د. أحمد أمل يكتب: العوائق الإثيوبية لنجاح مفاوضات سد النهضة
بعد خمسة عشر عاماً من إطلاق المفاوضات بشأن سد النهضة، لم يعد من الممكن التعامل مع إخفاق المفاوضات كانعكاس لمجرد اختلاف فنى أو قانونى بين إثيوبيا ومصر والسودان، وإنما بات من الضرورى إرجاع هذا الإخفاق إلى أسبابه المباشرة المتمثلة فى الطريقة التى أدارت بها إثيوبيا هذا الخلاف منذ الإعلان عن المشروع. فالتباين حول مشروعات الأنهار الدولية بين دول المنبع والمصب أمر طبيعى يمكن احتواؤه من خلال التفاوض والتسويات المتبادلة، إلا أن الاستراتيجية الإثيوبية بمختلف أبعادها من التقدم المنفرد فى أعمال الإنشاء، والتفاوض بغير إرادة للتسوية، والتأطير الإعلامى المضلل للمشروع كلها قد أضفت على النزاع أبعاداً سياسية وقانونية وأمنية تجاوزت فى كثير من الأحيان نطاق الخلاف الفنى حول قواعد الملء والتشغيل. وتتضح المسؤولية الإثيوبية عن تعقيد المسار التفاوضى بصورة أكبر من خلال نقل الخلاف من نطاق التفاوض على ترتيبات تشغيل سد إلى نزاع أوسع حول قواعد استخدام الأنهار الدولية وحدود السيادة وحقوق دول المصب فى ظل ممارسات إثيوبية متواترة أضعفت الثقة المتبادلة وقلصت فرص نجاح المسار التفاوضى.
التسييس المفرط لمشروعات المياه
اتجه الخطاب الإثيوبى إلى بناء سردية تبسيطية واختزالية لتبرير مشروع سد النهضة والترويج له، مستفيداً من قدرتها على مخاطبة الجوانب الشعورية لدى المتلقين أكثر من استنادها إلى عرض متوازن للوقائع والمعطيات. فعلى المستوى الداخلى، قامت هذه السردية على توظيف منطق المظلومية التاريخية، بما يسمح بإعفاء النخب الحاكمة المتعاقبة من مسؤولية تعثر مسار التنمية وعدم وصول عوائدها إلى قطاعات واسعة من المواطنين، وتفجير الصراعات الداخلية وتأجيجها، وإعادة تفسير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة باعتبارها نتيجة لحرمان إثيوبيا من الاستفادة من مواردها المائية. أما على المستوى الخارجى، فقد استند الخطاب إلى محاولة تصدير «عقدة ذنب» لدى المجتمع الدولى، من خلال تحميله جانباً من المسؤولية عن الأوضاع المعيشية المتردية لملايين الإثيوبيين، وتصوير الحاجة الإثيوبية لتجاوز القيود المفروضة على استغلال الأنهار الدولية باعتبارها ضرورة ملحة لإحداث تحول تنموى نوعى.
ولتعزيز انتشار هذه السردية، جرى إضفاء طابع شديد التسييس والعدائية على الخطاب الموجه إلى مصر تحديداً، من خلال الاستناد إلى عدد كبير من الادعاءات والمغالطات التى تتعارض مع وقائع التاريخ وثوابته. ولم يقتصر أثر هذا التوظيف على تشويه صورة مصر، وإنما أفضى أيضاً إلى تناقض جوهرى داخل الخطاب الإثيوبى نفسه، إذ إن المبررات التى تستخدم لإثبات حق إثيوبيا فى التحكم المنفرد فى النيل الأزرق تتعارض مع تقديم سد النهضة بوصفه مشروعاً تنموياً محضاً لا يترتب عليه ضرر جسيم لدولتى المصب.
