أودعت محكمة جنايات مستأنف أمن الدولة، حيثيات حكمها بتأييد حكم أول درجة الصادر بمعاقبة متهم بالسجن المشدد ١٠ سنوات، ووضعه تحت مراقبة الشرطة لمدة خمس سنوات بعد انقضاء مدة عقوبته المقضى بها، كما قضت المحكمة بإدراج المتهم والكيان التابع له «جماعة داعش الإرهابية» على قائمتى الإرهابيين والكيانات الإرهابية لاتهامه بالانضمام إلى جماعة إرهابية فى القضية المعروفة بـ«داعش بولاق الدكرور».

وقالت المحكمة إن المتهم تمكن فى غضون منتصف عام ٢٠٢٢ من إنشاء خلية عنقودية تولى قيادتها، وأعطاه عناصرها البيعة على السمع والطاعة، مستهدفا من إنشائها ارتكاب عمليات عدائية داخل البلاد يكون من شأنها الإخلال بالنظام العام وزعزعة الأمن والاستقرار وإقامة ما أسماه «الخلافة الإسلامية».

وذكرت حيثيات المحكمة برئاسة المستشار حمادة الصاوى وعضوية المستشارين محمد عمار ورأفت ذكى والدكتور على عمارة وأمانة سر محمد السعيد، إنه استقر فى يقين المحكمة واطمأن إليها وجدانها، مستخلصة من سائر أوراقها وما تم فيها من تحقيقات وما دار بشأنها بجلسات المحاكمة - تتحصل فى أن المتهم المستأنف على حكم أول درجة ويدعى محمد سعيد اعتنق - منذ عام ٢٠١٤، وترسخت قناعته فى غضون عام ٢٠١٥ أفكارا ومفاهيم تكفيرية متطرفة قوامها تنفيذ عمليات عدائية، واستهداف أبناء الطائفة المسيحية واستحلال دمائهم وممتلكاتهم دور عبادتهم، واستهداف المنشآت العامة والمهمة والحيوية، ولا سيما التابعة للأجهزة الأمنية، والقول بفرضية القتال - بدعوى الجهاد - فى الداخل والخارج لإقامة ما يسمى «الخلافة الإسلامية» بالقوة باستخدام السلاح.

وتضمنت الحيثيات أن تلك الأفكار استقرت فى نفس المتهم، وتحرك بالدعوة إليها واستقطاب من يعتنقونها، حتى تمكن فى غضون منتصف عام ٢٠٢٢ من إنشاء خلية عنقودية تولى قيادتها، وأعطاه عناصرها البيعة على السمع والطاعة، مستهدفا من إنشائها ارتكاب عمليات عدائية داخل البلاد يكون من شأنها الإخلال بالنظام العام وزعزعة الأمن والاستقرار، كما سعى إلى إعداد عناصر تلك الخلية لتحقيق أغراضها، ووضع لهم برنامجا تدريبيا قام على أربعة محاور؛ أولها فكرى، فعقد لهم لقاءات تنظيمية بالأماكن العامة وعبر مواقع التواصل الاجتماعى بشبكة المعلومات الدولية، تدارسوا خلالها أفكارهم التكفيرية المتطرفة، وأمدهم بالمطبوعات والإصدارات السمعية والمرئية الداعمة لها ترسيخا لقناعتهم بها؛ وثانيها أمنى، فدربهم على اتخاذ أسماء حركية واستخدام هواتف محمولة غير مسجلة ببياناتهم وبرامج للتواصل الاجتماعى مؤمنة، ومنها برنامج «تيليجرام»، تجنبا للرصد الأمني؛ وثالثها عسكرى، حيث أمدهم بإصدارات خاصة باستخدام الأسلحة النارية بمختلف أنواعها وتصنيع العبوات المتفجرة؛ ورابعها بدنى، إذ كلفهم بالتردد على صالات الألعاب الرياضية بمحيط محال إقامتهم لرفع كفاءتهم البدنية، تمهيدا لتلقى التكليفات اللازمة لتنفيذ أغراض الخلية.

