حتى لا ننسى الخامس من يونيو ونحن نحتفل بانتصارات أكتوبر
يهل علينا كل عام شهر أكتوبر، والانتصارات العظيمة: العبور يوم ٦ أكتوبر، ومعركة المنصورة الجوية يوم ١٤ أكتوبر ١٩٧٣، وإغراق المدمرة إيلات يوم ٢١ أكتوبر ٦٧، حتى نتذكر أن ما حدث فى عام ٦٧ يعطينا الأمل دائماً، أنه مهما كانت الأيام الصعبة فى تاريخ مصر، فإننا قادرون دائماً على تحقيق النصر.
بدأت القصة فى شهر مايو ٦٧، عندما تواردت أنباء عن احتشاد قوات إسرائيلية أمام الحدود السورية، فى اتجاه هضبة الجولان، وهو ما بنى عليه إسرائيل شن هجوم على سوريا، والاستيلاء على هضبة الجولان، فصدرت الأوامر، فى مصر، بتحريك القوات المصرية إلى سيناء، فى مظاهرة عسكرية، بهدف تأييد الإخوة فى سوريا، ولردع العدو الإسرائيلى عن تنفيذ مخططه بالهجوم واحتلال الأراضى السورية. ولعل أول أخطاء القيادة العسكرية المصرية، حينها، هو عدم تحديد مهمة القوات المصرية، التى تتحرك إما فى مهمة دفاعية، أو لتنفيذ عملية هجومية.
فى ذلك الوقت، كان جزء كبير من القوات المسلحة المصرية يحارب فى اليمن، أما باقى القوات الموجودة فى مصر، فكان معظمها عائداً، لتوه، من تلك الحرب، وقد كنت، شخصياً، ضمن تلك القوات العائدة من اليمن بعد ثلاث سنوات، قضيتها فيما لا يمكن تصنيفه بأنه حرب، بمفهومها التقليدى الحديث، وإنما كانت معارك جبلية، ضد قبائل، تنفذ كمائن على الطرق الرئيسية، وهو ما كان أحد أسباب افتقار القوات المصرية العائدة من اليمن لأساليب، ومناهج، الحروب الحديثة. المهم أننى تحركت، وأنا برتبة ملازم أول، ضمن القوات المقاتلة إلى سيناء، ووصلت إلى الحدود مع العدو الإسرائيلى، فى منطقة الكونتيلا، ضمن كتيبتى المشاة، ورأينا علم إسرائيل يرفرف أمامنا على برج المراقبة، على مسافة ١٢٠٠ متر، داخل حدود فلسطين المحتلة.
ولما جاء يوم الخامس من يونيو ٦٧، شنت قوات العدو الإسرائيلى ضربة جوية ضد المطارات والقواعد الجوية المصرية، مركزة على منطقة العمليات فى سيناء. وحتى الطائرات المصرية، التى لم تنجح إسرائيل فى تدميرها، لم تستطع الطيران، بسبب استخدام إسرائيل، فى ذلك اليوم، لنوع جديد من القنابل، الفرنسية الصنع، ضد الممرات فى المطارات، مما أصابها بأضرار جسيمة، منعت استخدامها، قبل إصلاحها، وإعادة تأهيلها، وهو ما يستلزم أيامًا من العمل المتواصل، لم تتوفر لقواتنا، حينئذ.
وبعد ضربة العدو، صدرت لنا الأوامر بالانسحاب من على خط الحدود إلى عمق سيناء، ومع الأسف، تم الانسحاب تحت سيطرة جوية، كاملة، لطيران العدو الإسرائيلى. ووصلنا إلى منطقة نخل، وبعدها إلى ممر متلا، الذى يصل طوله إلى ٣٢ كيلو، ويضم حارتين؛ إحداهما ذهاباً، والأخرى إياباً، فإذا بالطيران الإسرائيلى ينفذ أحد التكتيكات المعروفة فى العلوم العسكرية، بأن أغلق مدخل ومخرج الممر، ليصبح الممر مصيدة للقوات المصرية، فاستشهد من فى داخله من قواتنا، بينما واصل الناجون من تلك العملية، الانسحاب سيراً على الأقدام، فى اتجاه السويس، تحت وابل من قذائف الطائرات الإسرائيلية، حتى وصلنا إلى قناة السويس، لنجد كل الكبارى وقد دمرها العدو، لمنع عودة القوات المصرية بأسلحتها من سيناء، فعبرنا إلى الضفة الغربية، باستخدام القوارب المطاطية، التابعة للمهندسين العسكريين، بينما طيران العدو يدمر ما بقى من أسلحة ومعدات الجيش المصرى المحدودة فى سيناء.
وقد كانت أكبر الأخطاء حينها، أنه تم تحريك القوات إلى سيناء دون وضع خطة علمية، واضحة، للانسحاب، إذا ما استلزم الأمر، فاستغرقت تلك الرحلة، الحزينة، خمسة أيام، ووصلنا، إلى قناة السويس، فى الخامسة من مساء يوم ٩ يونيو ٦٧، فيما أعتبره أسوأ أيام تاريخ مصر الحديث؛ لنرى العلم الإسرائيلى يرفرف على الضفة الشرقية للقناة، بينما الرئيس عبدالناصر يعلن تنحيه عن الحكم، إلا أن الشعب المصرى أعلن، فى نفس اللحظة، رفضه للهزيمة، ورفضه لتنحى عبد الناصر، وتأييده لتعيين الفريق أول محمد فوزى وزيراً للحربية، ومعه الفريق عبد المنعم رياض رئيساً للأركان، لينقذ مصر، بصموده، من مصير مجهول، وليبدأ عهد إعادة بناء الدفاعات على القناة.
ومرت الشهور، ونحن نحفر الخنادق، ونزرع الألغام، لمنع إسرائيل من عبور القناة، والوصول للعاصمة، ونتدرب على استخدام الأسلحة الجديدة، وقضيت السنوات الست، عمر حرب الاستنزاف، على الخط الأول للضفة الشرقية لقناة السويس، يفصلنى عن خط بارليف مسافة ٢٠٠ متر، هى عرض القناة. كان المخطط المصرى، خلالها، يضع خطته لعبور قناة السويس، التى عرفت، فى عهد الرئيس عبدالناصر، باسم «خطة المآذن العالية»، وتطورت إلى «الخطة جرانيت»، فى عهد الرئيس السادات.
وخلال حرب الاستنزاف، عانى الشعب المصرى، العظيم، الكثير من المصاعب، منها التهجير من مدن القناة الثلاث؛ بورسعيد والإسماعيلية والسويس، إلا أنه تحملها، دعماً لقيادته، ولجيشه، ليحول هزيمة يونيو ٦٧، إلى نصر مبين فى السادس من أكتوبر من عام ١٩٧٣، وليؤكد، مجدداً، أن مصر لن تهزم، أبداً، ما دام لها جيش قوى، وشعب مساند، وليرسى ما أكرره، دائماً، بأن الشعوب هى عماد الدول، وحائط الصد ضد أى محاولات للنيل منها، بوعيها وإدراكها وتلاحم أفرادها، على طريق تحقيق الغايات المنشودة.