التنصل من الالتزامات القانونية القائمة
يحاول الخطاب الإثيوبى المعاصر طرح قضية سد النهضة ضمن سردية «مناهضة الاستعمار»، من خلال تصوير المشروع باعتباره أداة للتحرر من نظام تاريخى يفترض أنه منح مصر سيطرة على مياه النيل وحرم إثيوبيا وغيرها من دول المنبع من الاستفادة منها. وتستند هذه السردية إلى الادعاء المتكرر بأن الحقوق المائية المصرية تقوم على اتفاقيات فرضتها القوى الاستعمارية على دول حوض النيل، وأن هذه الاتفاقيات فقدت مشروعيتها بانتهاء الحقبة الاستعمارية، فضلاً عن التأكيد على أن الدول الأفريقية المستقلة لم تكن طرفاً فيها من الأساس. غير أن هذه القراءة تتجاهل جوانب أساسية من التاريخ السياسى والقانونى للعلاقات بين دول الحوض، كما تتجاوز حقيقة أن إثيوبيا نفسها كانت طرفاً فى عدد من الاتفاقيات التى يراد اليوم التنصل من آثارها.
فلا تتوافق الادعاءات الإثيوبية بشأن الطبيعة «الاستعمارية» للحقوق المائية المصرية مع أساس الالتزامات التى قبلتها إثيوبيا نفسها. فمصر لم تجعل مطالبتها لإثيوبيا قائمة على اتفاقية ١٩٢٩ الخاصة بالنيل الأبيض، كما أن اتفاقية ١٩٥٩ لتقسيم مياه النيل وقعت بين مصر والسودان بعد انتهاء الاستعمار فى البلدين، ولم تكن إثيوبيا طرفاً فيها أصلاً. وفى المقابل، تظل إثيوبيا ملتزمة بالاتفاقية التى وقعتها حكومتها المستقلة عام ١٩٠٢، والذى تعهد فيها الإمبراطور منليك الثانى بعدم بناء أو السماح ببناء أى منشآت على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها حجز تدفقات المياه المتجهة إلى السودان ومصر. ومع ذلك، استمر الموقف الإثيوبى فى نفى وجود التزامات قانونية سابقة تقيد تعامل إثيوبيا مع مياه النيل أو تفرض عليها مراعاة الحقوق المائية المصرية. ويكشف هذا الموقف عن انتقائية واضحة فى التعامل مع الاتفاقيات الدولية؛ إذ تتعامل إثيوبيا مع اتفاقية ١٩٠٢ باعتبارها غير ملزمة فيما يتعلق بالقيود المفروضة على إقامة المنشآت المائية، بينما تستند إليها فى مواضع أخرى، ولا سيما فى تحديد حدودها مع السودان.
التصرفات الأحادية وفرض الأمر الواقع
لا يتمثل السلوك الإثيوبى فى رفض التفاوض بصورة مطلقة، وإنما فى الجمع بين الانخراط المستمر فى المفاوضات وبين مواصلة تغيير الواقع المائى على الأرض، بحيث لم تتحول المفاوضات إلى قيد فعلى على تنفيذ المشروع. فمنذ إعلان سد النهضة وبدء تشييده عام ٢٠١١، استمرت إثيوبيا فى المشاركة فى مسارات تفاوضية متعددة، بينما انتقل المشروع تدريجياً من البناء إلى الملء ثم التشغيل. وبذلك أصبح التفاوض يجرى بالتوازى مع تنفيذ إجراءات يفترض أن تكون قواعدها وآثارها موضوعاً للتفاوض، وهو ما منح الطرف الإثيوبى مع مرور الوقت واقعاً مادياً جديداً يمكن التفاوض انطلاقاً منه.