وتبين من التحريات التى استندت اليها المحكمة فى حكمها أن المتهم المستأنف لم يقف نشاطه عند ذلك الحد، بل اشترى مواد كيميائية ثنائية الاستخدام، واستخدمها فى تصنيع عبوات متفجرة وأحزمة ناسفة، وجربها خلال عام ٢٠٢٢ بقطعة أرض مهجورة مجاورة لمحل إقامته بمنطقة صفط اللبن للوقوف على قوة تأثيرها. كما تولى الإنفاق من ماله الخاص لتوفير الدعم المالى اللازم لعناصر خليته وشراء الأسلحة والذخائر، وتواصل فى سبيل ذلك مع عناصر إجرامية تتجر فيها بطرق غير مشروعة.

وفى إطار المضى فى تنفيذ مخطط الخلية، أصدر المستأنف تكليفات إلى عناصرها برصد عدد من المنشآت العامة والمهمة والحيوية والمنشآت الشرطية والعسكرية والتمركزات الأمنية، وضباط وأفراد القوات المسلحة والشرطة ورجال القضاء، وأبناء الطائفة المسيحية ودور عبادتهم، فنفذ بعضهم جانبا من تلك التكليفات وأمدوه بمعلومات الرصد، توطئة لاستهداف ما جرى رصده بعمليات عدائية بأسلوب «الذئاب المنفردة»، إلا أن تلك العمليات لم تنفذ لضبط قائد الخلية قبل استهداف ما تم رصده.

وأفادت الحيثيات بأن الأجهزة الأمنية نفذت إذن النيابة العامة بضبط المستأنف وتفتيش شخصه ومسكنه، بمنطقة صفط اللبن بدائرة قسم بولاق الدكرور بمحافظة الجيزة، وتمكنت من ضبطه فى حوالى الساعة الحادية عشرة مساء يوم ٢٨ من يناير سنة ٢٠٢٣، وأسفر تفتيش مسكنه عن ضبط راية قماشية سوداء مدون عليها باللون الأبيض عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وسلاح أبيض «خنجر» داخل جراب، وبمواجهته بالمضبوطات قرر له أن الراية خاصة بتنظيم «داعش» الإرهابى، وأنه اشترى السلاح الأبيض بغرض استخدامه فى تنفيذ أى من العمليات العدائية داخل البلاد.

واستندت المحكمة فى أسباب حكمها إلى اعترافات المتهم الذى أقر أمام جهات التحقيق أنه تعرف من خلال مطالعة مواقع الإنترنت وبرامج التلفاز وصفحات بموقع «فيسبوك» الإلكترونى للتواصل الاجتماعى منذ نحو عام ٢٠١٣ على أفكار تنظيمى «داعش» و«القاعدة»، ومعتقداتهما القائمة على تكفير المجتمعات التى لا تطبق الشريعة والحدود، كما قرر أنه كان يدخل إلى بعض الصفحات المؤيدة لتنظيم «داعش» بدعوى التعليق عليها.

وأضاف أن أولى مشاركاته السياسية كانت يوم ٢٨ يناير ٢٠١١، إذ كان يومئذ بجامع الفتح برمسيس وشارك فى المظاهرات التى انطلقت هناك، وأصيب خلالها بطلقات خرطوش فى ساقيه، كما شارك بعد ذلك فى مظاهرات بميدان التحرير، وتم ضبطه يوم ١٩ نوفمبر ٢٠١١ بشارع محمد محمود المتفرع من ميدان التحرير ثم أخلى سبيله. وأضاف أنه تابع فى وقت لاحق الحركة المسماة «أحرار» عبر موقع «فيسبوك»، وحضر فى غضون عام ٢٠١٢ ندوة تعريفية نظمتها كلية الهندسة بجامعة القاهرة، ثم علم بعد ذلك بوقوع مظاهرات دعت إليها الحركة وتخللت بعضها أعمال عنف. كما قرر أنه كان ينشر عبر حسابه المسمى «محمد سعيد» بموقع «فيسبوك» ضد الدولة.

وردت المحكمة على الدفوع المقدمة من دفاع المتهم بشأن خلو محضر التحريات من توقيع محرره، بأن هذا لا ينال من اقتناع المحكمة بها؛ ذلك أن المحضر ذاته أثبت محرره وصفته وتاريخ تحريره، وعرضت التحريات المنسوبة إليه على النيابة العامة فأصدرت أمرها عقب الاطلاع عليها، ثم مثل المذكور بتحقيقات النيابة العامة وقرر صراحة أنه القائم بإجرائها، وفصل مضمونها والنتائج التى انتهى إليها، بما تنتفى معه أية جهالة فى شخص مجريها أو فى نسبة ما ورد بها إليه، ولا ترى المحكمة فى هذا الوجه فى نطاق تقديرها لجديتها وكفايتها ما يحملها على طرحها.

وإذ كان ما تقدم، فإن الإذن يكون قد قام من هذه الناحية- على تحريات قدرتها النيابة العامة بحق كافية لإصداره، وتطمئن المحكمة إلى جديتها، ويضحى ما يثيره الدفاع فى هذا الشق غير سديد.

أما بالنسبة للدفع بصدور الإذن بالتفتيش بعد الضبط فإنما هو دفاع موضوعى، يكفى للرد عليه اطمئنان المحكمة إلى وقوع الضبط والتفتيش بناء على الإذن، أخذا بالأدلة التى أوردتها فى هذا الشأن، ولها أن تعول على أقوال شهود الإثبات وتعرض عما يخالفها من أقوال أو أدلة النفى متى كان استخلاصها سائغا؛ كما أن الأصل أن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى إليه اقتناعها، وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى، ما دام استخلاصها مستندا إلى أدلة مقبولة فى العقل والمنطق ولها أصلها الثابت بالأوراق.

وبالنسبة للدفع ببطلان استجواب المتهم بتحقيقات النيابة العامة، تأسيسا على عدم تمكينه من الاتصال بذويه وبمحاميه، وعدم إحاطته بحقوقه كتابة، وإجراء استجوابه بغير حضور محام معه موكلا كان أو منتدبا، بالمخالفة للمادة ٥٤ من الدستور والمادة ١٢٤ من قانون الإجراءات الجنائية؛ فإنه مردود ذلك أن الدستور أوجب أن يبلغ كل من قيدت حريته فورا بأسباب ذلك، وأن يحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورا، وألا يبدأ التحقيق معه إلا فى حضور محاميه، فإن لم يكن له محام ندب له محام؛ كما أوجب المشرع بنص المادة ١٢٤ من قانون الإجراءات الجنائية -فى الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس وجوبا- ألا يستجوب المحقق المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلا بعد دعوة محاميه للحضور، فإذا لم يكن له محام أو لم يحضر محاميه بعد دعوته وجب على المحقق من تلقاء نفسه أن يندب له محاميا.

ومن المقرر أن مؤدى النص الأخير أن المشرع استن ضمانة خاصة للمتهم فى جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس وجوبا، قوامها وجوب دعوة محاميه إن وجد قبل استجوابه أو مواجهته، فإن لم يكن له محام وجب على المحقق أن يندب له محاميا من تلقاء نفسه، توخيا لتطمين المتهم وصونا لحقه وحرية دفاعه عن نفسه؛ كما أن الاستجواب فى مدلوله القانونى إنما يعنى مجابهة المتهم بالأدلة المختلفة القائمة قبله ومناقشته فيها مناقشة تفصيلية كيما يفندها إن كان منكرا أو يعترف بها إن شاء.

ولما كان ذلك، وكان الثابت من الاطلاع على محضر استجواب المستأنف بتحقيقات نيابة أمن الدولة العليا المؤرخ ٢٩ من يناير سنة ٢٠٢٣ أن المحقق قبل الخوض معه فى موضوع الدعوى أحاطه بأنه يمثل أمام النيابة العامة وأنها تباشر معه إجراءات التحقيق، وناظره للوقوف على ما إذا كانت به إصابات، وأحاطه بالاتهامات المنسوبة إليه وعقوباتها، ثم سأله عما إذا كان لديه مدافع يرغب فى حضوره إجراءات التحقيق أو شهود نفى يرغب فى الاستشهاد بهم، فأجاب عن الشقين سلبا؛ فلم تقف النيابة العامة عند ذلك، بل أرسلت مندوبها إلى مقر نقابة المحامين الفرعية لانتداب أحد المحامين للحضور معه، فحضر محاميا انتدبته النيابة، وأثبت المحقق اطلاعه على بطاقة عضويته بنقابة المحامين، ثم أثبت صراحة بمحضر التحقيق أنه شرع من بعد ذلك فى استجواب المستأنف فى حضور مدافعه.

وكان ما سبق حضور المحامى من إجراءات قد اقتصر على التحقق من شخص المستأنف وحالته الظاهرة، وإحاطته بالتهم وعقوباتها واستطلاع أمر دفاعه، دون أن يتضمن مناقشته تفصيلا فى أدلة الاتهام أو مجابهته بها، فإن الاستجواب بمعناه القانونى لم يبدأ إلا بعد حضور المدافع، بما تكون معه الضمانة التى استوجبها الدستور وفصل أحكامها نص المادة ١٢٤ من قانون الإجراءات الجنائية قد تحققت على وجهها الصحيح، ويضحى ما ينعاه الدفاع من إجراء الاستجواب بغير حضور محام مصادما للثابت بمحضر التحقيق ذاته.

وردت المحكمة على الدفع بانتفاء الأركان المادية والمعنوية للجرائم موضوع أمر الإحالة فى حقه، تأسيسا على خلو الأوراق من دليل مادى على قيام الجماعة الإرهابية أو توليه تأسيسها وقيادتها، وعدم ثبوت تقديمه أموالا أو وسائل دعم لها مع توافر القصد المؤثم، وإنكاره صلته بالخنجر المضبوط وعدم ثبوت استعماله فى أية جريمة بإن الحكم المستأنف قد عرض لهذا الدفاع واطرحه بأسباب تأخذ بها هذه المحكمة وتعتبرها مكملة لأسباب قضائها، إلا أنها تضيف ردا على ما بسطه المستأنف بأسباب استئنافه أنه لما كان قانون مكافحة الإرهاب قد عرف الجماعة الإرهابية بأنها كل جماعة أو جمعية أو هيئة أو منظمة أو عصابة مؤلفة من ثلاثة أشخاص على الأقل، أو غيرها من الكيانات التى تثبت لها تلك الصفة، أيا كان شكلها القانونى أو الواقعى، متى كان غرضها ارتكاب جريمة أو أكثر من جرائم الإرهاب أو كان الإرهاب من الوسائل التى تستخدمها لتحقيق أغراضها الإجرامية؛ وعاقب على إنشاء تلك الجماعة أو تأسيسها أو تنظيمها أو إدارتها أو تولى زعامتها أو قيادتها، فإن مناط قيام الجريمة هو ثبوت قيام التنظيم فى الواقع، وتوافر الغرض الإرهابى فى نشاطه، وإسناد فعل التأسيس أو القيادة إلى المتهم مع علمه بذلك واتجاه إرادته إليه.

ومن المقرر فى قضاء النقض أن العبرة فى قيام الجماعة وعدم مشروعيتها ووصفها بالإرهابية ليس باتخاذها شكلا قانونيا معينا أو بصدور ترخيص أو تصريح لها، وإنما بالغرض الذى تهدف إليه والوسائل التى تتخذها للوصول إلى ما تتغياه؛ ومن ثم فلا يلزم لإثبات قيامها ضبط محرر بإنشائها أو لائحة بتنظيمها أو كشف بأسماء أعضائها متى استخلصت المحكمة من أدلة سائغة قيامها الفعلى وأغراضها ووسائلها وعلاقة المتهم بها.

ولما كان الثابت فى الصورة التى اطمأنت إليها المحكمة من أدلة الدعوى على النحو السالف تفصيله أن المستأنف، بعد أن استقرت لديه الأفكار والمفاهيم التى دان بها، لم يقف عند مجرد اعتناقها، بل تحرك بالدعوة إليها واستقطاب عدد من معتنقيها، وأنشأ فى غضون منتصف عام ٢٠٢٢ خلية عنقودية تولى قيادتها، وبايعه عناصرها على السمع والطاعة، وأعدهم من خلال برنامج تنظيمى قام على محاور فكرية وأمنية وعسكرية وبدنية، ودربهم على وسائل التخفى وتأمين الاتصالات، وأمدهم بإصدارات تتعلق باستخدام الأسلحة النارية وتصنيع العبوات المتفجرة، ثم أصدر إلى عناصر الخلية تكليفات برصد منشآت وأشخاص محددين، فنفذ بعضهم تلك التكليفات وأمدوه بنتائج الرصد تمهيدا لاستهدافها بعمليات عدائية؛ فإن ما تقدم يكشف عن كيان تنظيمى واقعى متعدد العناصر، لا عن مجرد التقاء عارض فى الفكر أو الرأى، وتستخلص المحكمة من تعدد من استقطبهم المستأنف وتلقوا تكليفاته ومن تنفيذ بعضهم أعمال الرصد أن ذلك التكوين قد استوفى الحد العدى الذى تطلبه القانون لقيام الجماعة.

وعن جريمة تمويل الإرهاب، فإنه لما كان مفهوم التمويل فى قانون مكافحة الإرهاب لا يقتصر على تسليم مبلغ نقدى فى صورة معينة، وإنما يتسع لتوفير الأموال والأصول ووسائل الدعم والأسلحة والذخائر وغيرها متى تم ذلك بقصد استخدامها، كليا أو جزئيا، فى نشاط أو جريمة إرهابية أو مع العلم بذلك، وكانت الجريمة لا يتوقف تمامها على تنفيذ العمل الإرهابى الذى أعد التمويل من أجله؛ فإن ما يثيره الدفاع من عدم تنفيذ العمليات التى كان يجرى الإعداد لها لا ينال بذاته من توافر جريمة التمويل متى ثبت فعله وغرضه.

وكان الثابت مما اطمأنت إليها المحكمة مجرى التحريات وما فصلته المحكمة من أدلة الدعوى أن المستأنف تولى من ماله الخاص توفير الدعم المالى اللازم لعناصر خليته، وخصص منه ما يلزم لشراء الأسلحة والذخائر، وتواصل فى سبيل الحصول عليها مع عناصر إجرامية تتجر فيها بطرق غير مشروعة؛ وهى أفعال محددة عينت المحكمة ماهيتها ووجه إنفاق المال فيها، فلا يكون الاتهام فى هذا الخصوص قائما على مجرد وصف مجهل بالتمويل. وإذ كان المستأنف وفق ما استقر فى يقين المحكمة هو مؤسس الخلية وقائدها والقائم على إعداد عناصرها وتحديد أهدافها وتكليفاتهم، فإن علمه بوجه استعمال تلك الأموال ووسائل الدعم واتجاه إرادته إلى تسخيرها لتحقيق أغراض الخلية الإرهابية مستفادان من طبيعة دوره فيها ومن تخصيص المال ذاته لما يخدم نشاطها؛ ومن ثم تتوافر فى حقه الأركان المادية والمعنوية لجريمة التمويل على النحو الذى خلصت إليه المحكمة.

ولما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث، الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى إليه اقتناعها، وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى، ما دام استخلاصها سائغا مستندا إلى أدلة مقبولة فى العقل والمنطق ولها أصلها الثابت فى الأوراق، وأن وزن وتقدير أقوال الشهود مرجعه إلى تلك المحكمة. وكان اطمئنان المحكمة إلى حدوث الواقعة على النحو الذى استخلصته من سائر الأدلة التى ساقتها واستقرت فى وجدانها؛ ومن ثم فإن ما يثيره المستأنف فى هذا الشأن ينحل إلى جدل موضوعى فى استخلاص صورة الواقعة وتقدير الدليل فيها، وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا يجوز مجادلتها أو مصادرة عقيدتها.

كما أن المحكمة لا تلتزم بمتابعة المتهم فى مناحى دفاعه المختلفة والرد على كل شبهة يثيرها استقلالا، إذ الرد يستفاد ضمنا من أدلة الثبوت التى أوردتها المحكمة وعولت عليها. ومن ثم، تلتفت المحكمة عن ذلك الدفاع؛ إذ لا يعدو أن يكون ضربا من ضروب الدفاع لدرء الاتهام الذى تردى فيه، وأحاطت به الأدلة التى اطمأنت إليها المحكمة.

كانت النيابة العامة اتهمت المستأنف فى القضية رقم ٨٣١٦ لسنة ٢٠٢٥ جنايات بولاق الدكرور، والمقيدة بالجدول الكلى برقم ٢٢٤٩ لسنة ٢٠٢٥ كلى جنوب الجيزة، بأنه فى غضون الفترة من منتصف عام ٢٠٢٢ حتى ٢٨ يناير ٢٠٢٣، أسس وتولى قيادة جماعة إرهابية الغرض منها الدعوة إلى الإخلال بالنظام العام، وتعريض سلامة المجتمع ومصالحه وأمنه للخطر، وتعطيل أحكام الدستور والقوانين، ومنع مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها، والاعتداء على الحرية الشخصية للمواطنين والحريات والحقوق العامة، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي؛

وتضمن قرار الاتهام أنه ارتكب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب، وكان ذلك التمويل لجماعة إرهابية وإرهابيين؛ بأن وفر وجمع وحاز ونقل أموالا للجماعة مع علمه باستخدامها فى ارتكاب جرائم إرهابية، وأمد أعضاء فى تلك الجماعة بها.