتصاد الوطني؟ ولماذا يفضل أصحابها العمل فى الخفاء؟ وهل للتشريعات والإجراءات القائمة دور فى ذلك؟

فإذا كان صاحب المصنع يرى أن تكلفة الدخول إلى الاقتصاد الرسمي، بما تتضمنه من إجراءات وتراخيص ورسوم والتزامات فنية وضريبية وتأمينية، تفوق تكلفة بقائه خارج المنظومة، فإن تشديد العقوبات وحده قد لا يعالج أصل المشكلة، ومن ثم يرتبط نجاح سياسة التقنين بقدرة الدولة على جعل الالتزام بالقانون خيارًا اقتصاديًا أكثر جاذبية واستدامة.

هذا ولا يعد التقنين فكرة مستحدثة، فهناك قانون تسهيل منح تراخيص المنشآت الصناعية (رقم ١٥ لسنة ٢٠١٧)، وقانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر (رقم ١٥٢ لسنة ٢٠٢٠)، وكلاهما تضمن آليات وحوافز لدمج المنشآت غير الرسمية، مما يطرح سؤالاً آخر إلى قائمة الأسئلة السابقة: هل تعثر التطبيق؟ هل فى تعدد الجهات، أم فى كلفة الاشتراطات، أم فى ضعف الثقة بأن التقنين سيعود بنفع حقيقي؟

يصنف تقرير «مراجعة إنتاجية مصر: التركيز على قطاع الصناعات التحويلية»، الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية «OECD» المنشآت غير المرخصة إلى أنواع: غير مسجلة، أو بلا رخصة تشغيل، أو لم تستكمل الترخيص الصناعي، أو تعمل فى مواقع غير مخصصة للصناعة. ويشير إلى أن أغلبها يتركز فى المنسوجات والملابس والجلود والأثاث، وأن معظمها مشروعات متناهية الصغر يقل عمالها عن ٢٥ عاملًا.

من جانب آخر تسهم الصناعات التحويلية بنحو ١٤٪ من الناتج المحلى الإجمالى وتتجاوز قيمة إنتاجها ٢٤٠ مليار جنيه حسب بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عام ٢٠١٨، مما يكسبها أهمية استراتيجية بالغة. فيما تشير تقديرات البنك الدولى إلى أن الاقتصاد غير الرسمى ككل يمثل نحو ٣٢٪ من الناتج المحلى الإجمالي، حاليًا

وينبه التقرير أيضًا إلى العلاقة الطردية بين الارتفاع المضطرد فى عدد المصانع غير المرخصة وانتشار المنتجات الرديئة والمغشوشة (غير المطابقة للمواصفات)، نتيجة غياب منظومة الرقابة واختبارات الجودة، لا سيما فى قطاعات حيوية مثل: الأغذية، والمستلزمات الطبية، ومستحضرات التجميل، والمنتجات الكهربائية، ومواد البناء، وقطع الغيار، ولعب الأطفال.