ظهر ذلك بوضوح فى المسار الذى بدأ بالمفاوضات الثلاثية المباشرة بين مصر والسودان وإثيوبيا فى عام ٢٠١١، وصولاً إلى المفاوضات التى رعتها الولايات المتحدة والبنك الدولى بداية من نوفمبر ٢٠١٩ والتى أسفرت عن إعلان أمريكى فى يناير ٢٠٢٠ عن الوصول لتفاهمات ناجحة بشأن عدد من القضايا، قبل أن تمتنع إثيوبيا عن حضور الاجتماع النهائى المقرر للتوقيع فى نهاية فبراير. ولم تنتظر إثيوبيا التوصل إلى اتفاق حتى تبدأ فى تغيير الوضع المائى فعلياً، ففى يوليو ٢٠٢٠ أعلنت إتمام المرحلة الأولى من ملء خزان السد رغم عدم التوصل إلى اتفاق نهائى، ثم أعلنت فى يوليو ٢٠٢١ بدء المرحلة الثانية من الملء بينما كانت المفاوضات لا تزال قائمة. وتكرر النمط ذاته فى عام ٢٠٢٢، عندما أعلنت إثيوبيا إتمام المرحلة الثالثة من ملء الخزان فى أغسطس دون التوصل إلى اتفاق نهائى، لتصبح عمليات الملء المتعاقبة جزءاً من إدارة النزاع إلى جانب كونها مراحل فنية للمشروع. كما استمر هذا المسار بعد استئناف المفاوضات فى يوليو ٢٠٢٣، عندما اتفقت مصر وإثيوبيا والسودان على محاولة إنهاء اتفاق بشأن قواعد الملء والتشغيل خلال أربعة أشهر. وعقدت الدول الثلاث أربع جولات تفاوضية حتى ديسمبر ٢٠٢٣، إلا أن الجولة الأخيرة انتهت فى ١٩ ديسمبر دون اتفاق.
السياسات المائية العدائية
لا يمكن تفسير السياسة المائية الإثيوبية باعتبارها مجرد استجابة لاحتياجات التنمية أو محاولة لاستثمار الوفرة المائية التى تتمتع بها البلاد بحكم امتلاكها أكثر من عشرة أحواض نهرية. فالممارسة الإثيوبية خلال العقود الماضية تكشف عن نمط أوسع من التعامل الأحادى مع الموارد المائية المشتركة، امتد إلى عدد من دول الجوار ولم يقتصر على حوض النيل. ويبرز حوضا نهرى جوبا وشبيلى فى الصومال باعتبارهما من أقدم الأمثلة على هذا النهج، ففى عام ١٩٨٨، أنشأت إثيوبيا سد ملكا واكانا لتوليد الكهرباء بسعة تخزينية تقارب ٧٦ مليون متر مكعب، ثم توسعت فى استخدام مياه الحوض لأغراض زراعية من خلال مشروع جودى، وأسهم الجمع بين التوسع فى تخزين المياه واستخدامها زراعياً فى خفض الإيرادات المائية للصومال بنحو ٦٠٪. وامتد النهج ذاته إلى حوض نهر أومو الذى يمثل المصدر الرئيسى للمياه فى بحيرة توركانا الكينية، حيث نفذت إثيوبيا، دون تنسيق مع كينيا سلسلة سدود جيلجيل جيبى الثلاثة بين عامى ٢٠٠٤ و٢٠١٥، لتتحول هذه المنظومة إلى المتحكم الرئيسى فى تدفقات نهر أومو، الذى يوفر نحو ٩٠٪ من الإيراد المائى السنوى لبحيرة توركانا.
ترتيباً على ما سبق، فإن نجاح التفاوض مستقبلاً تتطلب تغييراً جوهرياً فى الاستراتيجية الإثيوبية، وليس مجرد استئناف جولة جديدة من المفاوضات. فلا يكفى أن تعلن إثيوبيا استعدادها للحوار، وإنما يتعين أن تقترن المشاركة فى المفاوضات المستقبلية بإرادة حقيقية للتوصل إلى تسوية قابلة للالتزام والتنفيذ. فنجاح أى مسار تفاوضى جديد يتوقف على إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة التى تآكلت بفعل الإجراءات الإثيوبية الأحادية، وعلى قبول إثيوبيا مبدأ أن تحقيق المصالح التنموية الإثيوبية لا يتعارض مع حماية المصالح المائية المصرية والسودانية. وكلما انتقلت إثيوبيا من منطق تعظيم المكاسب المنفردة إلى منطق إدارة المورد المشترك، ومن فرض الأمر الواقع إلى بناء التوافق، أصبحت فرص التوصل إلى اتفاق مستقر أعلى. أما استمرار النهج السابق، القائم على التسييس والتنصل القانونى والتصرف الأحادى وتوسيع الاستخدامات المائية دون توافق، فلن يؤدى إلا إلى تحويل سد النهضة إلى مصدر دائم للتوتر فى علاقات إثيوبيا الإقليمية، بما قد يؤول بنتائج عكسية اقتصادياً وسياسياً.
ينشر بالتعاون مع المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية