حقائق التاريخ واحدة طالما أن حقائق الجغرافيا ثابتة وكل ما يتغير هو رداء السياسة ومظهرها وثوبها الذى تظهر به كل حين من الزمن.

من خريف ٢٠٢٣ حيث حرب الإبادة على غزة ثم خريف ٢٠٢٤ حيث سقط النظام البعثى فى سوريا، وما ترافق معه من نفوذ تركى فائق فى صناعة سورية الشرع، على حساب ما قد سبق من نفوذ إيرانى وروسى فائق التأثير على سورية الأسد. انهزمت إيران فى سوريا بسقوط الأسد. انتصرت تركيا فى سوريا بتنصيب الشرع. انتصار تركيا وهزيمة إيران جزء من دائرة عالمية أوسع تحيط بالصراع حيث روسيا فى مقابل الغرب، وحيث السياسة التركية تحتفظ بتنسيق عال مع أمريكا والناتو وإسرائيل.

درس جديد من دروس التاريخ الذى لا يفتأ يغير مظهره مع الاحتفاظ بجوهره حيث: الصراع بين فارس والأغارقة، ثم فارس والروم، ثم فارس وبيزنطة. فارس هى الآن إيران، والجبهة الأخرى بما فيها إسرائيل هى امتداد لليونان ثم الرومان ثم بيزنطة ثم العثمانيين. أردوغان - الداهية والدهقان - هو عصارة كل أولئك يلعب الدور الأخطر فى هدوء وتؤدة وحكمة استثنائية. يلعب ولا يبدو عليه أنه يلعب، دماغ إمبراطور من الوزن الثقيل لكنه ينافس قادة الصين فى تواضع الماكرين. هو جزء من كل أولئك الذين يصطف معهم لكنه اصطفاف فى حدود حاجته اليهم وحاجتهم إليه. فلا يُبدى لهم مودة تُحْسَبُ عليه ولا يرفض لهم طلباً جوهرياً يخسر به ولو قليلاً من مودتهم. خطوطه مفتوحة مع الجميع وقنواته موصولة مع الأضداد. كل ما يهمه أنه فى هذا الإقليم الملتهب أبداً منذ اخترعت شعوبُه فكرة السلطة العامة هو وريث جستنيان الأول ٥٢٧ - ٥٦٥ م فى مواجهة كسرى أنوشرون ٥٣١ - ٥٦٩ م، كما هو وريث سليم الأول ١٤٧٠ - ١٥٢٠ فى مواجهة إسماعيل الصفوى ١٤٨٧ - ١٥٢٤. هو يمثل تركيا الوطنية القومية السنية حليفة الغرب وصديقة إسرائيل وعضو الناتو فى مواجهة إيران الشيعية الثيوقراطية المسكونة بروح وطنية قومية فارسية حتى النخاع. هو جستنيان فى مواجهة أنوشروان، هو بيزنطة فى مواجهة فارس.

وبين فارس وبيزنطة - بالمعنى الواسع لبيزنطة وهى الآن أمريكا - تاه العرب فى الماضى ويتيهون فى الحاضر وتغم عليهم رؤية المستقبل. نستكمل غدا ان شاء.